دوت صرخة المناضلة السورية فدوى محمود في ختام مسرحية «بروفا يوم الحساب» على خشبة مسرح الحمراء في العاصمة السورية، وأطلق العنان لدموع الجمهور الذي تفجر تصفيقاً في لحظة مطالبة بالعدالة لعائلات الضحايا في سوريا. 

الجملة التي تحولت لاحقاً إلى إحدى أكثر العبارات اختزالاً للمأساة السورية: «اتقوا غضب الأمهات»، لم تكن تخاطب سلطة سياسية بعينها، ولا تطالب بإجراء قانوني محدد، بقدر ما كانت تضع المجتمع السوري كله أمام سؤال مؤجل عن العدالة، سؤال ظل معلقاً فوق البلاد طوال سنوات الحرب والاعتقال والاختفاء القسري: ماذا يحدث عندما يبقى الألم حاضراً بينما يغيب الدليل؟

 

هذا السؤال تحديداً يعود اليوم إلى الواجهة، لا عبر منصة قضائية أو هيئة تحقيق دولية، بل من فوق خشبة مسرح في دمشق، حيث تحولت المسرحية إلى ما هو أبعد من عرض فني، إلى تمرين جماعي على مواجهة الذاكرة، واختبار أخلاقي لمفهوم العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الاستبداد.

 

في العمل الذي كتبه فارس الذهبي وأخرجه ماهر صليبي، لا تظهر العدالة بوصفها حكماً نهائياً أو قراراً قضائياً، بل كحالة قلق وجودي يعيشها الناجون أنفسهم، ففي قبو خياطة صغير، تجلس امرأتان نجتا من تجربة الاعتقال، قبل أن يقتحم حياتهما رجل يوقظ سؤالاً ظل نائماً لعقود: ماذا لو كان الجلاد أمامك، لكنك لا تملك سوى ذاكرتك لإدانته؟

هنا، تنجح المسرحية في نقل واحدة من أعقد إشكاليات العدالة الانتقالية من قاعات المحاكم إلى الحيز الإنساني المباشر. فالذاكرة، التي طالما اعتُبرت عنصراً غير كافٍ قانونياً للإدانة، تتحول على المسرح إلى وثيقة حية، فيما يتأرجح الضحايا بين رغبة إنسانية في الانتقام، وإيمان هش بأن العدالة لا يمكن أن تتحقق خارج إطار القانون.

 

في حديثها لـ «المدن»، تستعيد الفنانة يارا صبري، التي تؤدي شخصية «سما»، هذه المعضلة من بوابة قضية المعتقلين والمغيبين قسراً، مؤكدة أن الملف «يجب أن يكون الأول على الإطلاق»، لأن البحث عن الحقيقة بالنسبة لعائلات الضحايا ليس مطلباً سياسياً، بل حقاً إنسانياً مؤجلاً منذ سنوات طويلة. وبينما يؤكد المخرج ماهر صليبي أن «يوم الحساب» في المسرحية ليس يوماً أخروياً، بل مواجهة أرضية بين ضحية وجلاد، يطرح العمل بأكمله سؤالاً يبدو أن سوريا الجديدة لم تجد له جواباً نهائياً بعد: هل يمكن بناء مستقبل مشترك دون مواجهة الماضي؟

 

ربما لهذا السبب تحديداً لم تبدُ «بروفة يوم الحساب» كعرض مسرحي اعتيادي، لقد بدت كجلسة استماع وطنية غير معلنة، يجلس فيها الضحايا والجمهور والفنانون معاً أمام سؤال واحد: حين تُفقد الوثائق، ويُقتل الشهود، ويغيب المجرمون، هل تكفي الذاكرة وحدها لتصبح دليلاً على الجريمة؟
 

من قبو الخياطة إلى قاعة المحكمة

قد يبدو المشهد الافتتاحي في مسرحية «بروفة يوم الحساب» بسيطاً للوهلة الأولى، امرأتان تعملان في مشغل خياطة صغير داخل قبو دمشقي، لكن هذه البساطة لا تلبث أن تتهاوى أمام كثافة المعاني التي يحملها المكان، إذ يتحول القبو تدريجياً من فضاء يومي هامشي إلى مختبر أخلاقي وسياسي يعيد إنتاج واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه سوريا اليوم: كيف يمكن تحقيق العدالة عندما تختفي الأدلة، ويصبح الناجون أنفسهم أرشيف الجريمة الوحيد؟

