للوهلة الأولى، يبدو مسلسل “ممكن” وكأنه يسير على خط درامي مألوف، امرأة تعمل في البغاء ورجل مرموق يقع في حبها، وتتشكل بينهما علاقة غير متكافئة، فتجد ذاكرتك تستدعي فوراً أعمالاً تناولت نفس الفكرة، أبرزها “بريتي وومان”. لكن، هذا الانطباع لا يصمد طويلاً، لأن العمل سرعان ما ينقلب على هذه القاعدة ويخلع عن نفسه عباءة الرومانسية التقليدية الكلاسيكية ليغوص في منطقة أكثر قتامة وخطورة، تختلط فيها السياسة بالجريمة والطب بالفساد والمال باستغلال الأجساد، ليصبح الحب مجرد بوابة أولى لعبور المشاهد نحو جحيم فساد سياسي وإنساني واجتماعي كامل.

لعب بطولة المسلسل نادين نجيم وظافر عابدين وزينة مكي ومروة خليل وعدد كبير من نجوم الدراما العربية، وأخرجه أمين درة، والتأليف لمنى الشيمي ومجدي أمين.

لفت “ممكن” الانتباه منذ الحلقات الأولى إلى أنه حول قصة حب غير متكافئة لعدسة مكبرة تكشف طبقات كاملة من الفساد، وبدلاً من استخدام الأسلوب الخطابي والملفات الحقيقية المعروفة استخدمت الرومانسية فخاً درامياً يسحب المشاهد إلى أعماق عالم أكثر قسوة، يعبر عن هشاشة مجتمعات تعاني انهياراً أخلاقياً وازدواجية وصوراً مزيفة وأحكاماً ظالمة.

لم يهتم العمل بالحكايات السهلة أو الشخصيات البيضاء والسوداء، بل تعمد وضع المشاهد داخل منطقة رمادية قاسية، إذ لا يوجد بريء كامل ولا مذنب مطلق، بل بشر تحاصرهم الظروف وتدفعهم إلى خيارات قد تبدو خاطئة، لكنها أحياناً تكون الوسيلة الوحيدة للبقاء، وهنا تتغير الأحكام الجاهزة لنعيد النظر في أنه لا يمكن أن ندين الشخصيات بقدر ما ندين السياق الذي أنتجها.

العمود الفقري للحكاية

تبدأ الحكاية بشخصية نور، التي تؤديها نادين نسيب نجيم التي تعد العمود الفقري لدراما العمل، فنور امرأة شابة تنتمي إلى أسرة بسيطة وتجد نفسها مسؤولة عن أب طاعن في السن وشقيقات يجب أن يكملن دراستهن، وعلى رغم الفقر تكافح نور لمساعدة أسرتها، لكنها إثر زواج فاشل من رجل مدمن كحول تتعرض لحادثة تعنيف جسدي تسبب لها كسراً بالعمود الفقري، ويدخل الزوج السجن بعد الحكم عليه.

تضطر نور لإجراء جراحة خطرة يتكفل بها مازن ابن قريتها، وتتكلف 50 ألف دولار، وبعدها يحكم قبضته عليها ويجبرها على العمل لصالحه كباغية، ويهددها بأوراق اقتراضها لكلف العملية، لتجد نور نفسها مرغمة على العمل لتسديد الدين، وإلا ستجد نفسها خلف القضبان.

يفتح العمل ملف الاستغلال الجسدي وفتيات الليل، وتستعرض الحلقات نماذج لفتيات أخريات يجري استغلالهن من قبل مازن للسير في الطريق المحرم لمصلحة شخصيات نافذة في المجتمع، ولأسباب مختلفة يمثل الفقر عاملها المشترك تضطر السيدات والفتيات الصغيرات للخضوع إليه.

تتصاعد الأحداث ويستمر مازن في خططه الشيطانية، وتهديد الفتيات للاستمرار، وعدم الإفلات من قبضته مهما كلفه الأمر من عنف وتهديد.

وفي وقت يعرض المسلسل تلك الشريحة البائسة بكل معاناتها النفسية والإنسانية والقهر الذي يتعرضن له بسبب الاتجار في أجسادهن، يظهر في الجانب الآخر عالم الأثرياء والشخصيات السياسية النافذة أصحاب الشركات والمناصب النيابية، وتعكس الصورة مدى تناقض هذين العالمين.

Screenshot 2026-07-02 172807.jpg

يفتح العمل ملف الاستغلال الجسدي وفتيات الليل​​​​​​​ (مواقع التواصل)

 

تتعرف نور على الطبيب زياد ابن مروان سليمان أحد أبرز النواب اللبنانيين، وأهم رجال الأعمال الذي يمتك شركات ونفوذاً وملايين لا حصر لها. لا يشعر زياد بالانتماء إلى عالم الأثرياء وذوي النفوذ والنخبة، بسبب كرهه لأبيه وعائلته الممزقة، ويمثل الطبيب جانباً مضيئاً مليئاً بالإنسانية والرقة وسط عتمة الفساد والبطش الذي يسيطر على معظم تلك الطبقة التي يعيش بينها.

