لوحة “دعوا الأطفال يأتون إليّ” خلال جلسة تصوير في “سوذبيز”، 26 يونيو 2026 (Getty)
تعود لوحة “دعوا الأطفال يأتون إليّ” لرمبرانت هارمنسون فان راين إلى سوق المزادات بتقدير قد يصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني. فاللوحة تحوّلت، بعد الترميم، إلى حالة نادرة تكشف كيف يمكن لإزالة طبقات لاحقة من الطلاء أن تعيد قراءة عمل فني كامل. ما ظهر تحت السطح كان رجلاً يرتدي عمامة، قبل أن تُستبدل لاحقاً بقبعة هولندية ووجوه يُعتقد أنها تعود إلى الفنان ووالديه ضمن مشهد ديني بدا، في صورته الأصلية، أوسع وأعقد، حاملاً معنى إنسانياً يتجاوز حدوده الإنجيلية الأولى.
في رد خاص على أسئلة “العربي الجديد”، يوضح ألكس بيل من دار سوذبيز أنه لا توجد أدلة وثائقية حاسمة تحدّد متى أو من طلا شخصية الرجل المعتمر عمامة وحوّلها إلى شخصية بقبعة هولندية. غير أن التحليل الفني وأعمال الترميم، بحسب بيل، يبيّنان أن التغيير كان جزءاً من حملة طلاء لاحقة، ربما نفذها تابع معاصر لرمبرانت أو يد لاحقة عملت بعد وقت غير بعيد من بدء اللوحة. يتعامل بيل مع هذا التغيير بوصفه جزءاً من محاولة لتنظيم الصورة وجعلها أكثر تقليدية وأسهل قراءة، إنما على حساب أصالة فكرة رمبرانت الأولى وتعقيدها. بهذا المعنى، تبدو اللوحة اليوم كأنها خرجت من عمليتَين متعاكستَين: يد لاحقة حاولت تبسيط المشهد، وترميم حديث أعاد إليه بعض غرابته وثرائه الأصليَّين.
تعرض سوذبيز اللوحة في لندن اليوم الأربعاء، ضمن مزاد لوحات ومنحوتات الأساتذة القدامى والقرن التاسع عشر، بتقدير يتراوح بين 8 و12 مليون جنيه إسترليني. والعمل منفذ بالزيت على قماش غير مبطن، ويبلغ قياسه 103.5 × 86 سنتيمتراً، ما يجعله كبيراً نسبياً ضمن إنتاج رمبرانت المبكر في لايدن. وتصفه الدار بأنه إضافة مهمة إلى أعمال الفنان من تلك المرحلة، لأنه يلقي ضوءاً جديداً على طريقة تفكيره وبنائه للصورة في بداياته الفنية. تستند لوحة “دعوا الأطفال يأتون إليّ” إلى عبارة إنجيلية منسوبة إلى السيد المسيح، مرتبطة بمشهد استقباله للأطفال بعدما حاول التلاميذ إبعادهم. غير أن رمبرانت، في القراءة التي أعاد الترميم فتحها، حوّل اللحظة الدينية إلى مشهد بشري، تتجاور فيه وجوه الأطفال والآباء وشخصيات مختلفة، في صياغة تبدو أقرب إلى سؤال عن القبول والاحتواء.
كيف يمكن لإزالة طبقات لاحقة من الطلاء أن تعيد قراءة عمل فني كامل
تأتي أهمية الرجل المعتمر عمامة من هذا السياق. فهويته ليست محسومة، ولا توجد إشارة مؤكّدة إلى أنه شخص بعينه. لكن ظهوره الأصلي، قبل استبدال العمامة بقبعة هولندية، يضع اللوحة في إطار أوسع من مشهد توراتي تقليدي. كانت صحيفة ذا غارديان كشفت، في 25 يونيو/حزيران، أن أعمال الترميم أظهرت استبدال عمامة إحدى الشخصيات بقبعة هولندية، بعدما كانت النسخة الأصلية من اللوحة تضم حشداً أكثر تنوعاً في دلالاته الدينية والثقافية. تكتسب هذه القراءة وزناً من سياق لايدن، المدينة التي نشأ فيها رمبرانت وبدأ مسيرته. ففي عشرينيّات القرن السابع عشر، كانت الجمهورية الهولندية تعيش توترات دينية حادة بين التيارات البروتستانتية، كما كانت مدن مثل لايدن تستقبل لاجئين وتجاراً وحرفيين من خلفيات متعددة.