 

في البناء الدرامي الذي يقدمه الكاتب فارس الذهبي، لا يبدو اختيار قبو الخياطة قراراً جمالياً فحسب، بل اقتراحاً فكرياً متكاملاً، فالقبو بوصفه مكاناً مغلقاً ومعزولاً عن العالم الخارجي، يستدعي مباشرة فضاءات الاعتقال التي لم تغادر ذاكرة الناجيات، فيما تحيل الخياطة، بوصفها فعل ترميم وإصلاح، إلى محاولة دؤوبة لإعادة لملمة ما مزقته سنوات العنف والاستبداد.

 

هذا المعنى يتعزز في بيان «فرقة دمشق المسرحية» المرافق للعرض، الذي يربط بين حرفة الخياطة وتجربة النساء السوريات عبر عقود، بوصفها ممارسة يومية للصبر وإعادة بناء الحياة في مواجهة الفقد والعوز والانكسار، فالترقيع هنا ليس عملية تقنية تخص الثياب وحدها، بل استعارة كاملة عن المجتمع السوري نفسه، الذي يحاول اليوم ترميم ذاته بعد سنوات من التشظي والعنف.

 

لكن اللحظة المفصلية في المسرحية لا تبدأ إلا مع دخول الرجل الغامض إلى هذا العالم المغلق، ففي ثوانٍ معدودة، يتحول القبو من مكان للحماية إلى ساحة مواجهة، ومن مشغل خياطة إلى محكمة غير معلنة، تطرح سؤالاً يبدو أنه يطارد جميع تجارب العدالة الانتقالية في العالم: ماذا يحدث عندما تعتقد الضحية أنها تعرف الجاني، لكنها لا تملك ما يكفي لإثبات ذلك؟

 

هنا، تنجح المسرحية في نقل العدالة الانتقالية من إطارها المؤسسي والقانوني إلى فضائها الإنساني الخام، فالقضية لم تعد تتعلق بملفات تحقيق أو وثائق قضائية أو شهادات رسمية، بل أصبحت مرتبطة بالذاكرة نفسها، تلك الذاكرة التي نجت من محاولات المحو، لكنها لا تزال عاجزة عن التحول إلى دليل قانوني مكتمل.

 

تختصر الفنانة روبين عيسى، التي تؤدي شخصية «ثريا»، هذه المعضلة بعبارة تكاد تلخص التجربة السورية بأكملها: «يوجد دليل ولا يوجد الدليل». فالشخصية مقتنعة تماماً بأنها تعرف من يقف أمامها، لكنها لا تملك سوى إحساس داخلي، ورائحة عالقة في الذاكرة، وصدمة لم تغادر الجسد. أما الشخصية الأخرى، «سما»، فتتمسك باحتمال البراءة، أو على الأقل بحق المتهم في محاكمة عادلة.

 

هذه الجدلية لا تنتمي إلى المسرح وحده، بل تعكس معضلة حقيقية تواجهها المجتمعات الخارجة من الاستبداد. ففي العديد من حالات الاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج القانون، لا يبقى من الجريمة سوى ذاكرة الناجين. تُحرق الوثائق، ويُخفى الشهود، وتُمحى آثار الجريمة عمداً، فيما يبقى الجسد البشري وحده حاملاً للواقعة، ومخزناً للصدمة، وشاهداً على ما حدث.

 

من هنا، تكتسب «بروفة يوم الحساب» أهميتها الاستثنائية، لأنها لا تقدم إجابة جاهزة على سؤال العدالة، بل تعيد صياغة السؤال نفسه: هل الذاكرة الفردية، بما تحمله من ألم وتجربة معيشة، قادرة على أن تتحول إلى أداة للإدانة؟ أم أن تحويلها إلى دليل قضائي يهدد العدالة ذاتها؟

 

تكمن قوة المسرحية في أنها ترفض الانحياز السريع لأي من الإجابتين. فهي لا تنكر حقيقة الألم، لكنها لا تمنح الألم وحده سلطة إصدار الأحكام، ولا تشكك في معاناة الضحايا، لكنها ترفض أيضاً أن يتحول الوجع إلى بديل عن القانون.

