جدارية لعرض “قصة لعبة 5” في باريس، 14 يونيو 2026 (جوليان حكيميان / Getty)
لم تكن اللهجة المصرية في أفلام “ديزني” يوماً مجرد ترجمة لنصوص هوليوودية، بل كانت عملية “توطين للروح”؛ إذ اندمجت الشخصيات الكرتونية مع الشارع المصري واكتسبت خفة ظله وتلقائيته. يتأكد بريق الدوبلاج المصري وعمقه التاريخي مع الإعلان عن انضمام الفنانة المصرية رحمة أحمد إلى النسخة العربية من فيلم “قصة لعبة 5” (Toy Story 5) لتجسيد شخصية ليلي باد. هذه الخطوة الفنية تعيد إلى الأذهان وهج هذه الصناعة، وتثبت أن الشغف بهذا الفن لم ينقطع برحيل جيل أو تغير أدوات العصر.
أعربت رحمة أحمد عن سعادتها البالغة بهذه التجربة التي تخوضها للمرة الأولى في مسيرتها الفنية، واصفة إياها بالتحدي الكبير. وأضافت قائلة إن المفاجأة التي تلقاها صناع العمل من ردات الفعل الإيجابية على منصات التواصل الاجتماعي بمجرد الإعلان عن الخبر تعكس مدى ارتباط الجمهور العربي بهذا العمل.
يظل الفنان محمد هنيدي واحداً من أهم أعمدة فن الدوبلاج في العالم العربي وأبرزها، فشكلت بصمته الصوتية محطة فارقة في تاريخ أفلام الرسوم المتحركة عندما قدم شخصية تيمون في فيلم “الأسد الملك” ومسلسل “تيمون وبومبا”.
يرى هنيدي أن تقديم الدوبلاج لأعمال الأطفال يمنح الممثل متعة خاصة، وقدرة فريدة على بناء قاعدة جماهيرية واسعة ومستدامة من فئة صغار السن الذين يرتبطون بالصوت ويحملونه معهم إلى المستقبل.
تكلل هذا النجاح الاستثنائي بتكريم رسمي لهنيدي من شركة ديزني العالمية، بعد أن تمكنت الشخصية التي دبلجها، كما يوضح لـ”العربي الجديد”، من تحقيق انتشار ونجاح مدوّ في غضون أيام قليلة، على الرغم من أن العمل كان يمتد إلى ثمانين حلقة. يشير هنيدي إلى أن تحدي الوصول إلى قلب الجمهور وعقله عبر الصوت فقط هو أمر شديد الصعوبة، لكنه شغف بدأ معه منذ بداياته الأولى في المسلسلات الإذاعية.
وفي ما يتعلق بالتمسك باللهجة المصرية، يوضح هنيدي أن هذا الخيار يُتّخذ بناء على موافقة واستراتيجية واضحة من الشركات المنتجة، لكون اللهجة المصرية هي اللهجة الدارجة والأكثر فهماً وانتشاراً وسلاسة لدى الجمهور العربي بمختلف فئاته مقارنة باللغة العربية الفصحى، التي قد تبدو قوية أو صعبة الاستيعاب للأطفال في سياق الكوميديا، مؤكداً تطلعه إلى تقديم المزيد من الأعمال العالمية بهذه اللهجة الدارجة البسيطة، التي تتجلى أيضاً في مشاريع أخرى، مثل مسلسل “سوبر هنيدي” وفيلم “الفارس والأميرة”.
كان دافع كثير من الفنانين للمشاركة في الدوبلاج محملاً برؤية تربوية ورسالة أخلاقية، ما يفسر مشاركة الممثل أحمد بدير في الجزء الأول من فيلم “قصة لعبة” عام 1995 من خلال أداء شخصية باز يطير. وعلى الرغم من النجاح المدوي للشخصية، إلا أنها كانت التجربة الأولى والأخيرة له في هذا المضمار.
يوضح بدير لـ”العربي الجديد” أن ميله الشخصي إلى أفلام الأنيميشن والكرتون كان مشروطاً بنوعية المحتوى المقدم؛ فحينما كانت الساحة الفنية تموج بأفلام أجنبية تعتمد على العنف وتقدم مضامين لا تليق بالطفل العربي والمصري، وجد في “قصة لعبة” عملاً مختلفاً يحمل رسائل إنسانية محترمة وقصة جديرة بالاهتمام، تجمع بين القيمة الأخلاقية والكوميديا المناسبة للمرحلة العمرية.
