د. زهير ياسين شليبه 

تمهيد: يتميز هذا الديوان بناستولجيا الماضي والنظرة المتمعنة إليه لإنقاذ الحاضر والمستقبل! كل هذا يبدو من خلال أسماء حضارية وميثيولوجية ضاربة في القِدم، ذات دلالات عميقة: جلجامش ورفيق سفره إلى لبنان اوتونابشتم (صاحب العمر الطويل) وآلهة الخصب تموز، ومردوخ (سيد النور أو الوضوح) وعشتار إلهة الخصب وقابيل وهابيل ورُسل مثل “عيسى بن مريم” والرسول العربي “محمد الهاشمي”!

يُعبّرُ السينمائي والشاعر العراقي محمد توفيق عن إحساساته من خلال نظراته، فهو حقّاً كما قال عنه زميله ومجايله المخرج المسرحي د. فاضل السوداني في مقدمته لهذا الديوان “…فالإيقاع الداخلي في هذه القصائد نابع من تكرار الصور التي تؤكد على بصرية الرؤية الواقعية-الحلمية لأن الشاعر يمتلك بصيرة المخرج السينمائي…”. مقدمة الديوان، ص 11
درسَ محمد توفيق الإخراج والتمثيل في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وحازت أفلامه الروائية القصيرة والوثائقية التي تعدت الثلاثين على عدّة جوائز في مهرجانات عربية ودولية.

كتب مقالاتٍ وبحوثاً عن الفن السينمائي، وشارك في المهرجانات العربية والعالمية كمخرج وناقد سينمائي. عضو اتحاد المخرجين السينمائيين الدنماركيين وعدة نقابات دولية وعراقية أخرى.

صدر له كتاب “محطات الانتظار” تضمن ثلاثة نصوص سينمائية، فضلاً عن أربعة مجاميع شعرية: “مرايا الوجع”، “القلب محيطك”، “عطر كهولتي” و”تناهيد النوارس”! وكما نلاحظ من العناوين أنها تعتمد على الإحساسات الإنسانية والتجربة الخاصة والبصر.
أما ديوانه “معول أبي الذهبي” فقد صدر عن دار ميزر للنشر والتوزيع السويدية سنة 2025، وبعنوان فرعي: “نصوص شعرية”.
يضم هذا الديوان (112 صفحة) نصوصاً شعرية تتمحور حول الغربة الحقيقية بعيداً عن الأهل والديار والوطن، والوحدة والحنين والذكريات والمشاعر، وموضوعات إنسانية ووجودية ترتبط بمراحل العمر المختلفة: الطفولة، والشباب، والكهولة، مع حضور واضح للذاكرة والتأمل في التجارب الشخصية.

أحاول هنا التقاط الصور والرموز الشعرية، وقراءة النص وفق نظرية “الحوارية” وتعدد الأصوات، وبيان الموضوعات الرئيسة والبنية الدلالية للنص.

عنوان الديوان نفسه، “معول أبي الذهبي” يحمل دلالة رمزية لافتة، تستحق الإشارة إليها فـ”المعول” أداة حفر، يوحي باستحضار المعيل، أو صورة الأب بوصفه حاميَ الحمى وربَّ العائلة، صانعَ الحياة والذاكرة، ورمزَ الكفاح والعمل، وهي ثيمة مألوفة في الشعر والنثر المكرّس لسيرة الأسرة والأصالة.