 

وهنا تحديداً تتجاوز المسرحية حدود الفن، لتدخل مباشرة إلى قلب النقاش السوري حول العدالة الانتقالية، ففي بلد شهد عقوداً من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب المنهجي، تبدو الذاكرة الجماعية اليوم أكبر بكثير من أن تُختزل في كونها مادة أرشيفية أو شهادة شخصية، إنها إحدى ساحات الصراع الأساسية على الحقيقة نفسها.

 

ولعل السؤال الأكثر إيلاماً الذي تطرحه المسرحية لا يتعلق بهوية الرجل الغامض، ولا حتى بمصيره، بل يتعلق بمصير المجتمع نفسه: كيف يمكن للضحايا أن يؤمنوا بالعدالة إذا كان ما عاشوه غير كافٍ للإثبات؟ وكيف يمكن للقانون أن يحقق العدالة إذا كان لا يستطيع الاعتراف إلا بما يمكن إثباته؟

 

في هذه المسافة المؤلمة، بين اليقين الشخصي واليقين القضائي، تقف سوريا اليوم. وهناك، تماماً، يضع المسرح مرآته أمام المجتمع. 

هل يريد الضحايا الانتقام؟

منذ السنوات الأولى للثورة السورية، جرى التعامل مع الضحايا غالباً ضمن صورتين متناقضتين، إما باعتبارهم أصحاب حق مطلق لا يجوز مساءلة مشاعرهم، أو باعتبارهم مشروعاً محتملاً للانتقام ينبغي الحذر منه، لكن مسرحية «بروفة يوم الحساب» تقترح مقاربة أكثر تعقيداً وإنسانية، إذ تضع الضحية نفسها أمام سؤال أخلاقي يكاد يكون أكثر قسوة من الجريمة ذاتها: ماذا ستفعل إذا وجدت جلادك أمامك؟

 

هذا السؤال لا يُطرح في المسرحية بوصفه فرضية درامية فحسب، بل باعتباره سؤالاً سياسياً ومجتمعياً يتعلق بمستقبل العدالة في سوريا، ففي قلب العرض، يتجسد الصراع بين شخصيتي ثريا وسما، ليس بوصفهما شخصيتين متعارضتين، بل باعتبارهما تمثيلين لحالتين نفسيتين تعيشهما مجتمعات ما بعد العنف الجماعي، الحاجة الإنسانية إلى القصاص، والخوف الإنساني من أن يتحول القصاص إلى ظلم جديد.

 

في القراءة الأولى، تبدو ثريا أقرب إلى الضحية التي تقودها ذاكرتها إلى اليقين، فيما تبدو سما ممثلة لصوت القانون والحذر والإجراءات. لكن النص المسرحي، كما تؤكد روبين عيسى، يرفض هذا التقسيم المريح، فالشخصيتان، على الرغم من اختلافهما، لا تبحثان عن القتل أو الانتقام، بل عن العدالة نفسها. تقول عيسى بوضوح: «الاثنتين هم ما بدهم يقتلوا، ما بدهم يقتلوا أصلاً، هن بدهم القانون يأخذ مجراه».

 

تكمن أهمية هذا التصريح في أنه يعيد تفكيك إحدى أكثر الصور النمطية شيوعاً عن الضحايا، فالمسرحية لا تقدم الناجين بوصفهم جماعة غاضبة تسعى إلى الثأر، بل بوصفهم أفراداً عالقين داخل مأزق أخلاقي وقانوني معقد: كيف يمكن الإيمان بالقانون عندما يكون القانون نفسه عاجزاً عن إثبات ما يعرفونه يقيناً؟

 

هنا، تتحول العدالة الانتقالية من مفهوم قانوني إلى تجربة وجودية، فثريا تعرف أو على الأقل تعتقد أنها تعرف، تعرف من خلال الذاكرة، ومن خلال الخوف، ومن خلال رائحة لا تزال عالقة في الجسد منذ سنوات الاعتقال، لكن المعرفة الشخصية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لبناء حكم قضائي، وهكذا تجد الضحية نفسها أمام مفارقة مؤلمة: أن تكون على يقين مما حدث، دون أن تستطيع إثباته.

 

هذا التوتر بين اليقين الشخصي والإثبات القانوني هو، في جوهره، أحد أكبر التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سوريا. فالنظام السابق لم يكتف بارتكاب الانتهاكات، بل عمل أيضاً على تدمير الأدلة، وإخفاء الوثائق، وتصفيـة الشهود، وإنتاج فراغ قانوني هائل، بحيث أصبحت ذاكرة الضحايا نفسها إحدى أهم أدوات حفظ الحقيقة.