تتعقد حياة زياد بعد وفاة طفلة أجرى لها جراحة دقيقة في القلب، ليظل مُلاحقاً بالذنب ومُداناً من المجتمع وعائلة الضحية، وأمام تلك الضغوط يترك عمله ويدمن الكحول هرباً من تعذيب الضمير ونظرة المجتمع.

يتعرف زياد على نور في الملهى الليلي ويعرض عليها قضاء أسبوعين معه لقاء مقابل مبلغ مادي كبير على طريقة فيلم “امرأة جميلة”، وبعد وقت قصير يتعرف على عالمها والظروف القاسية التي دفعتها لبيع جسدها فيتعاطف معها ويرى الجانب الإنساني من حكايتها، ويحاول إنهاء مأساتها بمنحها الأموال التي تخلصها من قبضة مازن صاحب الملهي الليلي الذي يجبرها على العمل في عالم لا يشبه مبادئها.

تنتشر حكاية حب زياد ونور فتتأزم الأمور، وتحدث مواجهات لإفساد قصة الحب ووأدها في مهدها، ويفرض الجميع وصايته وأحكامه ضد نور ومحاولتها البدء من جديد نحو مستقبل تتنصل فيه من خطاياها، وتعيش فيه امرأةً حرةً مكافحة شريفة.

تترك نور العمل في الملهى الليلي بعدما يخلصها زياد من ديونها، وبعدها تعيش صراعاً مريراً مع المجتمع والخوف من معرفة حقيقتها من جهة، وبين حبها لزياد ومحاربة عائلته لها من ناحية أخرى، وتزداد الأمور تعقيداً، بسبب مخططات مازن التي تجبرها على العودة إلى العمل معه مجدداً بعد تهديدها بفضح مهنتها عند عائلتها.

جدل النهاية

تتوالى الأحداث وتنجح البطلة في الخروج إلى النور، والتغلب على قوى الشر والفساد، وتنتهي الحكاية بمنح نور فرصة جديدة للتطهر والبدء كامرأة طبيعية وزوجة وأم، وقد تبدو تلك نهاية سعيدة ترضى قطاعاً كبيراً من الجمهور، لكنها على جانب آخر تبدو مثالية أكثر مما يحتمل الواقع، وبخاصة أننا نعيش في مجتمعات لا تمنح المرأة غفراناً سهلاً حتى لو كانت ضحية.

وربما لم يكن هدف صناع المسلسل تقديم نهاية سعيدة بقدر ما كان محاولة لطرح سؤال أخلاقي صعب، وهو لماذا لا يملك الإنسان الحق في بداية جديدة بعد ما تُفرض عليه الخطيئة؟

3c52a2a8-fbc2-460b-8f7f-e4471b0ad782.png

سيطرت البساطة على أداء نادين في معظم المشاهد المشحونة بالدراما​​​​​​​ (مواقع التواصل)

 

لمعت نادين نجيم وظهر ذكاؤها الفني في اختيار شخصية نور، إذ تخلت عن صورة المرأة المقهورة في الدراما التي تكسب التعاطف فتحقق النجاح المضمون. وقدمت نجيم دوراً من أجرأ وأنضج أدوارها، ولم تخش أن تظهر بصورة الغانية، بكل تفاصيلها الجريئة والمثيرة التي قد تعرضها للانتقاد من أصحاب الأحكام.

وعلى مستوى الأداء أجادت نادين الغوص في التفاصيل النفسية المعقدة التي عبرت عن صراع أليم بين شخصية نور البريئة التي تحلم بأن تكون مصممة أزياء، وبين ميراج فتاة الليل المحترفة التي أجبرها مازن أن تتحول إليها.

وسيطرت البساطة على أداء نادين في معظم المشاهد المشحونة بالدراما، واعتمدت على الانفعال الداخلي والصمت الخارجي، فكان التأثير قوياً وصادقاً ومخالفاً للقواعد النمطية في تجسيد تلك الأدوار.

أزمة وجودية

على الجانب الآخر يأتي زياد الذي جسده ظافر العابدين رمزاً للرجل الذي يكتشف أن العالم الذي ينتمي إليه أكثر فساداً من عالم الغانيات، فهذا الطبيب الناجح صاحب المكانة المرموقة اجتماعياً يعيش داخل منظومة تبدو محترمة من الخارج، لكنه مع الوقت يكتشف أن هذه المنظومة متورطة في كل ما كان يعتقد أنه بعيد منه، مثل غسل الأموال وتجارة الأدوية الفاسدة وحماية السياسيين الفاسدين وشبكات استغلال النساء.