فالمعول: رمز لحفر الأرض والذاكرة. والأب هنا لا يقتصر على كونه مجرد شخصية فردية، بل إنه رمز الأصالة والتجربة الأولى. أمّا الذهبي، فهو لون يوحي بقيمته العالية ونقائه وثرائه المعنوي أولاً والمادي ثانياً.
لذلك يمكن فهم العنوان على أنه استعارة عن تأثير (أو إرث) الأب على الابن (الشاعر) معنويّاً ونفسيّاً، المتجذّر في تجاربه وذاكرته الروحية التي لا تقدر بثمن. وقد لاحظت هذه الموضوعة في روايات عراقية درستها سابقاً مثل “المخاض” للراحل غائب طعمه فرمان و”نافذة العنكبوت” و”نزوة الموتى” لشاكر نوري.
وعند تسليط الضوء على قصائد الديوان لا بدّ لنا هنا من تذكّر قراءة عنوانه نقدياً وتحليل رموزه، وعرض موضوعاته الرئيسة.
وهكذا، يمكن قراءة ديوان “معول أبي الذهبي” باعتباره رحلةً شعريةً في الذاكرة الإنسانية، من الطفولة إلى الشيخوخة، من خلال استحضار رمز المنشأ والجذور والهوية والانتماء: الوالد!
الموضوعات الرئيسة: ولهذا، يمكن بسهولة لمس موضوعات متنوعة في هذا الديوان مثل الطفولة واستعادة بدايات الانطباعات والتجارب والفقد والغياب والحب في عمر الشباب وأحلامه، حتى الكهولة حيث يتأمل الإنسانُ الشاعرُ الآخرين وتجربته الذاتية، كأنه ينظر إليها من الضفة الأخرى.

ولا ننسى هنا الإشارة إلى الشيخوخة كما ذكرنا، والزمن كعامل مهم في فهم النص والجملة الشعرية، حيث تلعب الذكريات والحنين كمفاهيم، دوراً هامّا في إيقاع المفردة، وليس كإحساسات عاديّة أو لقطات بَصَرية لا غير! والإفصاح عن المشاعر الإنسانية المتنوعة بين الفرح والأسى في هذه القصائد ينساب كمياه رقراقةٍ في ساقيةٍ تشق بستاناً ينبض بالحياة الهادئة.

الأسلوب: يغلبُ على أسلوب الديوان تأمّلٌ إنسانيٌّ يجعل من إحساساته الشخصية مدخلاً إلى معنى إنساني أوسع، مستخدماً رمزية الأشياء اليومية (مثل المعول) وتحويلها إلى مفاهيم وجدانية، واستحضار الذاكرة بوصفها فضاءً شعرياً رئيساً والحوار مع الزمن من خلال الانتقال بين مراحل العمر المختلفة.
معول ابي يقين التراب
سليل الطبيعة
يمتد من اقصى الشمس
إلى قلب القمر (معول أبي، ص 15)
لوحات امي:
قلب امي ضفتا نهر
روحها شجرة توت وارفة
تدندن امي بشجن
وهي تسجر التنور فجراً (لوحات أمي، ص 64)
أبجديات:
الصخرة على قارعة الطريق
تعلمني لغة الصمت
الطير يهديني حنجرته الذهبية
الشجر يسلمني لونه الربيعي….
…….
وأنا الآن أمام مرآة نفسي
أتهجّى الحروف الاولى
لأبجدية الحياة (أبجديات، ص 99)
لا نزل هناك
لا نزل في تلعفر
قلوب الناس فيها منازل
أسطحهم في حمّارة الصيف أفرشة للضيوف
وفي قر الشتاء
لهم دفء القلوب مشاعل (لا نزل هناك، ص 103)