 

الفنانة يارا صبري، تذهب مباشرة إلى قلب هذه الإشكالية، فهي لا تنكر قوة إحساس الضحية، لكنها تحذر في الوقت ذاته من تحويل هذا الإحساس إلى محكمة بديلة. تقول صبري: «القانون جاف.. كثير من الجمهور للحظة حسوا أنه إيه ممكن يكون هذا بريء فعلياً، فإنت ما فيك تعمل محكمة إنت كشخص، المحكمة الحقيقية والقانون مطلوبان لأصحاب العلاقة».

 

ما تقوله صبري هنا يتجاوز المسرحية نفسها. إنه دفاع عن فكرة العدالة بوصفها عملية جماعية ومؤسسية، لا فعلاً فردياً، حتى عندما يكون الألم شخصياً وعميقاً. فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تقوم على إنكار الغضب، بل على تحويله من طاقة تدمير إلى أداة مساءلة.

 

لكن المسرحية لا تكتفي بمساءلة الضحايا، بل تذهب إلى المنطقة الأكثر حساسية: منطقة الجلاد نفسه.يقدم الفنان جابر جوخدار، الذي يؤدي دور الرجل الغامض، قراءة بالغة التعقيد لشخصيته، فهو يرفض التعامل مع الجلاد بوصفه وحشاً أسطورياً خارج المجتمع، كما يرفض في الوقت نفسه أي محاولة لتبرير أفعاله. يقول جوخدار: «كل مجرم بالعالم هو تعرض لمضطهد بطفولته.. لكن ما فينا نبرر، هو مارس الجريمة وأنا لازم حاكمه بناء على شو ارتكب». 

 

هذه المعادلة الدقيقة، الفهم دون التبرير، تشكل أحد أهم أعمدة العدالة الانتقالية الحديثة، فالمجتمعات الخارجة من النزاعات لا تكتفي بمعاقبة الجناة، بل تحاول أيضاً فهم الآليات التي أنتجت الجريمة، ليس بهدف تخفيف المسؤولية، وإنما لمنع تكرارها.

 

ولعل ما يجعل «بروفة يوم الحساب» عملاً استثنائياً هو أنها ترفض أن تمنح الجمهور راحة الإجابات النهائية. فلا الضحية تتحول إلى قاضٍ، ولا الجلاد يتحول إلى شيطان مطلق، ولا القانون يظهر بوصفه حلاً سحرياً قادراً على تضميد كل الجراح.

 

بدلاً من ذلك، تقدم المسرحية ما يمكن وصفه بأنه تمرين أخلاقي جماعي على العيش بعد الكارثة، تمرين يعترف بأن الغضب مشروع، وأن الرغبة في القصاص إنسانية، لكنه يطرح في الوقت نفسه السؤال الأصعب: هل يمكن بناء عدالة مستدامة إذا بدأت من الانتقام؟

 

في سوريا، حيث لا تزال عشرات آلاف العائلات تبحث عن إجابات حول مصير أحبائها، لا يبدو هذا السؤال ترفاً فلسفياً أو نقاشاً نظرياً. إنه سؤال يومي، شخصي، ومؤلم. وربما لهذا السبب تحديداً، ترفض المسرحية أن تقدم حكماً نهائياً، وتترك الجمهور مع السؤال ذاته الذي يواجهه السوريون اليوم: ماذا نفعل عندما نعرف، لكننا لا نستطيع أن نثبت؟ 

هل يؤدي المسرح وظيفة العدالة المؤجلة؟

في المجتمعات الخارجة من الحروب والاستبداد، لا تبدأ العدالة دائماً من قاعات المحاكم. أحياناً تبدأ من الذاكرة، وأحياناً من الشهادة، وأحياناً من الفن. هذه هي الفرضية الأكثر جرأة التي تبدو «بروفة يوم الحساب» وكأنها تختبرها أمام الجمهور السوري: هل يمكن للمسرح أن يؤدي وظيفة ما قبل العدالة؟ أن يفتح الملفات قبل أن تفتحها المحاكم، وأن يمنح الضحايا مساحة للقول قبل أن يمنحهم القضاء حق التقاضي؟

هذا السؤال لا يطرح نفسه من خلال النص المسرحي وحده، بل يتجلى بوضوح في رؤية مخرج العمل ماهر صليبي، الذي يصر على إعادة تعريف عنوان المسرحية ذاته، فـ «يوم الحساب»، كما يقول، ليس اليوم الأخروي الذي تُحسم فيه المصائر نهائياً، بل هو «حساب ما بين اثنين أشخاص، مواجهة أرضية بين جالد وضحيتيه في مكان واحد».

