صدر أخيراً ألبوم بعنوان Neon Summer Skin للموسيقية الأميركية من أصل أرمني ـ سوري، والمعروفة باسمها الفني بدوين (Bedouine؛ أي بدوية)، أمّا الأصلي فهو آزنيف كوريجيان (40 عاماً). ويُمثّل الإصدار عتبةً جديدةً على مسار نضج هويّتها الفنّية، إذ يتميّز، شكلياً، بتنوّع الانتقالات الهارمونية وتعدّد طبقات التوزيع الموسيقي، ولا سيّما تلك المشغولة بالآلات الوترية ذات الطابع الكلاسيكي الأكثر عصريةً، فضلاً عن احتفاظه ببعض السمات التي ترسّخت في أعمالها السابقة، من مزجٍ بين الروك الشعبي (Folk) والبديل (Indie)، إضافةً إلى البوسا نوفا والمؤثّرات الإلكترونية.
أمّا مضموناً، فيمثّل الألبوم، بموضوعته المركزية المتمثّلة بثنائية المأوى والمنفى، نموذجاً لرؤيةٍ إلى الحياة والعالم أخذت تشيع خلال العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، خصوصاً بين الشباب الليبرالي المقيم في الغرب والميّال إلى القيم التقدّمية. ويمكن النظر إلى هذه الرؤية في ضوء ما بات يُعرف في الدراسات الثقافية بـ”ثقافة التراوما”، وهي ظاهرةٌ اجتماعية تناولتها المفكّرة الأميركية كاثرين لو في معرض نقدها للهويّاتية (Identity Politics)، لجهة أنّها تُمثّل مقاربةً للهوية الفردية والجماعية من خلال الخبرات الصدمية التي أسهمت في تشكيلها، ومن ثم توظيف التعبير الفني والأدبي من أجل التنقيب عن تلك الخبرات في أعماق الذات، ثم الكشف عنها على الملأ، عبر آليّات خطابية ذات طابعٍ شبه علاجي وتحليلي ـ نفسي.
من هنا تبرز الأغنية المُدرجة سادساً والمعنونة “مأوى” (Canopies)، بوصفها محوراً مفاهيمياً ينطلق من ثقافة التراوما لتدور حوله سائر التراكات الـ11، حتى إن الأغنية أُعيد تسجيلها لتتذيّل الألبوم بنسخةٍ أكثر حميمية مُعدّة لآلة البيانو المنفردة. أمّا النسخة الرئيسية، فتُستهلّ بمقدّمة مأخوذة من تسجيلٍ صوتيّ يعود إلى محادثة أجرتها بدوين مع أحد أفراد عائلتها باللغة الإنكليزية، ربّما والدتها، إذ تضع أمام المستمع سياقاً موضوعاتيّاً يؤطِّر تجربة الاستماع.
عقب المحادثة، يبدأ التراك بعزفٍ وديعٍ على غيتارٍ كلاسيكيّ، كما لو كان تصويراً صوتيّاً لأجواء الحماية التي توفّرها الطبيعة، مستحضراً ما يعنيه العنوان، إن تُرجِم إلى العربية، أي مأوى من الحرّ والمطر تشكّل بصورة طبيعية تحت الأشجار بفعل تضافر ظلال أغصانها.
وفيما تنقل المحادثة المُسجّلة شهادةً على لسان الأم، تروي خلالها كيف، ولماذا، انتهى الأمر بابنتها في مأوى للأيتام، يمنح المقطع الأوّل من الأغنية للأمّ غفراناً على لسان الابنة من جرّاء التخلّي عنها، على اعتبار أنّ الدافع إلى ذلك كان شدّة الحب والرغبة في حمايتها، بعد امتناع الأب، كما يبدو، عن تحمّل مسؤولية تربية ابنته وهي لم تزل في سنّ السابعة.
وقد اختارت بدوين آلة الأورغن لكي ترافق الغيتار، انطلاقاً من منسوبها الصوتي متوسط الارتفاع (آلتو)، ذي الطيف اللوني الهوائي اللطيف، الذي يحاكي رخامة آلة الفلوت، ما ساهم في زيادة الكثافة التوزيعية للخلفية الموسيقية من دون تقويض مناخَي الدفء والحنان المرتبطين بموضوعة المأوى أو الملاذ الآمن.