قراءة باختينية: وأحاول هنا قراءة بعض النصوص الشعرية وفق أفكار باختين من خلال استخدام تجربتي المتواضعة في تحليل الأسلوب الروائي اعتماداً على منهجه، أو السردية الشعرية. فإذا قرأناه بمنظور م. باختين، فإن صوت الشاعر لا يبقى منفرداً تماماً، بل يتحاور مع أصوات أخرى: صوت الأب وصوت الطفولة وصوت الذاكرة وصوت الحاضر الذي يعيد تفسير الماضي وترتيبه.
وهذا ما يمكن تسميته بـ”الحوارية الشعرية” حيث تتحول القصيدة إلى لقاء الأزمنة والتجارب المتعددة داخل “مشغل” الذات الإبداعية على حد تعبير عالم الأدب الروسي السوفييتي خرابتشينكو.
قد يحالف الحظُّ القارئ المتفاعلَ في التقاط بعض الصور أو الإيحاءات من نصوص الديوان نفسه، لتقديم تحليلٍ أدقّ للقصيدة، أو “قراءة باختينية” لها من خلال فكرة “الأصوات” رغم صعوبتها.
إذا نظرنا إلى النص من هذه الزاوية، فإن الحوارية لا تتجسد في “تعدد الأصوات” فحسبُ، بل أيضاً في توتّر صوتين أساسيّين: صوت واقع مؤلم لا يصرّح به الشاعر، وصوت رؤيا يواجِهُه (الواقع)، لكن ليس على الضد منه.
فحين يحلم الشاعر بوطن “سامق” وشعب “سمح كريم”‘ فإن النص يفترض وجود نقص أو غياب لهذه القيم في الواقع، وهكذا ينشأ حوار غير معلن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
فالقصيدة هنا تنتمي أحياناً إلى ما يمكن تسميته شعر اليوتوبيا الإنسانية؛ فهي لا تبني عالمها على البطولة الفردية أو الصراع، بل على قيم بسيطة، لكنها عميقة في الوقت ذاته: الحب، الأسرة، الجوار، الجمال، والكرم.
ومن خلال هذا التراكم تتحول كلمة “أحلم” من فعل شخصي إلى رؤية أخلاقية جماعية تبحث عن مستقبل أفضل للذات والآخرين (الوطن والشعب! الكل)!
لنتذكر، أنه منذ أن صاغ الفيلسوف والكاتب الإنجليزي توماس مور مصطلح “يوتوبيا” في القرن السادس عشر، ظل حلم المجتمع المثالي واحدا من أكثر الأحلام الفكرية إغراء وإثارة للجدل في تاريخ البشرية.
البعد البنائي: لا يقتصر تكرار الفعل المضارع “أحلم” على كونه لازمة إيقاعية، بل يؤدي وظيفة بنائية، إذ يقسم النص إلى وحدات متتالية، تمثل كل واحدة منها حلقة ضمن بناء عالم مستقبلي منشود، فالحلم هنا ليس فكرة عابرة، بل مشروع وجودي يتشكل تدريجياً.
دلالة التدرج المكاني والإنساني: يتحرك النص هنا عبر دوائر متسعة مثل: المرأة كرمز الحياة والعلاقة الإنسانية الحميمة! والطفلة: (استمرارية الحياة)، والمنزل – الوطن: (أمان المأوى)، والحديقة: (الخضرة، وجمال الطبيعة) والأهل والجيران: (العلاقات المجتمعية والاجتماعية) والوطن: (الفضاء الجمعي الأعلى)، وهذا التدرج يمنح القصيدة وحدة عضوية واضحة، فالصورة تمهد لما بعدها.
مفردات القصيدة وزمانها: ينتمي معجم القصيدة إلى حقل دلالي واحد: هو حقل الحياة الجميل وخصبها ونورها الساطع: قوس قزح، شعاع، خبز التنور، الياسمين، الزنبق، الكروم، المطر، النجوم، الأقمار والماء.
ولذلك تغيب مفردات القسوة والعنف والخراب والحزن والتذمر اليائس، حتى لو كانت القصيدة مكتوبة في ظل واقع مؤلم، فالشاعر لا يختار المقاومة، بل يتشبّث بالأمل مبتعداً عن كل ما يسيء لأنسنة إحساساته.
نلاحظ أنّ الأفعال كلها تقريباً تأتي بصيغة الحاضر: “أحلم”، والحلم هنا ليس مؤجلاً إلى مستقبل مجهول، بل يُعاش في لحظة الكتابة نفسها، وكأن محمد توفيق السينمائي والشاعر يؤسس وطناً رمزياً داخل ذاته ولغته قبل أن يتحقق واقعيّاً.