 

في هذا التعريف، ينتزع صليبي مفهوم الحساب من فضائه الميتافيزيقي، ويعيده إلى المجال الإنساني المباشر. فالعدالة، بحسب هذه الرؤية، ليست وعداً مؤجلاً في السماء، بل استحقاقاً يجب أن يُناقش هنا، في الأرض، وبين البشر أنفسهم. إن السؤال ليس ما إذا كان المجرم سيحاسب يوماً ما، بل كيف يمكن للمجتمع أن يبدأ التفكير في هذه المحاسبة الآن.

 

ربما لهذا السبب يصف صليبي المسرحية، في كلمته المنشورة ضمن بروشور العرض، بأنها «اعتذار متأخر». لكن هذا الاعتذار، كما يوضح، ليس خاتمة أو تسوية نهائية، بل “بروفة”، محاولة أولى لم يسمعها أحد بعد، وتجربة أولية لاستعادة شيء من العلاقة المفقودة بين الضحايا والمجتمع.

 

تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تعيد تعريف وظيفة الفن نفسه، فالمسرحية لا تدعي أنها تحقق العدالة، ولا تقدم نفسها بديلاً عن القضاء أو المؤسسات الانتقالية، بل على العكس، تؤكد أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر القانون. لكن ما يستطيع الفن فعله، وفق رؤية صليبي، هو أن يسلط الضوء على الجروح التي لم تُفتح بعد، وأن يمنح المجتمع اللغة التي يحتاجها للحديث عن ألمه. يقول صليبي: «الفن بشكل عام يسلط الضوء ويفتح الملفات، لأنه لتداوي هذا الجرح بدك وقت وبدك زمن وبدك قانون».

 

هذا التصور يضع المسرحية في قلب النقاشات المعاصرة حول العدالة الانتقالية، والتي لم تعد تنظر إلى المحاكم باعتبارها الأداة الوحيدة لتحقيق العدالة، بل أصبحت تعترف بدور الذاكرة الجماعية، والشهادات، والفنون، والاعترافات العامة، بوصفها مسارات موازية لإعادة بناء الحقيقة.

 

في هذا السياق تحديداً، تبدو شهادة الفنانة يارا صبري أكثر من مجرد موقف شخصي. فهي، رغم أدائها لشخصية «سما» التي تدافع عن القانون وترفض الانتقام الفردي، لا تفصل بين موقعها كممثلة وموقعها كسورية عاشت سنوات الفقد والانتظار. لذلك تأتي عبارتها حاسمة ومباشرة: «ملف المعتقلين هو الأول، هو الأول على الإطلاق، وما زال لحد اليوم البحث عن الحقيقة ماذا حدث لهؤلاء المفقودين كلهم».

 

لا تتحدث صبري هنا عن قضية حقوقية مجردة، بل عن جوهر العدالة الانتقالية نفسها. فقبل العقاب، وقبل المحاكمات، وقبل المصالحة، هناك حق أولي وأساسي: الحق في معرفة الحقيقة. فمن دون معرفة ما حدث للمفقودين والمغيبين قسراً، لا يمكن الحديث عن عدالة مكتملة، ولا عن ذاكرة جماعية سليمة، ولا حتى عن إمكانية بناء مستقبل مشترك.

 

وتزداد هذه المقاربة عمقاً حين تتحدث صبري عن النساء الناجيات من الاعتقال، ليس بوصفهن شخصيات مسرحية، بل بوصفهن حاملات لذاكرة جماعية لم يُنصفها المجتمع بعد، تقول: «تعذبوا من كل النواحي.. موضوع العار أخذ جزءاً كبيراً من حياتهم»، ثم تضيف، بلهجة تتجاوز الأداء الفني إلى الشهادة الشخصية: «أنا كامرأة سورية فخورة جداً بكل امرأة عانت خلال هالـ14 سنة».