كل هذا التناقض، الذي كشفت عنه الأحداث في حياة زياد، لم يجعل قصة حبه مع نور مجرد مشاعر رجل تجاه امرأة، بل حول العلاقة إلى أزمة وجودية ومواجهة مباشرة وصريحة بين مبادئه وعالمه المزيف الذي لم يكن يعرف حقيقته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد يبدو للوهلة الأولى عند المشاهدة أن زياد هو الرجل المنقذ لنور ودافعها الأساس للتطهر، لكن المفارقة الحقيقية أن نور كانت هي نقطة التحول التي جعلته يعيد اكتشاف هشاشة حياته بكل من فيها.

أجاد ظافر عابدين التعبير عن الانهيار الداخلي لرجل اكتشف أن كل عالمه ملوث، بداية من الأب والأخت وحتى الزوجة التي تخونه بلا هوادة مع أعز أصدقائه لتحقق أهدافها الدنيئة.

وخدم هدوء العابدين في الأداء شخصية زياد الذي لا ينهار خارجياً، لكنه يتآكل من الداخل، ويعيد بناء نفسه من جديد على رغم حدة الصراع بين ما تربى عليه وما يراه أمامه.

عمق الشخصيات المساعدة

من نقاط قوة مسلسل “ممكن” أنه لم يكتف بمنح الخطوط الرئيسة والمشاهد المهمة للبطلين الأساسيين، بل قدم شخصيات أخرى بتفاصيل وملامح وعمق لا يقل تأثيراً. فشخصية ملك زوجة زياد الخائنة التي جسدتها زينة مكي كانت مثالاً للمرأة الراقية ظاهرياً، لكنها تحمل عهراً داخلياً يثبت أن الطبقة الاجتماعية ليست ضماناً للأخلاق والشرف والمبادئ النزيهة.

بينما يأتي ألان سعادة في شخصية مازن مالك الملهي الليلي وقائد عمليات الاتجار في النساء، بوصفه تجسيداً كاملاً للفساد المنظم الذي يستخدم كل الأدوات غير الأخلاقية لينفذ أهدافه انتقاماً من جميع النساء، بسبب عقدته النفسية من والدته وماضيها المشين الذي خلف لديه شرخاً مدمراً جعله رجلاً بلا أخلاق، يقف خلف شبكة كاملة من الجرائم.

0e13ee9a-0138-4115-8b46-70b4adbfc49f.png

يأتي ظافر العابدين رمزاً للرجل الذي يكتشف أن العالم الذي ينتمي إليه أكثر فساداً من عالم الغانيات (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

وجسد الممثل المخضرم رودريغ سليمان شخصية السياسي البارز ورجل الأعمال الذي يحتل المرتبة الأولى في المجتمع، من حيث النزاهة وأعمال الخير، بينما تحمل صحيفته كل أنواع الفساد والتلوث والتجارة بالمرضى والنساء.

وكان سليمان من النقاط المميزة بالمسلسل، لأنه قدم شكلاً وأداءً حقيقياً قد يكون مماثلاً لرجال أعمال ومشاهير يملؤون السمع والبصر في المحافل الراقية ومجتمعات النخبة وعبر شاشات التلفزيون.

الموت حين يصبح مشروعاً استثمارياً

الضربة الأقوى في المسلسل جاءت في خط تجارة الأدوية الفاسدة، هذا المسار لم يكن إضافة جانبية لرفع مستوى الإثارة، بل كان امتداداً لفلسفة العمل كلها، فمن يبيع النساء قادر على بيع الدواء المغشوش، ومن يشتري الجسد قادر على شراء الضمير، وهنا يؤكد العمل أن قضايا الفساد ليست ملفات منفصلة، بل شبكة واحدة تتبدل أدواتها فحسب، ويبقى الإنسان هو السلعة الأساس بها.

وبهذا المعنى يصبح “ممكن” عملاً سياسياً متنكراً في ثياب ميلودراما، فهو لا يهاجم الفقر بل يهاجم أصحاب السلطة الذين يصنعونه، ولا يدين الضحايا بل يدين النظام الذي يخلقهم ثم يحتقرهم، ولا يبرر السقوط لكنه يصر على فهم جذوره.

شاهد الجمهور العمل على امتداد 21 حلقة، وربما أبرز ما جعله مؤثراً أنه استطاع أن يحول المشاهد من متفرج عاطفي إلى قاضٍ أخلاقي، ثم أجبره في النهاية على مراجعة أحكامه، وهذه ربما القيمة الأهم لأي عمل درامي حقيقي بألا يمنحك إجابات جاهزة، بل يربك حساباتك ويجعلك ترى العالم أكثر فهماً.