من معرض “كف عن البحث عن معنى” (صفحة غاليري صالح بركات على فيسبوك)

معرض محمد الرواس المعنون “كف عن البحث عن معنى”، الذي اختتم أول أمس، في غاليري صالح بركات ببيروت، هو المعرض الثالث عشر الفردي للفنان. رقم ليس كبيراً لفنان في الرابعة والسبعين، وقد يكون اليوم أحد الأكثر بروزاً بين الفنانين اللبنانيين. الرواس الذي يمكننا أن ندرجه في ما بعد الحداثة، يملك كل الاستعداد لها. إنه، وهو يملك قدرة أكاديمية استثنائية، تجعله في مصاف الكلاسيكيين وفي موازاتهم، ينتقل بالدرجة ذاتها إلى خروج على الزمن، بل المراوحة بين أزمان شتى. إنه، وهو يسترجع دولاكروا وتيتيان وإنغرس وغويا، الأسماء التي يستعيدها، مع غيرها، في معرضه الأخير. يزاوج بين قطع من لوحاتهم مصقولة مثل الأصل، وأغراض مستعارة للوحة ومجسّمات جاهزة. 

هكذا نجد في اللوحة الواحدة فنوناً عدة، بل ومراحل من تاريخ الفن، تحفظ لكل مرحلة فنها وأسلوبها، لتنحدر من شبه الأصولية هذه، إلى بوب منسق، وإلى لعب بحت يحفظ روح اللعب وحريته. لا يمكننا أن نكتفي بنسبة فن الرواس إلى البوب، فليست لوحته فقط عاديات وأغراضاً ترقى إلى الفن أو تفرز له، إذ إن لعبة الرواس الكبرى هي في استرجاعه للكلاسيكيات، وهي لعبة فيها من الإتقان والصقل ما يرفعها عن العادية، ثم إن في مزاوجة الرواس لعصور وأساليب، ما يجعل من لعبه بالزمن فناً ما بعد حداثي. لذا لا نتعجب من محدودية معارضه الفردية، إذ الواضح أن اللوحة في تركيبها، أكثر من لوحة. إنها بيان فني، أو هي درس في الفن وجولة في تاريخه، ثم إن تحوّل هذه الجولة إلى ما يشبه رحلة، وما يكاد يكون تقديماً كلياً للفن واختصاراً له، ما يمنح لوحة الرواس قدراً من ملحمية. 

لوحات الرواس في مراحلها لا تقف عند واحدة منها. الرواس في هذا العمل المحيط، لا تلبث موازنته بين عناصره وعلاقاتها ببعضها بعضاً، تتغير من فترة إلى فترة. إذا كان في ذاكرتنا عن هذه الأعمال الماضية، حجم أكبر للوحة ومساحات أكبر لعناصرها، وبخاصة الكلاسيكيات، بل وبعض لوحاته يخلص إلى عنصر واحد أو يركز على عنصر واحد، فإنّ جمع الرواس بين قوة العمل وفنونه وجدته، يجعله في كل وقت يجدد لوحته. هذه المرة نجد أنه يعمد إلى تصغير لوحاته، كأنما اكتفى الآن من كبر اللوحة واتساعها. تصغير اللوحة ليس كل شيء في المعرض، إذ إنه يستتبع أموراً أخرى.

لا يزال الرواس في الجمع والموازنة اللذين هما في صميم أسلوبه. لكن هذا الجمع في لوحات المعرض الصغيرة، يفرض على الفنان معادلة أخرى، ليست فقط في التوزيع، ولكن في رؤية اللوحة وبنائها. إذا كانت اللوحة العريضة توسع لعناصر اللوحة وفضائها، فإن هذه المساحات لا ترد عبثاً، إن اللوحة لا تغدو فقط درساً للفن، بل إنّ هذه المزاوجة بين عناصرها تتعالق وتتقاطع وتتوازن، فهذا هو مضمون اللوحة وتكوينها. اللوحة لا تستحضر هذه العناصر بشكل عشوائي، إنها تجتمع لا لتقدم فقط تاريخاً أو أسلوباً أو طريقة، إنها في توازنها واجتماعها تؤلف اللوحة، تمنحها شكلاً خاصاً، وبكلمة رؤية ومعنى. إذا عدنا إلى سابق هذا المقال فإننا نجد في اللوحة ما سميناه ملحميتها. إنها تتألف من هذا التعالق بين الكلاسيكيات والأشياء والمجسمات، ليكون لكيانها هذا رؤيته وخطابه.

تتوارد الأشكال بنسق، لتحمل في اكتمالها إيعازاً ورؤية

معرض الرواس الحالي ليس بهذه الصفة. لجوء الرواس إلى هذا العدد الجم من اللوحات الصغيرة جديد عليه. ذلك يدعونا إلى أن نتأمل العلاقة التي تنشأ بين فاصل كلاسيكي وعناصر أخرى. نشعر بأن اجتماعها ليس عشوائياً، اللوحة هي هذا النظام الذي يقوم بين العناصر، نظام حقيقي. بين مقطع من لوحة لدولاكروا، على سبيل المثال، تمثل امرأة رافعة علماً في أعلى اللوحة مع امرأة تحتها، إلى اليمين، رافعة قنينة، وأخرى إلى شمالها بالمايوه، ترفع ما يشبه أن يكون حامل علم، وبالطبع مع مجسمات. يمكننا أن نلاحظ فوراً درجة من التوازن بين هذه العناصر، والتقابل بين النساء الثلاث، ما يمكن أن يكون إيقاعاً جامعاً. سنقف هنا لكن نفهم أن هذا التوازن يقيم في اللوحة نظاماً وشكلاً، وأن لهذا كله إيحاءً ومعنى. هذا مثل من عشرات جميعها تذكر بالقصائد.

الأشكال تتوارد بنسق، وتستدعي بعضها بعضاً، لتحمل في منتهاها واكتمالها إيعازاً ورؤية بمعنى. نجد أن توارد هذه العناصر المتفاوتة، بل المتضادة، لم يكن عبثاً. هناك تأليف وتشكيل في ذلك. إن الصور والأغراض والمجسمات تتداعى إلى بعضها بعضاً، تؤلف فيما بينها، ليس فقط هذا الإيقاع، بل وذلك الشكل والرؤية. هذه قراءة تحفز إلى قراءة مماثلة لعشرات غيرها في المعرض، وسنجد أن في المقابلة والموازنة والتعالق بين مكونات اللوحة الآتية من كل الأزمان وكل الأساليب، ما يؤلف بناءً وما يوعز بفكرة. صغر اللوحة هذه المرة يجعلنا نفكر بمجاز غير الملحمة. سنفكر بقصائد قصيرة، بحكايات، ببيان مختصر، بخلاصات.

* روائي وشاعر لبناني