أقصد بالتأكيد القتل المعنوي، لا البدني، رغم أن عثرات الكاتب لا تُعد ولا تُحصى، وخصوصاً أن الحقل الرمزي في الحياة يكون دائماً عرضة للأحقاد من كل صوب، ولا سيما من أصدقاء الصنعة.

مؤكّدٌ أن الكتابة لا تحتاج إلا إلى ورقة وبعض الأقلام وروح عنيدة تتشوّق لهذا النصر الرمزي أو المجد الرمزي من خلال الكتابة، وقد يتحول الرمز أحياناً إلى سلطة رمزية وبحبوحة من العيش في حالات قليلة جداً في عالمنا العربي، فمن ذلك الذي يحوّل معركته مع الكاتب محاولاً قتله رمزياً بأي شكل أو حتى قتله معنوياً إن استطاع؟

قد يتحوّل الكاتب نفسه إلى أشد أعداء نفسه في بعض المواقف، ولكن حتماً لا يقبر الكاتب نفسه أبداً، حتى وإن خطط بمهارة لانتحاره، تظلّ الكتابة النصر الوحيد الذي استطاع الكاتب في كل ظروفه التعيسة أن ينجزه، وهي أيضاً أمله الوحيد حتى وإن سُدّت كل الطرق.

لا أتكلم عن رومانسية، بل عن عناد الحجر، حجر هناك في الذات يقاوم كل قتل إن احتمى المرء بالكتابة، وخصوصاً لو رأى الكاتب بنفسه ولنفسه أن هناك ذلك الأمل الكامن في خلاياه، ولامس ذلك الحجر، حجر اليقين الغامض، داخل روحه، فيمسّه ذلك السحر، سحر أن يمسك الورقة والقلم ويكتب، أو يكتب على الغيم هوسه أو جنونه، أو أي شيءٍ آخر، يصير كتابة، ولو حتى كتابة مؤجّلة لأي وقت، وفي أي وقت.

هل الكتابة كالحلم تماماً، صعب أن تُحرم منها روح، أي روح، أم هي أشياء أخرى أكثر طيبة وعدلاً من الأحلام، وأكثر من الأحلام صنعة؟ هل الكاتب مقاتل من نوع آخر، وصاحب أحلام من نوع آخر، أحلام يرعاها نائماً أو وهو مسرور، أو وهو فوق الجبل يربّي عصافير أوهامه، ويرعى تلك الأوهام بمسؤولية الأم، وبتربية الأم، وبوفاء المحب النبيل، حتى وإن ضاقت الطرقات والعيش أيضاً؟ ما الذي يجعل المرء شغوفاً بها إلى هذا الحد، وكأنه يرعى محصوله من دون زراعة، ويأمل أيضاً في الحصاد، حصاد هناك، حصاد مأمول، وفي حكم الغيب. ورغم ذلك كله، هناك ذلك الفرح الغامض المنتظر منها، فرح يشبه ذلك الحبّ الذي لا يعوّل على التحقق، ولكنه يمسك غيومه كلها وهو يكتب، ويتربع فوق تلك الغيمة المستحيلة.

يرحل كل كاتب من إقليمه أو قريته أو مدينته الصغيرة، إلى تلك المدينة الأم، إلى تلك الندّاهة التي تغوينا من بعيد، إلى ذلك السامر المنصوب في مقاهي المدن ومنتدياتها، إلى التعارف والكلام والتواصل وملامسة الكتب والفرح بالإهداءات من أيدي الكتّاب، والفرح بملامسة عرق الكتابة في المقهى، والفرح بالأسماء وهي مطبوعة في الجريدة أو المجلة، وخصوصاً حينما تهدينا الكتابة بعض هداياها، نفرح قليلاً، وتأتي الحسابات غالباً حينما يشتدّ عودنا في الكتابة، ويبدأ هناك نصب الفخاخ ورمي السهام على ذلك الفرح الرمزي الذي يشبه فرح الأيتام.

تبدأ النبال خفيفة، ثم يتطوّر الأمر إلى سهام جارحة، كما حدث مع الراحل محمد حافظ رجب، الموهبة الحوشية التي انفرطت بكل مكنونها وجنونها في قلب القاهرة، ولكن محمد حافظ رجب كان فيه من الشراسة والصمت ما يكفي، إلى أن أحس بعد سنوات أنه لم يأتِ كي يحارب، بل فقط كي يكتب، فإذا به يلملم جراحه ويعود إلى الإسكندرية، ويدخل في عزلته المثمرة حتى رحيله، من دون أن ينكسر قلمه، ومن دون أن يتحوّل إلى ترس خادم في ماكينة منتج القاهرة، أو إلى مصفق وكاتب مسلسلات وبرامج ومدّاح للناشرين وأصحاب الفضل في بقاع العالم.

يأخذ المرء من الكتابة ما يريد على قدر تسفله هو، لا تسفل الكتابة، هو يستخدم الكتابة ملعقةً لأطماعه، وأحياناً أطماع أولاده وأحفاده إن لزم الأمر، حتى يعود إلى قريته أو مدينته الصغيرة وقد ملأ طبقه بالمرق، أو المذلة، لا ذنب للكتابة هنا، ولكن الذنب هو ذنب المرء وذنب مسعاه. فهل أخطأت “الجلطة” طريقها من أيام قليلة، حينما سعت بكامل قسوتها كي تدخل إلى قلب رجل طيب ووحيد يعيش للكتابة من أربعين سنة، وللكتابة فقط، بلا سند، سوى خطواته في مدينة قاسية، وهو الشاعر عماد أبو صالح؟ هل أنجزت الجلطة كامل غدرها له؟ جاء من قريته في الدلتا كي يتشاغل عن الأذى بالكتابة، لم يأخذ شيئاً سوى خطواته، ولم يضايق أي أحد حتى في كسرة أو كوب شاي. حاول أن يمشي بهموم العالم ومحبته أربعين سنة في مدينة قاسية، والغريب أنه مشى وكتب أيضاً رغم أنف النبال والسهام، ولكن دفعت شرايين قلبه الثمن وهو في الستين.