لطالما ارتبطت دور الأزياء الفاخرة بصناعة الأفلام، وسعت إلى تولي إنتاجها، لتجاوز المضمون التقليدي وخلق قصص عاطفية، ترتبط بهويتها.
ومن خلال تمويل الأفلام، أو إنتاج أفلام قصيرة وثائقية، تسعى علامات تجارية؛ مثل سان لوران Saint laurent، وغوتشي Gucci، وشانيل Chanel، وبرادا Prada، إلى ترسيخ مكانتها كصنّاع ثقافة، بدلاً من مجرد تصميم أزياء.
ولهذا السبب، أردنا تسليط الضوء من خلال لقائنا بالمخرج اللبناني العالمي جوزيف حنا، الذي اشتهر بتصوير حملات دعائية لدور أزياء وبأفلام وثائقية عن دور مثل جاكيموس Jacquemus، أهّلته ليصل إلى مهرجان كان ليونز. فماذا نعرف عنه وعن التجارب التي صقلت شخصيته ليصل إلى ما هو عليه؟
المخرج جوزيف حنا- الصورة من أرشيفه الخاص
من دراسة الهندسة الداخلية، انطلق المخرج جوزيف حنا مدفوعاً بموهبته، فالفن هو موهبة نصقلها بالدراسة ولكنها شعلة متجذرة فينا، نابتة في داخلنا كبذور القمح في الحقول. لمع نجم جوزيف حنا بعد إخراجه فيلماً يروي سيرة مؤسس دار Yeprem للمجوهرات، وتلاه العديد من الحملات الإعلانية الخاصة بماركات عالمية، ولا سيّما الفيلم القصير الذي صوّره عن دار جاكيموس Jacquemus مع والدته ملهمته، ولا ننسى الفيلم الذي يروي فيه مسيرة العارضة اللبنانية العالمية ماري تريز حنا، والذي صوّره في أحياء مدينة طرابلس شمال لبنان. بمقاربته القريبة من الواقع وحسّه الرفيع بالموضة التي تتنفس تفاصيل حياتنا وتعكس أسلوبنا اليومي، يقدّم جوزيف حنا رؤية خاصة للأناقة المعاصرة. وقد سعدنا بلقائه في هذا الحوار الذي دار حول الموضة والسينما.
1- ما مدى أهمية الأزياء في الأفلام؟ وكيف تختار أزياء الشخصيات قبل بدء التصوير؟
تُعدّ الأزياء عنصراً أساسياً في السينما؛ لأنها تنبع من الواقع، فالأزياء جزء لا يتجزأ من حياة الناس اليومية، والسينما تُعنى بعكس الواقع بصرياً وعاطفياً. لا تقتصر الأزياء على الملابس فحسب، بل تتعداها لتشمل الفن والهوية ورواية القصص، فالأزياء والفن مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.
عندما أختار أزياءً لمشروع ما، أبدأ دائماً بالشخصية. أدرس من هي هذه الشخصية، وشخصيتها، وخلفيتها، ومشاعرها، ثم أربط الأزياء بموقع التصوير، والأجواء، والألوان، والتوجّه البصري للفيلم. يجب أن يبدو كل شيء أصيلاً، وجذاباً بصرياً، ومتناغماً. أرى دائماً صناعة الأفلام كخيط يربط كل عنصر معاً خطوة بخطوة، وتُعدّ الأزياء من أهم أجزاء هذه العملية.
