يكتب الشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد في ديوانه “ورود يوم القيامة” (الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2026) نصاً مثقلاً بآلام غزّة وشعبها، وهم يواجهون أعتى ظلمٍ وقهر تعرض لهما الشعب الفلسطيني منذ بدأت مأساته. هنا لا تنفع الشاعر مخيلته في صناعة المجازات، ليس لأنها عاجزة، لكن الواقع نفسه صار مجازاً دموياً. حتى بات تصور القصة لا يخرج عن قدرية تراها في نص جلعاد، في غياب الاستطراد والشرح عمن يرتكب كل هذا الموت بكل هذه الحياة! 

لا يمكن لقارئ نصوص المجموعة أن لا يتأثر بالقدرة العالية على تصوير المشهد بعيداً عن “جلافة” الفوتوغراف وهو ينقل تفاصيل المجزرة، وإنما من خلال صناعة لوحة تشكيلية خاصة، يمكن -ومن خلال ترتيب الأعضاء البشرية المقطعة والبيوت المهدمة والحيوانات المقتولة- أن تشكلّ غيرنكا شعرية، التكعيبية فيها هي هذا العجن لكل شيء حتى يصبح كتلة واحدة يظهر فيها كل شيء وهو يفقد ملامحه، ليس بحكم الزمن، ولكن من تتالي الموت فوق الموت.

يكتب جلعاد: “البيوت لم تعش بعدنا/ تكورت على نفسها/ وانتشرت في الغبار/ حين مر الطيران الحربي. تطاير ما تبقى بعدنا/ وارتطم بسقف السماء: سجادة الصلاة في غرفة الأب/ مسبحة الجدة/ أكواب الشاي والنعناع/ ضحكات العائلة/ شال الأم على سرير الزواج القديم/ خارطة حيفا المرسومة بأصابع الأخ الصغير/ و”يس”، و”القرآن الحكيم”، يحرسان الباب”.

هنا تصبح الأصوات وربما القصيدة كلّها، محكومة بالدعاء والرثاء والهجاء. والورود المنسوبة إلى يوم القيامة في عنوان الكتاب، ورغم تقسيمه لها إلى أربع باقات، تبقى مرهونة لاحتمال أن يكون كل شيء مجرّد كابوس يمر في ومضة نوم طفل غزي يحكي ما جرى معه! فيحاول الشاعر اللحاق بما يمكن أن تحمله كلمات القصة، فيبني النص بوصفه واقعاً يتناسل من الحدث، ولكنه يختتم بالمفارقة، محمولة على كلمة أو جملة مباغتة ومخالفة للمتوقع، وبدلاً من أن يصبح المزاج قائماً على كوميديا الموقف يأخذنا حسين جلعاد إلى تراجيديا الموقف!

يبني النص بوصفه واقعاً يتناسل من الحدث، ولكنه يختتم بالمفارقة
 

يخوض الشاعر في سرد السيرة الذاتية للشهداء منذ ولادتهم إلى لحظة مفارقتهم الحياة من دون أن يدروا أنهم ذهبوا، وهو يقترح على القارئ تصوراً عما سيفعلونه بعد أن يهال على أجسادهم التراب، فترى في عمق القصة تصوراً عن فردوس بعيد، كما تجد تماثلاً مع مصير الهندي الأحمر، لكن ما صمتت عنه مخيلة الشعراء صار الواقع الغزّي يفضحه ليس مثل قصيدة وإنما بوصفه مجزرة مستدامة، لا تترك وقتاً للمجازات، بل محاولة لدفن الموت وتقصي جهات النجاة من الشمال إلى الجنوب ثم وسط القطاع ثم إلى السماء.

في كل شارع بغزّة/ تفوح رائحة المسك/ هذه رائحة الشهداء. يستحي الحمام من الملائكة/ فيطير خلف النعوش. بالأجنحة نشيع قتلانا إلى المقبرة/ وبالأجنحة يعودون لنا كل صباح”. يتركنا ديوان “ورود يوم القيامة” أمام حقيقةٍ واحدة؛ حين تنتهي الحرب لن يبقى من غزة سوى ما أنقذته القصيدة. الكاميرات تحصي عدد البيوت المهدمة، بينما يدخل الشعر إليها ليجمع الشاي بالنعناع، ويتحسس سجادة الصلاة، ويعيد الدفء لضحكات العائلة قبل أن يبتلعها الغبار. النص هنا فعل تشبّث بالحياة، يرفض تحويل الشهداء إلى أرقام باردة في نشرات الأخبار. سيمضي القتلة إلى تذكر ما فعلوه بالأبرياء والضحك كالضباع، وتتلاشى المجازر من على الشاشات بمرور الوقت، لكن هذه الكلمات ستبقى تلاحق من تواطأ ومن صمت كأرواحٍ لا تهدأ، لتظل غزة حية كلما فُتح كتاب.

من جانب آخر، يتوقف قارئ جلعاد عند لغة مباشرة، قاسية. كان بإمكانه أن يمضي نحو شيء مختلف، بالتركيز على المجازات، والاقتراب أكثر من سياقه السابق في مجموعتيه “العالي يصلب دائماً” و”كما يخسر الأنبياء”، غير أن شيئاً آخر قاده إلى جعل طاقة النص في موضوعه، وليس في لغته الشعرية.