عند الدقيقة 1:30، يُضاف إلى عزف الغيتار مقطعٌ آخر من المحادثة المُسجّلة، تتحدّث الأم خلاله باللغة الأرمنية. ولئن كُتب الألبوم بالإنكليزية، ولا يُنتظر من المستمع المعولم أن يفهم غيرها، فإن اللغة، وفق هذا الخيار الفني، لا تؤدّي وظيفةً موضوعية تقتصر على إيصال المعاني والأفكار، بل تغدو مادّةً تشكيليةً صوتيةً مجرّدة، شأنها شأن صوت الأورغن والغيتار. علاوةً على ذلك، تمثّل اللغة الأرمنية، من منظور ثقافة التراوما، مجموعةً بشرية تعرّضت عبر تاريخها الحديث لاضطهادٍ ونفيٍّ ممنهجين، الأمر الذي يُكسب حضورها بُعداً سياسياً يتجاوز أثرها الحسّي والجمالي.
وكأن بدوين تتقفّى عبر Canopies خيطاً من الصدمات النفسيّة التي خلّفت آثاراً غائرةً في سيرتها الذاتيّة، لا يبدأ من واقعة اليتم، وإنّما يمتدّ تاريخيّاً حتى يصل سيرة الذات بسيرة الأسرة والجماعة.
بهذا إنّما تجعل من قصة حياتها نقطة تقاطع بيني (Intersectionality) تشترك عند إحداثيّتها التراوما العامة والخاصة في تكوين الوعي الفردي، استلهاماً لمفهوم التقاطعيّة بين مناسيب القمع من عرق وجندر وطبقة اجتماعية، فتمسي الإبادة الأرمنية، والحرب الأهلية اللبنانية، ثم السورية، وما تمخّض عنها في شكل سلسلةٍ جيليّة من الخيارات القسرية المدفوعة بالمكابدة وغريزة البقاء، التي قادت إلى مآلات المنفى والشتات، أشبه بقناعٍ حديديٍّ وجب كسره للمضيّ قدماً على طريق التعافي.
إلّا أنّ تحطيم القناع يعني الإسفار عن الندوب النفسية التي شكّلت الشخصيّة بأثرٍ من الصدمات والرضوض، التي تركتها السيرة الذاتيّة بمراحلها العمرية وتقاطعاتها الفردية والجمعيّة.
لذا، إن الرحلة العلاجية من طريق التعبير الفني والأدبي تقتضي تجاوز القبول بالانكشاف والاعتراف بالهشاشة إلى تحويلهما إلى ممارسة إبداعية تنشد جمهوراً. ذلك ما يجعل أغنية Canopies، بمركزيّتها الموضوعاتية (Thematic)، نسخةً موسيقيةً لما بات سائداً، في كثير من الحالات، ضمن ثقافة منصّات التواصل الاجتماعي، إذ تصبح مرئية التراوما مادةً لبناء الملف الشخصي (Profile) وتكوين العلامة الشخصية (Brand)، وبقدر ما تحظى تلك المرئية بالمشاركة (Share)، تتعزّز صورة الأصالة، ويزداد التفاعل (Engagement)، وتنشط الخوارزمية في دفع المحتوى إلى صدارة الخلاصة (Feed).
وفي إطار ثقافة التراوما، تبرز الحاجة أيضاً إلى التماس الملاذ الآمن تحت وطأة الانكشاف وهشاشة البوح، ليس فقط أمام الآخر، عبر القصيدة أو الأغنية، بل أمام النفس في سياق السيرورة العلاجية والتنقيب في أعماق السيرة الذاتية. من هنا فإن بدوين، في ألبومها الأخير، تخوض في جدليّةٍ داخليةٍ قائمةٍ على ثنائية المنفى والمأوى، إذ يتقابلان حيناً ويتداخلان حيناً، تتجلّى رمزيّتها حتى من خلال الأسلوبيّة. فالانتقالات الهارمونية المفاجئة، التي تميّز نهج التلحين في معظم التراكات، بما تحدثه من اضطراب بفعل كلٍّ من التوقيت والقفزة النغمية، تنمّ عن حالٍ من الحيرة والضياع والتسليم بنمط حياةٍ أشبه بسير البدو الرحّل.
ومن جهةٍ مقابلة، ثمّة الحنجرة الرخيمة، برفقة الأورغن والغيتار، التي تنشد الدعة والهدوء كأنها تبحث عبر الغناء عن حضنٍ دافئ وذراعين ممدودتين، أو وفق نص أشعارها؛ “رموش عينين، كثيفة كأغصان الشجر، تشابكت حتى تحوّلت إلى مأوى”.