 

تكشف هذه الكلمات عن أحد أكثر أبعاد العدالة الانتقالية تعقيداً، أن الضحية لا تنتهي معاناتها عند لحظة الإفراج أو النجاة، فالصدمة لا تغادر الجسد بسهولة، والوصمة الاجتماعية قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال العقاب المستمر، ما يجعل البحث عن العدالة عملية تتجاوز المحاكم إلى إعادة الاعتراف بالضحايا أنفسهم. وهنا، تتجاوز المسرحية وظيفتها الفنية التقليدية، فهي لا تكتفي بإعادة تمثيل الجريمة، ولا تقدم سردية مكتملة عن الماضي، بل تؤدي دوراً أقرب إلى جلسة استماع عامة مؤجلة، يجلس فيها الضحايا والفنانون والجمهور أمام سؤال واحد: كيف يمكن لمجتمع خرج من عقود من القمع أن يبدأ الحديث عن العدالة قبل أن يمتلك أدوات تحقيقها؟

 

في هذا المعنى، لا يبدو المسرح منافساً للمحكمة، ولا بديلاً عنها، إنه مساحة تسبقها. مساحة تسمح للمجتمع بأن يتدرب على العدالة قبل أن يمارسها، وعلى الاعتراف قبل أن يصدر الأحكام، وعلى مواجهة الألم قبل أن يقرر كيف سيحاسب من تسبب به.

 

ولعل هذا ما يجعل عبارة فرقة دمشق المسرحية «المسرح يتنفس» أكثر من مجرد شعار ثقافي، ففي لحظة سورية مثقلة بالغياب والفقد والذاكرة الجريحة، يبدو أن ما يتنفس حقاً ليس المسرح وحده، بل إمكانية الحديث مجدداً عن العدالة نفسها.

 

الضحية والجلاد بين التمثيل والفهم

في معظم السرديات التي تتناول العنف السياسي والاعتقال والتعذيب، يبدو من السهل أخلاقياً رسم الحدود بين الضحية والجلاد. هناك طرف تعرض للأذى، وطرف ألحق الأذى، وتنتهي المسألة عند هذا الحد، لكن مسرحية «بروفة يوم الحساب» تقاوم هذا الإغراء التبسيطي، وتذهب إلى منطقة أكثر خطورة وتعقيداً: ماذا لو كان تحقيق العدالة يتطلب فهم الإنسان الذي ارتكب الجريمة، دون أن يعني ذلك تبريرها؟

 

هذا السؤال يظهر بوضوح في الأداء الذي يقدمه جابر جوخدار لشخصية الرجل الغامض، الشخصية التي لا يمنحها النص اسماً واضحاً، ولا يمنح الجمهور يقيناً كاملاً بشأن هويتها أو ذنبها، فالرجل الموجود في القبو ليس وحشاً مسرحياً تقليدياً، ولا ديكتاتوراً صغيراً يحمل علامات الشر المطلقة، بل إنسان عادي على نحو يثير القلق أكثر مما يثير الطمأنينة.

 

ربما تكمن خطورة هذه الشخصية تحديداً في أنها تذكر الجمهور بحقيقة مؤلمة، معظم مرتكبي الانتهاكات الكبرى لم يكونوا وحوشاً استثنائيين، بل أفراداً عاديين عملوا داخل منظومات استبدادية صنعت العنف، وشرعنته، وحولته إلى ممارسة يومية.

يدرك جابر جوخدار هذا التعقيد، ولذلك يرفض التعامل مع الشخصية بوصفها تجسيداً للشر المجرد، ففي حديثه عن الدور، يشير إلى أن «كل مجرم بالعالم تعرض لشكل من أشكال الاضطهاد»، لكنه يعود مباشرة لوضع الحد الفاصل الذي تقوم عليه العدالة الحديثة: «ما فينا نبرر.. هو مارس الجريمة، وأنا لازم حاكمه بناء على شو ارتكب».