نظرة على قصيدة “أحلامي”: تنتمي قصيدة “أحلامي” إلى شعر الحلم والرجاء الإنساني، وتقوم بنيتها على تكرار الفعل المضارع “أحلم” بحيث يتحول إلى محور إيقاعي ودلالي يجمع أشلاء النص كلها.
الموضوع الرئيس في هذه القصيدة هو الأمل في تحقيق أبسط مقومات الحياة الإنسانية الرومانسية الهانئة، لكنه يبدو هنا بإيقاعٍ حزينٍ، تعبيراً عن حالة يأس نتيجةَ إخفاقاتِ نشاطاتٍ ومعتقداتٍ ثوريةٍ سابقةٍ، صارت تُفهم كأحلام يوتوبيّةٍ، وينطلق الشاعر من الحلم الفردي ليصل إلى الجماعي:
يبدأ بـ المرأة كما ذكرنا، بوصفها شريكة الوجود ورمز لأجمل ما فيه: الحب والحياة! ثم الطفلة رمز المستقبل والبراءة، ثم الأرض وما فوقها (البيت -الوطن) الذي يمثل الاستقرار، والحديقة رمز الجمال والخصب، ثم الجيران بما يمثلونه من قيم اجتماعية، وأخيراً الوطن بوصفه الإطار الأكبر الذي يحتوي الجميع وهكذا تتسع دائرة الحلم من الذات إلى الأسرة فالمجتمع فالوطن.
الصور الشعرية: تزخر القصيدة بصورٍ شعريةٍ مشرقةٍ رومانسية متفائلة تعتمد على عناصر الطبيعة:
“ضفائرها من قوس قزح” صورة تربط الطفولة بالجدائل وألوان البهجة، “بصرها محبوك من شعاع” صورة تجعل الضوء مادة للرؤية، “قلوبهم ساخنة مثل خبز التنور فجراً” تشبيه حميم يستدعي دفء الأسرة العراقية والشرقية، “روحها من ياسمين وزنبق” يمنح الحديقة بعداً عطرياً وروحيّاً، “حناجرهم من كريستال” صورة تدل على الصفاء والنقاء.
البنية الأسلوبية: تعتمد القصيدة على تكرار: فعل: “أحلم” ست مرات تقريباً، وجملٍ قصيرة متلاحقة، ولغة نثرية واضحة دون فذلكة مصطنعة مليئة بالمفردات الإنشائية والرموز غير المترابطة والغموض كما نلمس في بعض النصوص، لكننا نجد هنا صوراً غير مفتعلةٍ، بل إيجابية تخلق جوَّ التفاؤل، مما يجعلها (القصيدة) تبدو كأنها نشيد أو دعاء لتحقيق الأماني.
محاولة قراءة النص الشعري بحسب مفاهيم ميخائيل باختين عن الحوارية (الدِيالوجيا): لا يتكلم المبدع، الشاعر هنا بالذات بصوت فردي منعزل، بل تتحاور وتتجاور أو تشترك وتتشارك في نصّه عدة أصوات: صوت العاشق في حلم المرأة، وصوت الأب في حلم الطفلة، وصوت الإنسان الباحث عن البيت والأمان، وصوت المواطن في حلم الوطن، وصوت الجماعة في صورة الجيران والأهل، وصوت أخر يعلو على بقية الأصوات الصاخبة كلها رغم هدوئه! إنه صوت الوطن الباقي رغم الطغاة والحروب والتغيرات الهائلة دون ضوضاء وافتعال مثل الماء لا يُسمع غير خريره!
لهذا تبدو القصيدة هنا رمزاً للأمل، أو كحوارٍ بين الذات والعالم، وبين الواقع الناقص والحلم بالممكن! إنها الأمل في نجاة الوطن!
دلالة الخاتمة: وأرى أن القصيدة تصل إلى ذروتَها وتحقق خاتمتها في قول الشاعر:
“أحلم بوطن
قامته سامقة
كالنجوم والأقمار …
وشعب سمح
كريم مثل الماء”
هل هو تجسيد لفكرة الشوق للوطن، والانتماء إليه، والتعبير عنه بعيداً عن المباشرة السياسية والتبشيرية العقائدية، أو صدى لما يردده العراقيون أنفسهم، بالذات المقيمون في الخارج عن تعلّقهم الكبير ببلدهم، والتصاقهم به بغض النظر عن انتماءاتهم وولاءاتهم الحزبية: فهنا تتحول الأحلام الخاصة كلها إلى أمنية وطنية وأخلاقية. والوطن المنشود ليس مجرد أرض وتضاريس جغرافية، بل منظومة قيم أساسها الشوق والحنين والكرم والمحبّة والتسامح وصفاء العلاقات الإنسانية. قد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى تعليق أحد النقاد، لا أتذكّر اسمه وفي أي مقال عن المبدعين العراقيين المقيمين خارج وطنهم، بأنهم يهتمون بالغربة “حد الهوس”. كأنه