باتريسيا هاشم: كان الفنان في الماضي يبدأ رحلته من الصفر. يشقى، ويتعب، ويسهر الليالي، ويتحمّل الخيبات قبل النجاحات. كان يقف ساعات طويلة في المعاهد الموسيقية، ويتلقى الدروس على أيدي أساتذة كبار، ويصقل موهبته بالعلم والخبرة والممارسة. لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتضحيات، لأن الاسم الفني كان يُصنع بالموهبة أولًا، وبالاجتهاد ثانيًا، وباحترام الجمهور ثالثًا.

أما اليوم، فقد تبدّلت المعايير إلى حدٍّ مخيف.

يكفي أن يصبح شخص ما مثيرًا للجدل، أو أن يمتلك ملايين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يُقدَّم على أنه “فنان”. أصبحت الشهرة تسبق الموهبة، والضجيج يسبق الأغنية، والترند يسبق التاريخ الفني. قبل أن يقدّم عملاً واحدًا يلامس الناس، يكون قد أعلن نفسه نجمًا، وأحيانًا “النجم الأول”.

ولم يعد المظهر عنصرًا مساعدًا فحسب، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى رأس المال الحقيقي. شاب وسيم، يتمتع بجاذبية كبيرة، يحصد إعجاب الفتيات قبل أن يسمع الجمهور صوته، فيبدأ العدّ العكسي لصناعة “النجم”، لا لصناعة الفنان.

المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تبدأ منه.

فمع هذه الشهرة السريعة، يولد غرور أسرع. فجأة نسمع تصريحات من نوع: “أنا الرقم واحد”، “أنا الأفضل”، “الجميع يغار مني”، “هم لا يستطيعون الوصول إلى ما وصلت إليه”، “الفن الحقيقي عندي”، و”الحجر لا يُرمى إلا على الشجرة المثمرة”. وكأن النجاح الذي لم يمضِ عليه سوى أسابيع، أصبح تاريخًا لا يُنافس.

لكن أصحاب هذه التصريحات ينسون حقيقة لا يمكن تجاهلها: الساحة الفنية اليوم تتحرك بسرعة البرق. أغنية تحقق نجاحًا هائلًا اليوم، وبعد أسابيع قليلة قد تأتي أخرى تمحو أثرها بالكامل. النجاح لم يعد مضمونًا لسنوات، بل أصبح يعيش أحيانًا أسبوعين أو شهرين، ثم يبدأ الجمهور بالبحث عن اسم جديد.

من هنا، يصبح من واجب الجمهور أيضًا أن يفرّق بين الفنان الذي صنعته الموهبة والعمل الحقيقي، وبين الشخص الذي صنعته الخوارزميات والجدل والترند. لا بأس أن تجتمع الشهرة مع الموهبة، فهذا هو النموذج المثالي، لكن المشكلة حين تصبح الشهرة بديلًا عن الفن، ويصبح عدد المتابعين أهم من جودة العمل.

أما الغرور… فهو القصة الأخطر.

من أين جاءت هذه الـ”أنا” المتضخمة؟ كيف أصبح البعض يتحدث وكأنه احتكر الفن، وألغى كل من حوله؟ كيف تحوّل النجاح الأول إلى شعور بالتفوق المطلق؟ هذه ليست ثقة بالنفس، بل حالة من تضخم الأنا، قد تتحول مع الوقت إلى عبء على صاحبها قبل أن تكون عبئًا على الآخرين.

الفن الحقيقي علّمنا أن كبار النجوم كانوا الأكثر تواضعًا، لأنهم يعرفون أن الجمهور هو من يمنح النجومية، وهو نفسه قادر على سحبها في أي لحظة. أما من يعتقد أن أغنية واحدة تكفي ليصبح أسطورة، فهو ينسى أن الزمن الفني لا يقاس بالترند، بل بالاستمرارية، وأن التاريخ لا يكتبه عدد المشاهدات، بل تكتبه الأعمال التي تبقى في ذاكرة الناس.

الفنان الحقيقي لا يحتاج كل يوم إلى أن يقول: “أنا الأول”. فالجمهور وحده هو الذي يقرر من هو الأول… والتاريخ وحده هو الذي يمنح لقب النجم الحقيقي.

هناك ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن الغرور، وهي إلغاء الآخر. فحين يشعر فنان بأن نجاح زميل له يشكل تهديدًا شخصيًا، فيبدأ بمهاجمته أو التقليل من شأنه أو تحريض جمهوره ضده، فهذه ليست ثقة بالنفس، بل حالة من عدم الاتزان. الواثق من نفسه لا يخشى المنافسة، بل يرحب بها، لأنها تدفعه إلى التطور وتقديم الأفضل.

أما الخوف الدائم من نجاح الآخرين، فهو في الحقيقة اعتراف غير مباشر بانعدام الثقة بالذات وبالفن الذي يقدمه صاحبه. من يؤمن بموهبته لا يعيش في حالة استنفار كلما لمع اسم جديد، ولا يشعر بأن نجاح الآخرين ينتقص من نجاحه.

الساحة الفنية تتسع للجميع، وهذه حقيقة تثبتها أكبر الأسواق الفنية في العالم. ففي الغرب، تتنافس مئات بل آلاف الأسماء، ولكل فنان جمهوره وحفلاته ومساحته، من دون أن يشعر أحد بأن وجود الآخر يهدد مكانته.

لكن ما نشهده اليوم هو محاولة لوضع الجمهور في موقف غير منطقي: إما أن تكون معي أو ضدي، إما أن تحبني وحدي أو لا تكون من جمهوري. والأسوأ من ذلك، أن بعض الفنانين يدفعون جمهورهم إلى مهاجمة الفنان المنافس، وكأن الشتائم أصبحت وسيلة لإثبات الولاء.

وهذا ليس حبًا للفن، بل نوع من الترهيب المعنوي للجمهور، الذي من حقه أن يحب أكثر من فنان، وأن يستمتع بأغنيات مختلفة، وأن يصفق لكل عمل جميل مهما كان صاحبه. لا أحد يملك حق احتكار محبة الناس.

الفن ليس ساحة حرب، بل مساحة للإبداع والتنافس الشريف. والفنانون الصاعدون تحديدًا بحاجة إلى أن يدركوا أن النجومية لا تكتمل بالضجيج، بل بالتواضع، واحترام الزملاء، والالتزام بأدبيات المهنة. ومن أجمل صور النجاح أن يصفق الفنان لنجاح غيره كما يفرح بنجاحه، لأن المشكلة الحقيقية التي نعانيها اليوم ليست في كثرة النجوم، بل في ضعف ثقافة تقبّل الآخر.