أوضح الفنان السوري حسام تحسين بيك موقفه من الانتقادات التي طاولت تصريحاته الأخيرة بشأن واقع الفن في سوريا، مؤكداً في حوار مع “المدن” أن حديثه لم يكن موجهاً إلى الفنانين أو إلى النتاج الفني بحد ذاته، بل إلى الإهمال الذي تعرض له القطاع الفني على مدى سنوات من قبل الدولة.
وقال تحسين بيك أنه عبّر عن هذا الرأي منذ سنوات، مؤكداً أن الفنانين والموسيقيين والملحنين يمتلكون الموهبة والاجتهاد، ولكل منهم مكانته، إلا أن المشكلة، برأيه، تكمن في غياب الاهتمام الرسمي بالفن وعدم توفير الدعم الذي يستحقه.
وانطلاقاً من ذلك، وسع تحسين بيك دائرة النقد لتشمل مختلف القطاعات الثقافية والفنية، معتبراً أن غياب الدعم لا يقتصر على الغناء وحده. وأشار إلى أن كثيراً من المبادرات والأعمال الفنية كانت تحظى باهتمام إعلامي محدود لأيام قليلة، قبل أن تختفي من المشهد. واستشهد بتجربته الشخصية، موضحاً أنه قدم خلال خمس سنوات ثلاثة عروض ضمت أحد عشر عملاً غنائياً ضمن مشروع حمل اسم “الفن السوري”، إلا أن الاهتمام الإعلامي بها كان مؤقتاً وسرعان ما غابت عن التداول والشاشات.
وعن واقع الأغنية السورية، أرجع تحسين بيك محدودية انتشار المغنين السوريين إلى غياب الجهات القادرة على تبني المواهب وإنتاج أعمالها وتسويقها. وقال أن سوريا تمتلك أصواتاً مميزة، إلا أن شهرة عدد من الفنانين ارتبطت بظهور المحطات الفضائية العربية واتساع انتشارها، معتبراً أن كثيرين ربما لم يكونوا ليحققوا هذا الحضور لولا تلك المحطات، وأن الفنانين الذين حققوا انتشاراً أكبر كانوا غالباً ممن غادروا سوريا للعمل خارجها.
وفي معرض المقارنة مع تجارب عربية أخرى، رأى أن وجود شركات إنتاج كبرى أسهم في صناعة النجوم ودعمهم، مشيراً إلى أن شركات مثل “روتانا” أدت دوراً محورياً في إنتاج الأغاني وتصويرها وتسويقها، بينما افتقد الفن السوري إلى مؤسسات مماثلة.
كما انتقد تحسين بيك غياب منظومة حقيقية لحماية الحقوق الفنية والفكرية، موضحاً أن الفنان ربما يفاجأ باستخدام أعماله من دون امتلاكه وسائل قانونية فعالة لاستعادة حقوقه أو ملاحقة المعتدين عليها. وأضاف أن الفنان المرتبط بشركة إنتاج كبرى يكون أكثر قدرة على حماية إنتاجه، معرباً عن أمله في أن يسهم افتتاح مؤسسات إنتاجية جديدة مستقبلاً في دعم الفنانين السوريين ومنحهم فرصاً أوسع للانتشار.
أما في ما يتعلق بالدراما السورية، فأرجع ازدهارها في مراحل سابقة إلى طبيعة العمل الاحترافية التي كانت سائدة آنذاك، إذ كانت النصوص تخضع لدراسة متأنية، وتعقد جلسات نقاش تجمع الكاتب والمخرج والممثلين قبل بدء التصوير، بما يضمن الارتقاء بالقيمة الفنية للعمل. وفي المقابل، رأى أن الاعتبارات التجارية أصبحت تتقدم على القيمة الفنية اليوم، فبات الكاتب مطالباً بإنجاز عدد محدد من الحلقات وفق متطلبات شركات الإنتاج والمحطات، ما أدى إلى تراجع الجودة لصالح الحسابات الإنتاجية والتسويقية.
وهنا، رفض تحسين بيك تحميل الممثل السوري مسؤولية التراجع، مؤكداً أنه مازال يمتلك الموهبة والكفاءة، لكن طبيعة السوق تفرض عليه القبول بما هو متاح لضمان استمراره المهني وتأمين مصدر رزقه، ما يجعله مضطراً إلى اختيار الأفضل من بين العروض المتاحة. ورغم ملاحظاته النقدية، أكد أن الدراما السورية قادرة على استعادة مكانتها، معتبراً أن المراحل الفنية تمر بحالات صعود وهبوط، وأن دخول شركات جديدة أو تحسن ظروف الإنتاج ربما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التألق.
وفي حديثه عن صناعة النجومية، قال تحسين بيك أن الاعتبارات التسويقية أصبحت عاملاً أساسياً في اختيار أبطال الأعمال الفنية، حتى بات اسم النجم يتقدم أحياناً على اسم المخرج. ورأى أن النجاح لا يقوم على الكفاءة وحدها، بل تؤدي الظروف والفرص دوراً مهماً في صناعة النجوم، مستشهداً بفنانين يمتلكون موهبة كبيرة لكنهم لم يحظوا بالفرص نفسها التي أتيحت لغيرهم.
وعند سؤاله عن الجيل الجديد من الفنانين، أقر تحسين بيك بابتعاده عن الوسط الفني خلال السنوات الأخيرة، ما جعله غير مطلع بما يكفي على الأسماء الجديدة، وبالتالي غير قادر على إصدار أحكام دقيقة بشأنها، رغم قناعته بوجود مواهب واعدة. لكنه أبدى تحفظاً تجاه بعض الاتجاهات الغنائية الحديثة، معتبراً أن بعض الأغاني بات يعتمد على الإيقاع والحركة أكثر من اعتماده على القيمة الفنية والغنائية.
وعن مسيرته الشخصية، أكد تحسين بيك أن تجربته تختلف عن تجارب كثير من الفنانين، نظراً إلى تنوع المجالات التي عمل فيها، إذ كتب الأغاني والنصوص والقصص، ومارس التمثيل والغناء، وتدرب على الرقص، مؤكداً أن حضوره الفني جاء نتيجة أعماله أكثر ما جاء نتيجة دعم أو رعاية خاصة. و عن دور الحظ في الحياة الفنية، شدد على أن الفرصة المناسبة ربما تصنع فارقاً كبيراً في مسيرة الفنان، مستحضراً نماذج لفنانين امتلكوا الموهبة، لكنهم لم يحظوا بالدعم أو الظروف التي تضمن استمرار نجاحهم، معتبراً أن غياب التبني المؤسسي يبقى من أبرز العقبات أمام الفنانين.
أما عن عودته إلى الكتابة أو التمثيل، فأوضح أنه يمتلك نصوصاً ومشاريع درامية جاهزة، بينها مسلسل من 45 حلقة وآخر من 10 حلقات، لكنه أصبح أكثر انتقائية في خياراته، خصوصاً بعد التشويه الذي تعرض له مسلسل “الكندوش” الذي كتب نصه قبل سنوات.
وأكد تحسين بيك أنه لم يعد يسعى وراء أي فرصة عمل، بل يفضل المشاركة فقط في المشاريع التي يقتنع بها فنياً ويرى فيها قيمة حقيقية، موضحاً أن تقدمه في السن وابتعاده عن الساحة الفنية جعلاه أقل رغبة في خوض تجارب جديدة، خصوصاً في ظل واقع فني لا يراه مشجعاً كما كان في مراحل سابقة من مسيرته.