المخرج جوزيف حنا – الصورة من أرشيفه الخاص
2- كيف تختار المصممين الذين تتعامل معهم؟
أنجذب دائماً إلى المصممين الذين يُبرزون جوهر الأزياء الحقيقي. أُعجب بالمصممين الذين يغامرون ويتجاوزون المألوف، ويبتكرون تصاميم جريئة وفريدة بدلاً من اتباع ما هو سائد في عالم الموضة. أعمل عادةً مع مصممين يثقون بالإبداع ويؤمنون بتجاوز الحدود. في كثير من الأحيان، يختارونني بقدر ما أختارهم؛ لأن أعمالي معروفة بتميزها وطابعها السينمائي. أسعى دائماً للارتقاء بالمستوى الإبداعي إلى ما هو أبعد من مجرد جلسات التصوير التقليدية للأزياء، وخلق شيء لا يُنسى. أهم العوامل بالنسبة لي هي الثقة، والتعاون، والأصالة، والحرية الإبداعية. أحب العمل مع المصممين الذين يتحدّون المعايير المتكررة مع الحفاظ على هويتهم ورؤيتهم الخاصة.
3- ما رأيك في صيحات الموضة الحالية؟
بصفتي مديراً إبداعياً ومخرجاً، أهتم دائماً بابتكار أفكار فريدة ومبتكرة. اليوم، تبدو لي العديد من الصيحات متكررة. أحياناً تبدو جميع التصاميم متشابهة، ويفقد المصممون بصمتهم المميزة التي كانت تُعرف بها أعمالهم. أؤمن بأن للموضة هوية قوية. بدلاً من اتباع الصيحات الرائجة، أفضل ابتكار رؤية مميزة للمصمم، والسماح للناس باتباع هذه الرؤية بشكل طبيعي. قد تكون الصيحات مفيدة من منظور التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لا ينبغي أن تحل محل الأصالة. وأسعى باستمرار إلى إيجاد أفكار جديدة لا يمكن تكرارها أو نسخها ببساطة. بالنسبة لي، الإبداع هو الابتكار، وليس التكرار.
المخرج جوزيف حنا – الصورة من أرشيفه الخاص
4- ما رأيك بالعمل ضمن ميزانية محددة؟
أستمتع بتحدي العمل ضمن ميزانية محددة؛ لأن الإبداع غالباً ما ينمو من خلال التحديات. تكمن مسؤوليتي دائماً في إيجاد حلول ذكية تحافظ على مستوى عالٍ من الإبداع والفخامة، مع مراعاة ميزانية العميل. مع ذلك، أؤمن بشدة بضرورة التوازن. إذا كانت الميزانية ستحدّ من التنفيذ إلى درجة لا تعكس الجودة والإبداع والمعايير التي أؤمن بها؛ فأفضّل عدم قبول المشروع.
لا أرغب أبداً في تقديم عمل يُخلّ بتوقعات العميل أو بمعاييري الإبداعية. ينبغي أن تُحفّز قيود الميزانية على إيجاد حلول، لا أن تُقيّد الإبداع نفسه.
نموذج من أفلامه القصيرة للموضة – الصورة من أرشيفه الخاص
5- ما هي خبرتك في العمل على أفلام وثائقية عن المشاهير أو عارضات الأزياء؟
كان فيلم “يبريم: شرارة إرث” من أكثر المشاريع التي عملت عليها تأثيراً، وهو فيلم قصير يروي قصة حياة يبريم، مؤسس الدار ورحلته. لقد كانت تجربة مؤثرة للغاية؛ إذ عكست كل ما أؤمن به كمخرج أفلام؛ الأصالة، والصمود، والحقيقة الإنسانية. كان العمل على قصة حقيقية ألهمت الكثيرين تحدياً ومكافأة في آنٍ واحد.
كما أخرجتُ فيلماً قصيراً عن الموضة بعنوان “بلا حدود”، من بطولة عارضة الأزياء اللبنانية العالمية ماري تيريز حنا. تميّز المشروع بالجرأة والصدق، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصيتها ورحلتها. كان فيلماً خالصاً عن الموضة، تضمن عرض أزياء في شوارع وأسواق طرابلس القديمة. ولا يزال من بين مشاريعي المفضلة لما فيه من أصالة وجرأة.