 

في هذه العبارة القصيرة، يختصر جوخدار واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت تجارب العدالة الانتقالية في العالم، من جنوب أفريقيا إلى رواندا وأميركا اللاتينية: هل يمكن فهم الجلاد دون أن يتحول الفهم إلى عذر؟ وهل يمكن دراسة الظروف التي أنتجت العنف دون أن يؤدي ذلك إلى تخفيف المسؤولية الفردية؟

 

لا تقدم المسرحية إجابة مباشرة، لكنها تنحاز بوضوح إلى فكرة أساسية: أن فهم الجريمة شرط لمحاسبتها، وليس بديلاً عنها، فالعدالة التي تكتفي بالعقاب قد تنتج انتقاماً، أما العدالة التي تفهم كيف وُلد العنف، فقد تمتلك فرصة لمنع تكراره.

 

في المقابل، تضع المسرحية الضحية نفسها تحت اختبار لا يقل قسوة، فشخصية ثريا التي تؤديها روبين عيسى، لا تمثل الضحية التقليدية التي تنتظر التعاطف أو الاعتراف، بل تقدم نموذجاً أكثر تعقيداً لإنسان يعيش داخل ذاكرة لا تتوقف عن إعادة إنتاج الألم.

 

تصف عيسى مسؤولية تجسيد هذه الشخصية بأنها «مسؤولية كبيرة»، ليس فقط لأنها تمثل آلاف الناجين والناجيات، بل لأنها تحاول أن تكون صوتاً لأولئك الذين لم يتمكنوا من رواية قصصهم بأنفسهم. تقول: «عم نحاول نحن نكون صوتهم».

لكن أهمية هذه الشهادة لا تكمن في بعدها التمثيلي فقط، بل في إدراكها أن المأساة الحقيقية لا تنتهي عند لحظة الخروج من المعتقل، ففي كثير من الأحيان، يبدأ الجزء الأصعب من المعاناة بعد النجاة نفسها. تقول عيسى: «بتشوف قديش عم يعانوا جواتهم، قديش فيه تبعات مؤثرة على حياتهم، قديش انقذوا من المجتمع، ومن الأشياء النفسية والجسدية التي تعرضوا لها».

 

تكشف هذه الشهادة عن جانب غالباً ما تغفله النقاشات القانونية حول العدالة الانتقالية: أن العدالة ليست فقط معاقبة الجناة، بل أيضاً الاعتراف بالأضرار طويلة الأمد التي تستمر في تشكيل حياة الناجين لعقود. فالصدمة ليست حدثاً وقع في الماضي، وإنما حالة مستمرة تعيد تشكيل الحاضر والمستقبل. وهنا تحديداً، تطرح المسرحية واحدة من أكثر الأسئلة إيلاماً: ماذا يحدث عندما يعيش الضحية والجلاد في المجتمع نفسه بعد انتهاء العنف؟

 

لا يتعلق الأمر هنا بالمسامحة أو النسيان، بل بإمكانية التعايش مع وجود الآخر. ولهذا تبدو كلمات جابر جوخدار، وهو يتحدث بعيداً عن شخصيته المسرحية، ذات دلالة خاصة حين يقول: «بدنا كلنا نرجع نتقبل بعض بكل اختلافاتنا.. بدها قضاء عادل، بدها حكمة، بدها رأفة، بدها صلح».

 

هذه العبارة لا تقترح مصالحة مجانية، ولا تدعو إلى تجاوز الجرائم أو طي الصفحة. على العكس، إنها تفترض أن أي إمكانية للتعايش المستقبلي لا يمكن أن تتحقق إلا بعد المرور عبر العدالة نفسها، فالرأفة لا تسبق المحاسبة، والمصالحة لا تلغي الحقيقة، والتسامح لا يكون بديلاً عن الاعتراف.

 

ولعل هذا ما يجعل مسرحية «بروفة يوم الحساب» عملاً استثنائياً في السياق السوري الراهن، فهي لا تطلب من الضحية أن تسامح، ولا من الجلاد أن يُغفر له، بل تطلب من المجتمع بأكمله أن ينظر إلى نفسه في المرآة، وأن يواجه السؤال الذي ظل مؤجلاً طوال عقود: كيف يمكن أن نعيش معاً بعد كل ما جرى؟

 

في النهاية، لا يقدم جابر جوخدار جلاداً، ولا تقدم روبين عيسى ضحية فقط. كلاهما يقدم إنساناً يعيش داخل مأساة لم تنته بعد. وربما هنا تحديداً تبدأ العدالة الحقيقية: عندما نتمكن من رؤية الإنسان كاملاً، دون أن نفقد القدرة على تسمية الجريمة باسمها.