لذلك؛ فإنّ إدخال شخصية بلباس “شرقي” أو غير هولندي في مشهد عن استقبال يعكس وعياً مبكراً بتعدد المجتمع المحيط بالفنان. تحمل اللوحة طبقة شخصية أيضاً. ففي 26 يونيو/حزيران، أوردت صحيفة ذا تايمز أن الدراسات وأعمال الترميم كشفت وجوهاً كانت “مختبئة على مرأى من الجميع”، قد تعود إلى رمبرانت نفسه ووالديه، وربما إلى أشخاص قريبين من عائلته. وإذا صحّت هذه القراءة، فإن العمل يصبح أكثر من مشهد ديني؛ إذ يتحول أيضاً إلى صورة عائلية مبكرة، وربما إلى أحد أكثر الأعمال التي تجمع رمبرانت بعائلته داخل لوحة واحدة اكتمالاً. هذه النقطة تمنح اللوحة جاذبية خاصة في سوق الفن.
فالمقتنون ينظرون إليها بوصفها عملاً يجمع عناصر نادرة: مرحلة مبكرة وقصة ترميم طويلة وحضور عائلي محتمل وتحول في القراءة بعد إزالة الطلاء. من هنا، يصبح السعر المتوقع جزءاً من السردية. رحلة اللوحة إلى هذا الموقع من السوق لم تكن مباشرة. ففي عام 2014، ظهرت في مزاد بمدينة كولونيا الألمانية على أنها عمل منسوب إلى المدرسة الهولندية في منتصف القرن السابع عشر، وكان تقديرها الأولي متواضعاً قياساً بما وصلت إليه لاحقاً، قبل أن تُباع بنحو 1.5 مليون يورو. بعد ذلك، خضعت لسلسلة من الدراسات والترميمات التي أعادت فتح ملف نسبتها، إلى أن أصبحت اليوم تُعرض عملاً أصيل لرمبرانت من بداياته.
يلقي العمل ضوءاً جديداً على طريقة تفكير رمبرانت وبنائه للصورة في بداياته الفنية
في تعليقه لـ”العربي الجديد”، يؤكد ألكس بيل أنّ نسبة اللوحة إلى رمبرانت هي الأساس الأول في قيمتها، باعتبارها عملاً مبكراً وأصيلاً وذا طموح وحجم لافتَين، وهي أعمال نادراً ما تظهر في السوق بهذا المستوى. لكنّه يضيف أن الترميم جعل العمل جذاباً على نحو استثنائي، لأنه أعاد رؤية رمبرانت الأصلية إلى الحياة، وكشف رسالة أكثر تعقيداً تبدو، في قراءته، مرتبطة بالتسامح وبإنسانية الفنان العميقة.
يختصر بيل جاذبية اللوحة بالقول إنّ الأمر يتعلق بإعادة اكتشاف فكرة. فالقيمة هنا تقوم على اجتماع الندرة والنسبة الفنية والكشف، وعلى قدرة الترميم على إظهار طريقة رمبرانت في التفكير والعمل. تعكس هذه القصة واقع سوق الأساتذة القدامى اليوم. فالأعمال الكبرى لرمبرانت نادراً ما تظهر في مزادات علنية، وكثير منها مستقر في المتاحف والمجموعات العامة. لذلك؛ حين يظهر عمل مبكر وواسع الطموح، ومعه قصة اكتشاف وترميم ونسبة فنية جديدة، تصبح المنافسة عليه مرتبطة بالندرة بقدر ارتباطها بالجمال الفني.
وقد أظهرت مبيعات حديثة أخرى للفنان استمرار شهية السوق تجاه الأعمال النادرة؛ ففي فبراير/شباط الماضي، بيعت رسمة صغيرة لرمبرانت بعنوان “أسد شاب مستريح” في مزاد سوذبيز بنحو 18 مليون دولار، مسجلة رقماً قياسياً لأعماله على الورق. غير أن “دعوا الأطفال يأتون إليّ” تحمل أكثر من طبقة: رمبرانت الشاب في بداياته ولايدن التي عرفت تعدداً دينياً واجتماعياً وعائلة تظهر داخل مشهد ديني ويد لاحقة غيّرت بعض ملامح اللوحة، ثم ترميم حديث أعاد فتح الأسئلة.
من كان صاحب العمامة؟ ولماذا بدا وجوده بحاجة إلى تعديل؟ وهل كان التغيير محاولة لجعل الصورة أكثر قبولاً وتقليدية؟ لا يملك الأرشيف جواباً نهائياً، لكن اللوحة نفسها تذكّر بأنّ الفن لا يتغيّر بفعل الزمن وحده، بل أيضاً بفعل من يقرّرون ما يبقى ظاهراً وما يُغطّى.
لذلك؛ لا تبدو الملايين المتوقعة في مزاد لندن ثمناً لاسم رمبرانت فحسب، إنها أيضاً ثمن حكاية خرجت من تحت الطلاء: لوحة ظلّت لعقود تُقرأ من دون بعض مفاتيحها الأصلية، قبل أن يعيد الترميم إليها بعض تعقيدها، ويتركنا أمام سؤال بسيط ومقلق في آنٍ واحد: ماذا يحدث حين نكتشف أن ما مُحي من صورة قديمة كان جزءاً أساسياً من معناها؟
