كيف يعرف حجم الثقل الاقتصادي الحقيقي لأي دولة في العالم؟ الإجابة تكمن في “رصيد استثماراتها الخارجية الصادرة”، هذا المصطلح لا يعبر عن مجرد أرقام، بل يمثل مجموع الأصول والمشاريع التي بنتها الدولة خارج حدودها على مدار سنوات لترسيخ دورها كشريك فاعل في الاقتصاد العالمي.
تعكس الأرقام قفزة نوعية في الأداء الاستثماري لدولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يقدر رصيد استثماراتها الخارجية المتراكمة للاستثمار الأجنبي الصادر نحو تريليون و50 مليار درهم لعام 2024، بنمو 9% مقارنة بالعام السابق.
هذا الإنجاز وغيره من النجاحات دفع الإمارات إلى البقاء في القمة واستمرارية ريادتهاعالمياً بمؤشر التنافسية، فمع بحلول منتصف هذا العام 2026 حصدت الإمارات مراكز الصدارة في 4 مؤشرات سيادية رئيسية للتنافسية العالمية، شملت: الأداء الاقتصادي، وريادة الأعمال، وجاذبية الاستثمار، ومرونة البيئة التشريعية الحكومية، وذلك وفقاً لما وثّقه المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء.
وتوج هذا المسار التصاعدي المستمر مؤخراً بإنجاز استراتيجي جديد، تمثل في حلول الإمارات بالمرتبة العاشرة عالمياً والأولى إقليمياً في مؤشر “أفضل الدول 2026” الصادر عن كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا، بمجموع 86.5 نقطة.
هذا النمو المستدام مكّن الدولة من تحقيق منجزين بارزين:
الصدارة الإقليمية: تبوّء المركز الأول على مستوى العالم العربي في حجم الاستثمارات الصادرة.
الريادة العالمية: تأكيد مكانتها الراسخة ضمن قائمة أكبر 20 دولة مستثمرة حول العالم.
التدفقات السنوية
وعلى صعيد التدفقات السنوية، سجلت الدولة خلال عام 2024 وحده 23 مليار دولار صافي استثمارات أجنبية مباشرة صادرة (FDI Net Outflows)، ما يعكس استمرارية الزخم الرأسمالي الإماراتي في الخارج، وفقاً لمنصة “فيجوال كابيتاليست” العالمية لأكبر الدول المستثمرة.
آليات التدفق: كيف تتحرك الاستثمارات الإماراتية عالمياً؟
لا تتحرك الاستثمارات الإماراتية في الأسواق الدولية بشكل عشوائي، بل تتدفق عبر ثلاثة مسارات منضبطة ومدروسة لتعظيم القيمة المضافة:
-الاستحواذ المباشر: شراء حصص مؤثرة في شركات عالمية رائدة.
-إعادة تدوير الأرباح: إعادة استثمار العوائد المحققة في الأسواق الخارجية لتوسيع المشاريع القائمة.
-التمويل البيني: تقديم قروض استراتيجية وتسهيلات مالية بين الشركات الأم في الإمارات وفروعها الدولية.
-الأذرع التنفيذية: تحالف الصناديق السيادية والشركات الوطنية.
منظومة تكاملية
يقف وراء هذه البصمة العالمية منظومة تكاملية تقودها أذرع استثمارية وطنية كبرى وصناديق سيادية تُصنف ضمن الأقوى عالمياً، ومن أبرزها:
المؤسسات والشركات الوطنية: تشمل “أدنوك” (الطاقة) التي توسّع استثماراتها عالمياً في النفط والغاز والبتروكيماويات، و”موانئ دبي العالمية” (اللوجستيات وسلاسل الإمداد) التي تدير شبكة موانئ ومناطق اقتصادية دولية تعزز التجارة العالمية، و”مصدر” (الطاقة المتجددة) التي تطور مشاريع في الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، و”G42″ (الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا) التي تستثمر في حلول الذكاء الاصطناعي والبيانات والحوسبة السحابية.
المؤسسات السيادية الداعمة: تشمل “جهاز أبوظبي للاستثمار” (ADIA) أحد أكبر صناديق الثروة السيادية عالمياً، ويستثمر في محفظة دولية متنوعة من الأصول لتحقيق عوائد طويلة الأمد، إلى جانب “مبادلة للاستثمار” التي تدير استثمارات استراتيجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والصناعة والطيران.
الجغرافيا الاستثمارية: بصمة إماراتية عابرة للقارات
تتسم الخارطة الجغرافية للاستثمارات الإماراتية بالتنوع والعمق التاريخي، إذ تتوزع بين قطاعات حيوية في مختلف قارات العالم وفق خطة زمنية ممتدة:
-أفريقيا (منذ السبعينات): استثمارات تاريخية وتنموية مستدامة.
-آسيا الوسطى (منذ التسعينات): بناء شراكات واستكشاف فرص واعدة في أسواق ناشئة.
-المملكة المتحدة (منذ 2008): ريادة في قطاع الطاقة المتجددة والبنية التحتية.
-الهند (منذ 2012): توسع جوهري في قطاع اللوجستيات والموانئ والشحن.
-فرنسا (منذ 2024): شراكات استراتيجية موجهة نحو التكنولوجيا المتقدمة والابتكار.
-جمهورية مصر العربية( 2024): تطوير مشروع “رأس الحكمة” الاستراتيجي، كواحد من أكبر المشروعات التنموية في المنطقة.
التوازن المالي.. جاذبية الداخل وتوسع الخارج
بالموازاة مع التمدد في الخارج، حافظت البيئة الاستثمارية المحلية للإمارات على جاذبيتها الفائقة؛ إذ قفزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة (Inbound FDI) إلى الدولة لتسجل 45.6 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بـ 30.7 مليار دولار في عام 2023، ما يبرز حالة التوازن الديناميكي للاقتصاد الإماراتي كمركز جذب وتصدير لرؤوس الأموال في آن واحد.
الإمارات لا تستثمر في أصول، بل تستثمر في علاقات استراتيجية عابرة للقارات. تحريك هذه الثروات يعكس رؤية بعيدة المدى تتجاوز الربح السريع، لتصنع من الدولة شريكاً موثوقاً وصانع قرار حقيقي في تشكيل ملامح النظام الاقتصادي العالمي.