يعتقد، أو هكذا يُفهم من كلامه، أنهم يبالغون في وصف مشاعرهم عن الغربة، أو يفتعلون هذه الموضوعة والإحساس، أو “يستكثر” عليهم اهتمامهم بها! وأرجو أن أكون مخطئاً في فهمه. قد يكون من الصعب عليه تصوّر معنى أن يكون المرء مهجّراً قسراً عن بلده الأم، وبالذات إذا كان ذلك لأسباب سياسية! فمن ذاقَ عرف! هناك اختلاف كبير بين المهجَر العادي كالسفر لغرض الدراسة أو العمل والمنفى الحقيقي حتى لو كان اختياريّاً! الاغتراب القسري لا يختلف كثيراً عن المنفى الرسمي مهما تعددت الأسباب واختلفت، فالنتيجة قاهرة، حيث لا يمكن للمغترب أو المنفي العودة إلى الوطن! هذا هو حال اغلب المبدعين العراقيين الذين اضطروا إلى سكن المنافي هرباً من ظلم حكّامهم! وفي المقابل، ليس بالضرورة أن يكون الكاتب منفيّاً أو مغترباً أو مهاجراً ليستلهم فكرة الحنين إلى وطن آمن والتراث والتاريخ والتغنّي بالانتماء الحضاري. *
وقصيدة الشاعر محمد توفيق، متفائلة، تبني عالمها من مفردات إنسانية أو تعكس عالمنا وواقعنا الحزين مثل: الأحلام والأرض والبحر والترنيمة والطيور وجارتي وجاري العجوز والقطة لونا وحي نوبس مولا في مدينة بيكيرود الدنمركية والشجرة والقناديل والنور والخبز والياسمين والكروم والمطر والماء، لذلك يغلب عليها الحس الإنساني والوجداني الطبيعي أكثر من النزعة الاحتجاجية الثورية أو المعبّرة عن الظلم والمأساوية!
تحليل لغوي وأسلوبي لقصيدة “العراق بوصلتي”: تنتمي هذه القصيدة إلى شعر الحنين والهوية الوطنية، وتقوم على فكرة مركزية هي أن العراق ليس مكانًا جغرافيًّا فحسب، بل بوصلة روحية ووجودية توجه الشاعر أينما ذهب.
يعبر الشاعر عن ارتباطه العميق بالعراق رغم الاغتراب القسري إن لم نقل النفي وسوء تعامل السلطات له، حتى أصبح الوطن حاضرًا في ذاكرته ووجدانه وتفاصيل حياته، فلا يمكنه الانفصال عنه مهما ابتعدت المسافات.
والعنوان هنا أيضاً، كما أشرنا سابقاً، يحمل دلالة رمزية واضحة، فالبوصلة أداة تهدي المسافر إلى وجهته، والعراق هنا هو الاتجاه الثابت الذي يعود إليه القلب والروح مهما تنوعت الأمكنة.
أما البناء الدلالي فيتجسّد في حضور العراق في كل مكان، يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:
أينما أضع قدمي
تقع على تراب العراق
وهي صورة، قد يراها بعضهم، كما أشرتُ مبالغ فيها فنيًا، لكنها تؤكد إحساس الشاعر بأن الوطن يرافقه نفسيًا، حتى إن الأرض كلها تتحول في مخيلته إلى امتدادات عراقية. كذلك نلاحظ استحضار الرموز العراقية الحضارية
من تاريخه وجغرافيته: النخيل والأهوار والزقورات وبابل وآشور وغيرها من الرموز التي لا تظهر كآثارٍ جامدةٍ، بل ككائنات حية تسكن وجدانه وتشكل هويته الثقافية. ونلاحظ أيضاً تجسيد الغربة القسرية في قوله:
أنا الغريب
أدور في الدنيا وليس لي نسيب
ينتقل النص من العزّة الحضارية إلى الشعور بألم الوحدة والبعد، فالغربة ليست مجرد ابتعاد مكاني، بل فقدان للأمان من خلال الأسرة وامتداداتها، كما يبدو ذلك في إشارته إلى عدم وجود فنادق في مدينة تلعفر (انظر قصيدة: تلعفر).
ويتم تذكر الجغرافية روحيّاً من خلال دجلة والفرات رمز الانتماء إلى بلاد مابين النهرين، يقول:
دمي عذب، ماء فرات
ودجلة أسرار روحي
يلتحم أو يذوب الإنسان بالمكان بحيث يصير دجلة والفرات ومائهما ذاكرته mooالنفسية وشخصيته.
خاتمة الحديث عن القصيدة: تنتهي القصيدة بقول الشاعر:
أينما يحل بي المقام
تشير بوصلتي إلى العراق

