Published On 1/7/20261/7/2026
|
آخر تحديث: 22:50 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:50 (توقيت مكة)
ينطوي الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان على مخاطر تتمثل في تكريس حالة الجمود القائمة بدلا من معالجة جوهر الصراع، ولا تقتصر هذه المخاطر على ربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بملف نزع سلاح الحزب المدعوم من إيران، بل تمتد أيضا إلى مستقبل الاتفاق نفسه، في ظل معارضة داخلية لبنانية واضحة، تجلت في وصف رئيس مجلس النواب نبيه بري له بأنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 مايو/أيار 1983”.
فلماذا تبدو فرص الالتزام بالاتفاق ضئيلة؟ وأين تكمن نقاط الاختلاف الرئيسية؟ وهل هو أسوأ من اتفاق عام 1983؟
مقايضة بصيغة اتفاق
ينص الاتفاق على أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على جنوب لبنان بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات غير الحكومية، في إشارة إلى حزب الله، لأن هذا سيمكن الجيش الإسرائيلي من “الانسحاب تدريجيا” من لبنان.
وينص أيضا على أن يتولى الجيش اللبناني المسؤولية تدريجيا في “مناطق تجريبية”، على أن تظل القوات الإسرائيلية منتشرة فيما تسمى “المنطقة الأمنية”، التي تقول إسرائيل إنها تهدف إلى حماية المناطق الشمالية من أي هجوم محتمل.
ووفق المسؤولين الإسرائيليين ستعقب الانسحاب من المناطق التجريبية إعادة انتشار خلال أيام بالمناطق نفسها التي ستشمل بحسب خرائط نشرتها الحكومة الإسرائيلية، قرى فرون وزوطر الغربية وغندورية اللبنانية.
وعمليا يقوم الاتفاق في جوهره على أساس مقايضة لا يتوقع نجاحها سوى قليلين.
ونظرا لاستبعاد نزع سلاح الحزب، يقول محللون إن إسرائيل تمتلك غطاء سياسيا للحفاظ على وجود عسكري غير محدد المدة في جنوب لبنان، الذي غزته بعد أن أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل في الثاني من مارس/آذار دعما لطهران بسبب الحرب على إيران، وردا على الخروقات الإسرائيلية في لبنان، وفقا لبيانات الحزب.
ويتصادم الاتفاق الإطاري أيضا مع الواقع السياسي في لبنان، إذ يُطلب من دولة قائمة على نظام المحاصصة الطائفية أن تواجه أقوى فصيل مسلح في البلاد، رغم أن النظام الذي أعقب الحرب الأهلية يستند إلى قواعد تقاسم السلطة لا إلى الإكراه.
ويستند هذا التفسير إلى حقيقة موضوعية، وهي أن الجيش اللبناني ليس مهيئا من حيث تكوينه وعتاده لنزع سلاح حزب الله، وأن من توقع إقدامه على ذلك يتجاهل حقائق القدرات العسكرية الراسخة للجماعة والتوازن الطائفي الذي يستند إليه استقرار لبنان.
وبشكل عام يعيد الترابط الشرطي في اتفاق 26 يونيو/حزيران، إلى الأذهان اتفاق 17 مايو/أيار عام 1983، الذي رعته آنذاك أيضا الولايات المتحدة، فعلى الرغم من اختلاف السياق والفترة الزمنية فإنه لا ينطوي على فوارق كبيرة في النقاط الخلافية الرئيسية.
إطار عام 1983 ووحدة المسارين السوري واللبناني
برز اتفاق 17 مايو/أيار 1983 في سياق ظرف تاريخي لبناني صعب، فقبله عام 1982 كان عام الاجتياح الإسرائيلي للبنان مع ما واكب ذلك من المجازر، كان أشهرها مجزرة (صبرا وشاتيلا).
وقد فرضت إسرائيل على لبنان التوقيع على الاتفاق، الذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان بشرط:
واحتفظت إسرائيل بما سمته حزاما أمنيا في جنوب لبنان خوفا من صواريخ كاتيوشا كانت تستخدمها المقاومة اللبنانية.
ونص الاتفاق على إنهاء حالة الحرب بين البلدين في مدة تبدأ من 8 إلى 12 أسبوعا، وتأليف لجنة اتصال مكونة من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، على أن تشرف الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ الاتفاق.
اتفاق 17 مايو/أيار، وإن كان لقي دعما غربيا، فإن سوريا كطرف في معادلة الصراع رفضت الاتفاق بشدة، وهاجم النظام الرسمي السوري الأطراف التي وقعت عليه من جهة، ودعم الأطراف المعارضة له (جبهة الإنقاذ الوطني المؤلفة من وليد جنبلاط ورشيد كرامي وسليمان فرنجية وآخرين)، كما عمل على إسقاطه من جهة ثانية.
مليشيا مسيحية تطلق مدفع هاوتزر عيار 155 ملم باتجاه المواقع الدرزية في سبتمبر/أيلول 1983 (أسوشيتد برس)
وقد كان لتوقيع الاتفاق تداعيات على مستوى الداخل اللبناني، أبرزها نشوب الاقتتال الداخلي وانقسام المشهد السياسي بين الحكومة والرئيس أمين الجميل المتمسكين بالاتفاق من جهة، وجبهة الإنقاذ الوطني ومن ورائها سوريا الرافضين من جهة ثانية.
وفي الفترة التي شهدت تصاعدا لوتيرة استهداف القوات الأجنبية داخل لبنان، خاصة بعد حادث مقتل عدد كبير من قوات المارينز والمظليين الفرنسيين، اتجه الرئيس أمين الجميل إلى إعلان إلغاء اتفاق 17 مايو/أيار مع إسرائيل في 5 مارس/آذار 1984.