6- حدثنا عن تجربتك مع دار جاكيموس
من التجارب التي لا تُنسى؛ حملتي الإعلانية لعيد الأم مع جاكيموس، والتي شاركت فيها والدتي جورجينا. كانت قصة صادقة ومؤثرة، وصلت في النهاية إلى سيمون بورت جاكيموس نفسه، الذي أعاد نشر الحملة وتفاعل معها. لقد كانت تذكيراً جميلاً بأن سرد القصص الأصيلة قادر على التواصل مع الناس مهما كانت المسافة.
حملة The Dustbag لدار جاكيموس Jacquemus للمخرج جوزيف حنا التي شاركت فيها والدته
7- حدثنا عن موقف صعب واجهته بصفتك مخرجاً لفيلم “يبريم: شرارة الإرث”
كان من أصعب جوانب إخراج فيلم “يبريم: شرارة الإرث” العمل مع السيد يبريم نفسه. نظراً لسنه والطبيعة العاطفية للمشروع، كانت أيام التصوير الطويلة تُرهقه جسدياً.
في بعض الأحيان، كنتُ قلقاً من أن نفقد مشاهد مهمة؛ لأنه كان بحاجة للراحة أو مغادرة موقع التصوير. بعد التحدث مع عائلته، علمتُ أكثر على ما يُشعره بالراحة والسعادة. اكتشفتُ أنه يُحب نوعاً مُعيناً من الشوكولاتة، لذا حرصتُ على توفيرها دائماً في موقع التصوير.
تعاملتُ معه بصبرٍ ولطفٍ وعناية. لم أُعامله كموضوعٍ للتصوير، بل كفردٍ من عائلتي. ساعدتنا رؤية ابتسامته واستمتاعه بالتجربة على مواصلة التصوير بسلاسةٍ وعفوية. كان من التحديات الأخرى مسؤولية سرد قصةٍ حقيقية. ولأن الفيلم مُستوحى من أحداثٍ واقعية، فقد حمل كل مشهدٍ ثقلاً عاطفياً وأهميةً بالغة. شعرتُ بمسؤوليةٍ كبيرة لتكريم رحلته بدقةٍ واحترام.
8- ما هو شعورك حيال التعاون مع علاماتٍ تجارية راقية وعالمية مثل جاكيموس؟
كان التعاون مع جاكيموس Jacquemus حلماً تحقق بالنسبة لي. منذ بداية العلامة التجارية، كنتُ أُعجب بسيمون بورت جاكيموس؛ لأصالته وإبداعه وقدرته على البقاء وفياً لنفسه. لطالما كان أحد مُصمميّ المُفضلين. استُلهمت حملة The Dustbag من والدتي، جورجينا. كانت تستخدم الحقيبة في حياتها اليومية بطريقة عملية وإبداعية. كانت رسالة الفيلم بسيطة؛ “الفخامة لا تكمن في التعقيد، بل في البساطة”.
لقد سلّطت الحملة الضوء على كيف يمكن للأشياء اليومية أن تحمل قيمة تتجاوز وظيفتها الأساسية. وشجعت الناس على تبسيط حياتهم، وإيجاد الجمال في اللحظات العادية، وتقدير الإبداع في الحياة اليومية.
كان رد فعل جاكيموس مذهلاً. أعادت العلامة التجارية نشر الحملة، وعلّقت عليها، وتفاعلت مع محتواها. ومنذ ذلك الحين، أتلقى تفاعلاً وتقديراً مستمريْن من العلامة التجارية كلما شاركت محتوى متعلقاً بجاكيموس. لقد كانت من أكثر التجارب إثراءً في مسيرتي المهنية.