تعكس هذه الانتقائية حرص الفنان على تقديم فن هادف، وهو أمر يؤكده بدير بإعلان ترحيبه بالعودة إلى هذا المجال ما دام العمل يوجه رسائل إيجابية إلى الأطفال، خاصة في ظل الندرة الحالية للأعمال الموجهة لهذه الفئة العمرية الحرجة التي تحتاج إلى صياغة وعيها بعناية فائقة.
تتطلب عملية الدوبلاج والتمثيل الصوتي أدوات أدائية معقدة وخبرة عميقة تشبه، إن لم تتفوق على، التمثيل المسرحي والسينمائي؛ فهي تحكم دقيق في الطبقات الصوتية وتطويع للمشاعر الإنسانية. هذا التحدي التقني يبرز بوضوح في تجربة الفنان رشوان توفيق الذي قدم شخصية الزعيم بوهاتان في فيلم “بوكاهونتاس”.
يؤكد توفيق لـ”العربي الجديد” أن المتعة الأساسية في هذا العمل كانت تنبع من الإحساس بالمسؤولية تجاه الطفل، ما كان يدفعه إلى دراسة الشخصية والأعمال ومذاكرتها بدقة متناهية، والتحقق من خلو النص من أي أفكار أو إيحاءات قد لا تتناسب مع قيم المجتمع وتقاليده.
وقد شهدت فترة التسعينيات وما بعدها ما يمكن تسميته بالعصر الذهبي لدوبلاج أفلام الرسوم المتحركة في مصر، فتحولت هذه الأفلام إلى ساحة لعرض مهارات المؤدين الذين أضفوا قيمة فنية على هذه الأعمال. وتجلت هذه المدرسة الإبداعية في تنوع الأصوات وتكاملها؛ إذ لمع الممثل علاء مرسي في شخصية التنين موشو في فيلم “مولان”، ثم تولى إرث شخصية تيمون في الجزء الثالث.
وفي عام 2017، تراجعت شركة ديزني عن اعتماد العربية الفصحى في دبلجة أفلام الرسوم المتحركة، وعادت إلى استخدام اللهجة المصرية بعد حملات على منصات التواصل الاجتماعي طالبت بذلك. تعود أولى بوادر هذه الحملات إلى عام 2013، عندما دعت صفحة ديزني بالعربي على “فيسبوك” متابعيها إلى التوقيع على عريضة إلكترونية تطالب شركة ديزني بالتراجع عن قرار اعتماد الدبلجة بالعربية الفصحى.
وتجددت المطالبة عام 2014 مع إطلاق وسم #أنقذوا_ديزني، تزامناً مع عرض النسخة العربية المدبلجة من فيلم “ملكة الثلج” (Frozen). وفي مرحلة لاحقة، أطلق مستخدمون وسم #ديزني_لازم_ترجع_مصري، للمطالبة بإعادة دبلجة أفلام والت ديزني الشهيرة باللهجة المصرية. وفعلاً، في عام 2022، قدمت “ديزني” فيلمها “إنكانتو” (Encanto) إلى جمهورها في العالم العربي بدبلجتين منفصلتين باللغة العربية، واحدة بالعامية المصرية، وأخرى بالفصحى.
تاريخياً، حفر الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة اسمه في الذاكرة الفنية من خلال أدائه شخصية الشر المطلق جعفر في فيلم “علاء الدين”، وشخصية الأسد سكار في فيلم “الأسد الملك”، الذي شارك فيه أيضاً الممثل والموسيقي هاني عادل بشخصية سيمبا الشاب، والفنانة هالة فاخر في دور زيراء.
ولم تقف المشاركة عند هذا الحد، بل ضمت القائمة أسماء لافتة، مثل الفنان الراحل أحمد راتب في فيلمي “أحدب نوتردام” و”هرقل”، وخالد الصاوي في شخصية نمور ضمن عالم “ويني الدبدوب”، والراحل خالد صالح في شخصيتي جل في فيلم “البحث عن نيمو” والكلب دوستو.
تضاف إلى هذا السجل الحافل أسماء سينمائية شابة وقتها، مثل الفنانة منى زكي في دور بوب بيب في “قصة لعبة”، وأحمد السقا في شخصية ميلو ثاتش في فيلم “أتلانتس”، والممثلة المعتزلة حنان ترك التي تركت بصمة لا تنسى بشخصية سالي في فيلم “شركة المرعبين المحدودة”.
