حاورتها: ضحى المل

لا تتحدث الروائية «ناهد تاج» في حواري معها عن تقنيات السرد بوصفها أدوات فنية فحسب في روايتها «زهرة من فستان قديم» فقط، بل تكشف عن فلسفة كاملة للكتابة تنطلق من إيمان عميق بأن الإنسان يحمل في داخله أكثر مما عاشه، وأن الذاكرة ليست ملكاً فردياً خالصاً، بل امتداد لذاكرة جمعية تتناقلها الأجيال عبر اللغة والحكايات والأمكنة. ومن هنا يصبح أثر الحرب أوسع من حدود الجغرافيا والتاريخ، إذ يستقر في الوجدان الإنساني حتى لدى من لم يشهدها بعينيه.

كما يفتح الحوار أبواباً متعددة على رؤيتها للرواية بوصفها بناءً جمالياً تتكامل فيه الصورة والمعنى، وعلى علاقتها بالزمن المتشظي، وبالصراع الدائم بين قسوة الواقع وضرورات الحلم. وهي رؤية تجعل من الكتابة مساحة للاستشفاء الذاتي من جهة، ومرآة يواجه القارئ فيها ذاته وأسئلته وندوبه الخفية من جهة أخرى. بين الذاكرة والخيبة، وبين الفن والحياة، وبين الحكاية وما وراء الحكاية، يتشكل هذا الحوار ليقدم للقارئ فرصة نادرة للدخول إلى المختبر الإبداعي لكاتبة ترى أن الأدب ليس ترفاً جمالياً، بل محاولة دائمة لفهم الإنسان وهو يعبر هشاشته وآلامه وأحلامه بحثاً عن معنى أعمق للوجود.ومع الروائية المصرية ناهد تاج أجريت هذا الحوار:

{ تقولين أن الحروب تعيش داخل الفرد لو لم يعشها زمنياً، هل ترين إن الإنسان يولد بذاكرة ليست له؟

– نعم، الإنسان مرتبط بالماضي، والماضي لا يموت، يولد الفرد داخل «ذاكرة جماعية» محفوظة في اللغة، والطقوس، وأماكن التذكر، وسرد الحكايات في البيت والمدرسة. لأن لله خلقنا من نفس واحدة ونفخ من روحه نفخة واحدة، لذلك جميعنا مشتركين في الذاكرة نفسها بمعنى «الذاكرة الجماعية» التي تعمل على تشكيل شخصية الفرد في شكل جمعي بمعنى «نحن» وليس «أنا» لذلك تأثير الحرب يسكنه كأنه عاشها بالفعل بصيغة حديثة.

{ حين تتحدثين عن الرواية كتصميم بصري، هل ترين أن الشكل أهم من المعنى أم أنهما شيء واحد؟

– الشكل عامل مهم لأنه يعتمد على الإبهار بهدف إثارة شغف القارئ لاقتناء الرواية وبالتالي الشكل يكمل المعنى بينما المعنى هو العامل الأساسي لنجاح الرواية، بمعنى، إذا كانت الرواية قوية والشكل ضعيف، تظل الرواية قوية، إنما إذا الشكل قوي والرواية ضعيفة، تتحوّل الرواية إلى منتج بصري فارغ.

{ هل يحدث أن «يختلّ التوازن الجمالي» عندك فتشعرين أن الرواية فقدت اتجاهها؟

– لم يختلّ التوازن، لأن قبل البدء في كتابة الرواية أضع خطة محكمة لبناء أساس السرد من خلال الفكرة والحبكة الدرامية التي تناسب الشخوص والأحداث عبر الزمان والمكان، وكيفية تنسيق العتبة الأولى وتضافرها مع تفاصيل الحكاية وصولا إلى نهاية منطقية.

{ هل هناك لحظة أثناء الكتابة تشعرين فيها أن العمل اكتمل، أم أنه دائما يبقى ناقصا؟

– قناعتي الشخصية أن الكتابة لا تقاس بالكمال أو النقصان، لكن هناك لحظة أشعر فيها بوجوب رفع القلم وهذا يحدث غالبا، أن أترك النهاية مفتوحة لكي يشعر القارئ أن له مساحة مفتوحة تجعله يفكر ويطرح بعض الأسئلة كأنه مشارك في صنع الرواية.

{ تقولين إن الصراع بين الواقع والتوقع هو جوهر أعمالك. هل المشكلة في أن الواقع قاس، أم أن التوقعات نفسها وهم ضروري؟

– سوف أجيب على هذا السؤال من وجهة نظري كفنانة تشكيلية، المشكلة الأزلية تكمن في أن الواقع مثل العقل، حقيقي جدا ويفكر أكثر من اللازم، والتوقع مثل القلب يشعر بتحقيق الآمال والأمنيات دون قيود كأنها حدثت بالفعل، وعندما يصدمنا الواقع، يولد الإبداع وينتج عنه عمل فني جميل، يسر الناظرين برغم معاناة الفنان، أظن لو لم يكن التوقع لن يكون هناك إبداع وتتحوّل الحياة إلى جماد.

{ هل تكتبين لتصالح القارئ مع خيبته، أم لتعمّق إحساسه بها؟

– لدى هدفين من الكتابة، أولا: أكتب لكي أسكب معاناتي على الورق للاستشفاء من أوجاع الفقد والخذلان. ثانيا: لكي أضع القارئ أمام مرآته؛ لأنه سيرى نفسه أو بعض منها في سير أحداث العمل السردي، ربما يجد ضالته، أو يعيد التفكير في حياته بمنطق إيجابي، وفي كلتا الحالتين، الخيبات ضرورية لتقوية البناء النفسي للشخصية بغرض استمرار الحياة بطريقة سليمة.

{ هل كنتِ تكتبين الزمن في الرواية كما يُعاش داخل الذاكرة، أم كما يُرتب في الحكاية؟

– أكتب الزمن كما يعاش داخل الذاكرة، وغالبا أعتمد على فكرة التشظي الزمني لأن مشروع كتاباتي مضمونه تأثير الحرب على الفرد وبالتالي المجتمع، لذلك استخدم مفردات الحرب مثل: المراوغة والخداع والفقد والظلم، في بناء المشهد، مثل التلاعب بقفزات الزمان والحيل الماكرة في التنقل بين الرواة، وغيرها، والهدف من ارتباك النص، أن يظل القارئ متيقظ ويشعر بمصداقية الحكي.