والدة المخرج جوزيف حنا في لقطة من الفيلم القصير لدار جاكيموس
قصص النجاح في عالم الموضة هي الأكثر إلهاماً في عالم الموضة لأنها تحفز على الحلم وتتخطى حدود الممكن (المخرج جوزيف حنا)
8- ما رأيك في إخراج فيلم يتناول قصص النجاح؟
أعتقد أن قصص النجاح من أقوى القصص التي يمكن سردها. فهي ليست مجرد إنجازات شخصية، بل هي رسائل أمل للجميع. عندما يشارك شخص قصة نجاحه، فإنه يلهم الآخرين على المثابرة، والإيمان، والسعي وراء أحلامهم. تُذكّرنا قصص النجاح بأنّ الفشل والتحديات والنكسات جزء لا يتجزأ من رحلة الحياة. أعتقد أنّ الأفلام التي تتناول قصص النجاح قادرة على تحفيز الناس في الأوقات الصعبة، وتذكيرهم بأنّ النجاح مُتاح للجميع. الأحلام ليست مستحيلة، وهذه رسالة جديرة بالمشاركة.
9- ما مدى مشاركتك في إخراج فيلم وثائقي عن الموضة
كان الفيلم الوثائقي الذي أخرجته، والذي يتناول قصة نجاح عارضة الأزياء اللبنانية العالمية ماري تيريز حنا، من أكثر المشاريع إلهاماً التي عملت عليها. ما جذبني إلى قصتها هو صدقها. لقد تحدّت معايير الجمال التقليدية، وأثبتت أنّ عرض الأزياء لا يتعلق بالكمال، بل بالشخصية والثقة بالنفس والتفرّد والتعبير عن الذات. منذ البداية، كنا متحمسين لرواية هذه القصة بصدق. لم تكن هناك أيّ قيود إبداعية، مما سمح لنا بإنتاج عمل أصيل ومؤثر. كانت ردود الفعل رائعة. لاقى الفيلم صدى واسعاً لدى الجمهور والمصممين وعارضات الأزياء الطموحات. تفاعلَ الكثيرون مع الرسالة؛ لأنها احتفت بالفردية بدلاً من الكمال.
10- من هو مخرج الأزياء المفضل لديك: ديفيد لينش، توم فورد، أم ديفيد فرانكل؟
يُعدّ ديفيد فرانكل أحد مخرجيَّ المفضلين، خاصةً بعد فيلم “الشيطان يرتدي برادا”. أُعجب بالطريقة التي نجح بها في دمج الأزياء والسينما بأسلوب ذكي وممتع وهادف. إن قدرته على خلق عالم تصبح فيه الأزياء جزءاً من سرد القصص، بدلاً من مجرد زينة، أمرٌ أُقدّره بشدة وأجده مُلهماً في عملي.
المخرج جوزيف حنا في كواليس العمل خلال التصوير
11- ما هي خططك للمستقبل، خاصة بعد مشاركتك في مهرجان كان ليونز؟
كانت مشاركتي في مهرجان كان ليونز من أهم تجارب مسيرتي المهنية، فقد فتحت لي آفاقاً واسعة، وعرّفتني إلى فرص جديدة، وحفّزتني على مواصلة التقدم.
بعد تلك التجربة، حظيتُ بالتقدير والترشيح من مهرجانات؛ مثل مهرجان لندن لأفلام الموضة، ومهرجان ملبورن لأفلام الموضة، ومهرجان ميرادا كورتا، ومهرجانات لوس أنجلوس، والعديد من المنصات الدولية الأخرى. لقد تمكنتُ أيضاً من تحقيق إنجازات بارزة؛ من خلال مشاريع مثل حملتي الإعلانية مع جاكيموس.
أتطلع مستقبلاً إلى مواصلة إنتاج أفلام الموضة والمشاريع السينمائية التي تُبرز الأصالة، والقصص الإنسانية، والرسائل الهادفة. هدفي ليس فقط تحقيق النجاح الشخصي، بل إلهام الآخرين من خلال أعمالي.
بصفتي مخرجاً لبنانياً، أفتخر بتمثيل بلدي دولياً، وحلمي هو الوصول إلى جماهير جديدة حول العالم، قصة تلو الأخرى، حاملاً دائماً رسالة قيّمة وراء كل عمل.
تابعي المزيد: كيف طغى عنصر الإبهار على عروض أسبوع الموضة في باريس للرجال؟