فتعود الخاتمة إلى فكرة العنوان، مما يمنح النص وحدة عضوية ويؤكد أن العراق هو البداية والنهاية والمرجع الثابت.
اللغة والأسلوب والدلالة العامة: لغة نثرية شعرية سلسة واضحة ومباشرة تتميز بوصف اللقطات السينمائية كما اشرت، بل هي أقرب للواقعية والبساطة، وأكثر ابتعاداً عن الافتعال! لكنها تتميز بكثافة الرموز الحضارية والتاريخية، وحضور ضمير المتكلم بحيث يمنح النص صيغة الاعتراف من خلال الرموز والإحساس الوجداني الصادق المتميز بالحنين والأنين، قد يصل حد البكائيات الوجدانية كما هو الحال لدى بعض الشعراء!

القصيدة ليست مجرد نشيد رومانتيكي حزين للعراق، بل هي نص عن هوية العراقي في منفاه أو اغترابه القسري، فالشاعر يؤكد أن الوطن الحقيقي يسكنه إنسانه الأصيل ولا يتنكر له، وأن المسافات لا تستطيع أن تغيّر اتجاه القلب حين تكون “البوصلة” مزروعة في الروح.
——-

* قرأتُ قبل فترة عنوان قصة قصيرة للكاتب العراقي علي البدر بعنوان: “بين إنكي وأوتونابشتم يكمن الأمان”، وطبعاً عنوانها يكفي لفهم محتواها. نقرأ في هذه القصة نصّاً جميلاً، “تجوّلتُ في أزقَّتِها الضيِّقةِ، كَمَن يبحثُ عن ظِلّهِ بين جدرانِ الطين الصامتةٍ وترابِها الذي يحتفظُ بأنفاسِ الكهنةِ وآثارِ التراتيلِ القديمة. “أوروك”، ما أروعُكِ! في كل حَجَرٍ ذاكرةٌ، وفي كل لبنةٍ حنينٌ إلى زمنٍ كان فيه الإنسانُ يكلّمُ الآلهةَ وجهاً لوجه.