ثمة هندسة تفرض نفسها على كوميديا «السلابستيك» أو الكوميديا الحركية، ففي جوهره يعيد هذا التصنيف الفرعي صياغة الهشاشة الإنسانية وتحويلها إلى بنية هيكلية ملموسة، مرتكزاً على معادلة شديدة البساطة في ظاهرها: جسد في حالة حركة يصطدم بعالم لا يرحم. وقبل وقت طويل من تعلّم السينما كيف تنطق وتتكلم، كانت الكوميديا الحركية هي اللغة العالمية الموحدة على الشاشات.
وبعيداً عن كونها مجرد مجموعة من السقطات المبتذلة والفطائر المتطايرة، فقد خضع هذا النمط الفني لتطور رفيع المستوى، متحولاً من الألعاب البهلوانية البدنية الفجة إلى أداة شديدة التميز لتقديم الهجاء الساخر، والمحاكاة التهكمية، وجمود الملامح.
وقد اشتُق المسمى نفسه في الأصل من أداة «الباتاتشيو»، وهي أداة خشبية تتكون من لوحين متطابقين كانت تُستخدم في المسرح الإيطالي الكلاسيكي في القرن السادس عشر المعروف بـ«كوميديا الارتجال»، وعند ضرب الممثل بها كانت تصدر صوتاً مدوياً وشديد الانفجار بأقل قدر ممكن من الأثر البدني الحقيقي لتشكل بذلك أقدم مؤثر صوتي خاص لمحاكاة الضرب والتعنيف.
وبحلول أوائل القرن العشرين، انفجرت هذه التقاليد المسرحية على شريط السينما. ففي عصر السينما الصامتة، أحدثت أيقونات خالدة مثل «تشارلي تشابلن»، و«بستر كيتون»، و«هارولد ليويد» ثورة شاملة في هذا القالب، إذ تعاملوا مع العالم المادي وكأنه ساحة ألعاب تخضع لقوانين فيزيائية متغيرة، مستغلين التوقيت الدقيق والمثالي والمخاطر البدنية الحقيقية ليعكسوا من خلالها مخاوف مجتمع آخذ في التطور الصناعي.
ومع انتقال السينما إلى عصر الصوت، واجه الاعتماد على التمثيل الإيمائي تراجعاً حاداً، ومع ذلك أدرك صناع الأفلام في نهاية المطاف أن الكوميديا الجسدية لا تشترط الصمت، بل تطلب فقط نوعاً مختلفاً من الدقة والإتقان.
وقد تجلت هذه النقطة المحورية الحاسمة على يد المخرج «بليك إدواردز» والممثل «بيتر سيلرز» في فيلمهما «The Party» (الحفلة) عام 1968، إذ يمثل هذا الفيلم جسراً يربط بين فنون الاستعراض الحركي الصامت الكلاسيكي (Choreography) وكوميديا الموقف المعاصرة.
يجسد سيلرز في الفيلم شخصية «هروندي ف. باكشي»، وهو ممثل تلاحقه الحوادث أينما حل، ويتسبب بالخطأ في تدمير قصر مجهز بأحدث التقنيات يملكه أحد أقطاب هوليوود، مخرباً إياه من الداخل إلى الخارج. وبدلاً من الاعتماد على الاصطدامات المتلاحقة والسريعة، يستعرض فيلم «The Party» المقالب، حيث يبدأ الموقف بهفوة صغيرة، مثل سقوط حذاء في مسبح داخلي، ثم تتوالى الأحداث كأحجار الدومينو لتتحول في النهاية إلى كارثة مطلقة. وبذلك، أثبت إدواردز أن قواعد الإتيكيت الاجتماعي أرض خصبة للمواقف الفكاهية.
بحلول ثمانينيات القرن الماضي، شهد هذا التصنيف الفرعي قفزته التطورية الأكثر راديكالية وجرأة على يد ثلاثي الكتابة والإخراج: «جيم أبراهامز»، و«ديفيد زوكر»، و«جيري زوكر» (المعروفين سينمائياً بـ ZAZ). ومن خلال فيلمهم الأيقوني «!Airplane» عام 1980 وعبارته الأشهر على الإطلاق «ولا تنادني شيرلي» ابتكروا طفرة كوميدية جديدة تماماً: المحاكاة الساخرة ذات الملامح الجامدة الصارمة (The deadpan parody).
تجلت عبقرية الثلاثي (ZAZ) في إسناد الأدوار إلى ممثلين دراميين جادين أبرزهم الراحل «ليسلي نيلسن» وتوجيههم لتقديم المشاهد القائمة على العبثية المطلقة بجدية ورصانة تامة.
ولم تعد الكوميديا الجسدية هنا تتمحور حول رد فعل البطل الصاخب والمبالغ فيه عند تعرضه للسقوط، بل أصبحت ترتكز على تجاهل البطل الكامل للفوضى العارمة التي تجتاح المكان من حوله.
وصلت هذه التوليفة السينمائية إلى ذروة نضجها مع سلسلة أفلام The Naked Gun التي لعب فيها نيلسن دور المحقق الغافل والمنفصل عن الواقع «فرانك دريبين».
فمثلاً، بينما يلقي دريبين مونولوغات ثقيلة وجافة مستوحاة من سينما الجريمة السوداء (Hardboiled film-noir) في مقدمة الكادر، تجد ممثلي الخلفية يتساقطون من فوق البنايات، والسيارات تنفجر بلا سبب، والأدلة الجنائية تُطمس وتُدمّر بشكل ممنهج وأحياناً غبي.
قلبت هذه السلسلة مسيرة نيلسن رأساً على عقب، فبعد أدوار دراما جادة أصبح الرجل الأول للكوميديا.
أعادت الأفلام المذكورة آنفاً صياغة الكيفية التي يتلقى بها الجمهور المعاصر الفكاهة الجسدية ويتفاعل معها بالكامل؛ ونجحت هذه الأعمال في وضع القواعد التأسيسية لكل شيء جاء بعدها؛ بدءاً من فيلم «Shaun of the Dead»، وصولاً إلى الكوميديا الجسدية السريالية التي تزخر بها الرسوم المتحركة في التلفزيون الحديث.

ليزلي نيلسن وروبرت هيز في فيلم «الطائرة»

ملصق فيلم «ذا بارتي»

ملصق فيلم «ذا نيكد غان»

ملصق فيلم «الطائرة»