وعلى ضوء هذه التطورات تم إسقاط اتفاق 17 مايو/أيار، ومنَع ذلك إمكانية استقلال المسار اللبناني تجاه إسرائيل، وتم فرض ما سُمي بوحدة المسارين السوري واللبناني تجاه الصراع مع إسرائيل.
اتفاق 26 يونيو وشبح الصراع الأهلي
على غرار اتفاق 17 مايو 1983 يخاطر اتفاق 26 يونيو/حزيران 2026 بإشاعة حالة من الانقسام بين الحساسيات والطوائف السياسية في لبنان بسبب تباين المواقف من حوله، مما يهدد بإعادة شبح الصراع الأهلي.
بالنسبة لحزب الله:
رفضت الجماعة، التي طالبت بيروت بالانسحاب من محادثاتها المباشرة مع الحكومة الإسرائيلية، الاتفاق ووصفته بأنه استسلام لإسرائيل.
وقال محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، في تعليقات لقناة الجديد إن الاتفاق “وُلِد ميتا”. وأضاف في تصريحاته: “لا داعي لأن نحرك شارعا ولا أن نفعل شيئا، لأنه في النهاية هذا الاتفاق ميت، غير قابل للتنفيذ، ولا يمكن أن ينفذ، مستحيل أن يتم تطبيقه”.
رئاسة البرلمان:
في أول رد فعل على بنود الاتفاق، قال رئيس البرلمان ورئيس حركة أمل الشيعية حليفة حزب الله، نبيه بري إنه أسوأ عشر مرات من اتفاق عام 1983، مستبعدا صموده.
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري وصف الاتفاق الإطاري مع إسرائيل بأنه أسوأ عشر مرات من اتفاق عام 1983 (أسوشيتد برس)
ونقلت صحيفة الأخبار عنه قوله إن أخطر جانب في الاتفاق لا يرتبط فقط بمضمونه السياسي وإنما بما يمكن أن يترتب عليه من محاولات لإثارة الانقسامات الداخلية واستدراج اللبنانيين إلى مواجهة فيما بينهم، وهو ما يخدم -في تقديره- الاحتلال الإسرائيلي قبل غيره.
ويرى بري أن أي محاولة لفصل لبنان عن “المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني” لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال الإسرائيلي.
الرئاسة اللبنانية:
أبدى الرئيس اللبناني جوزيف عون موقفا إيجابيا من صيغة الاتفاق الإطاري، لجهة أنه يحقق -في تقديره- منطق الدولة من خلال البنود التي تضمنتها، مؤكدا أن “لبنان ذات سيادة، ويفاوض عن نفسه”. وترتكز تصريحات عون في دفاعه على الاتفاق، على النقاط التالية:
خيار المفاوضات هو “أفضل الممكن بعد فشل تجربة الحروب”.
صيغة الإطار تحفظ حقوق لبنان قضائيا وميدانيا.
عدم الاستسلام والتمسك بالحقوق.
يحق للجنوبيين من كل الطوائف العيش بأمان وعدم دفع ثمن باهظ من قتل وتدمير ونزوح بين فترة وأخرى.
طريق مسدود
يواجه اتفاق 26 يونيو/حزيران طريقا مسدودا في ظل تباين المواقف اللبنانية الداخلية من حوله، ويقول محللون سياسيون إن الخلل متأصل في صميم الاتفاق نفسه، إذ يفرض التزامات واسعة النطاق على لبنان دون أي ضمان في المقابل بانسحاب إسرائيل.
وقال مايكل يونغ المحلل المقيم في بيروت: “لقد وضع هذا الاتفاق كل العبء على عاتق لبنان”، مضيفا أنه “يخلق إطارا يسمح للإسرائيليين بالبقاء في جنوب لبنان إلى أجل غير مسمى”.
دبابات للجيش الإسرائيلي متمركزة على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية (الفرنسية)
ومن جهته يرى فواز جرجس، الأكاديمي اللبناني في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن الاتفاق “وُلِد ميتا” بسبب خلل في بنيته وتضمنه شرطا مستحيلا عمليا. وترتكز مآخذ الأكاديمي اللبناني على النقاط التالية:
إسرائيل رسخت لنفسها منطقة عازلة تحتلها في جنوب لبنان بعمق يتراوح من ثمانية إلى عشرة كيلومترات، مع ربط أي انسحاب مستقبلي بنزع سلاح حزب الله.
شروط الاتفاق تنطوي على خطر إضفاء صفة الدوام على المنطقة العازلة ومنحها شرعية دبلوماسية، ما يُعد “هدية” سياسية لإسرائيل.
فصل واشنطن المتعمد بين الصراعات منح إسرائيل حرية أكبر في التحرك بلبنان.
وعلى الرغم من تفاؤل الحكومة الإسرائيلية بصيغة الاتفاق، فهناك اقتناع أيضا بصعوبة تطبيقه على الأرض. وقال داني سيترينوفيتش، المحلل في الشؤون الإقليمية والضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، إن تفكيك حزب الله “لن يحدث أبدا”، مضيفا أن الاتفاق يضفي في الواقع شرعية على وجود عسكري إسرائيلي مفتوح الأجل، يصعب معه الانسحاب كما يصعب تفكيك سلاح حزب الله.
وبدل الصيغة الحالية للاتفاق يعتقد الخبير الإسرائيلي أن اتفاقا أضيق نطاقا يركّز على انسحاب حزب الله من جنوب نهر الليطاني، وتوسيع نطاق انتشار الجيش اللبناني، وتوسيع نطاق سلطة الدولة، كان سيحظى بفرص أفضل للنجاح.
