وسار كبار المسؤولين والقادة العسكريين، الذين لم يظهروا معا علنا منذ أسابيع، جنبا إلى جنب خلال المراسم، وتقدم المشهد الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية وكبار جنرالات الحرس الثوري، في خطوة سعى منظمو الجنازة من خلالها إلى إبراز “وحدة واستمرارية” النظام.

إلا أن غياب مجتبى خامنئي، سلط الضوء على الصراع المحتدم خلف الكواليس حول إدارة البلاد وصنع القرار، لا سيما فيما يتعلق بالمفاوضات الدبلوماسية مع واشنطن.

وحسب مصادر صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، فإن غياب المرشد الأعلى السابق، الذي كان يحتكر القرار النهائي، أدى إلى انفجار الخلافات داخل المعسكر المحافظ الإيراني وتفرعه إلى جناحين رئيسيين وهما التيار البراغماتي الذي يضم بزشكيان وقاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر، بدعم من قيادات في الحرس الثوري.

ويدفع هذا الجناح باتجاه إبرام “صفقة كبرى” مع واشنطن، تشمل وقف إطلاق النار ورفع الحصار البحري تماما لإنقاذ الاقتصاد المتدهور.

أما الجناح الآخر فيتمثل في الأقلية المتشددة التي ترفض أي تنازلات سياسية أو نووية للإدارة الأميركية، وتطالب بالانتقام العسكري وإطالة أمد المواجهة، متهمة الفريق التفاوضي بـ”التواطؤ والخيانة”.

كواليس الاتفاق

قالت 4 مصادر مسؤولة في طهران لـ”نيويورك تايمز” إن قرار مجتبى خامنئي بالموافقة “من حيث المبدأ” على المضي في التفاهمات مع واشنطن، جاء تحت ضغوط اقتصادية حادة.

وأفادت المصادر بأن بزشكيان أبلغ المرشد الجديد في اجتماع مغلق بأن الحصار البحري الأميركي “يشل البلاد” وأنه يعتزم الاستقالة إذا رفض الاتفاق.

كما عزز محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي هذا الموقف، برسالة تحذيرية أكد فيها أن مخزونات السلع الغذائية والطبية الأساسية تواجه خطر النفاد بحلول نهاية أغسطس المقبل، بسبب تعذر تصدير النفط وصعوبة إيجاد قنوات تجارية بديلة.

وأفضت هذه الضغوط إلى تصويت المجلس الأعلى للأمن القومي بأغلبية 12 صوتا مقابل صوت واحد صب لصالح قبول الاتفاق والبدء في محادثات مباشرة مع مسؤولين أميركيين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس.

قيادة جماعية وتصدع إعلامي

وشهدت الآونة الأخيرة تحولا لافتا في بنية الحكم الإيراني نحو “القيادة الجماعية” مقارنة بالحكم المطلق الذي كان يمارسه خامنئي الأب.

وفي تصريح يعكس هذا التحول، قال نائب رئيس الجمهورية للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه أمام مسؤولين حكوميين، إن رأي المرشد الجديد “يخضع للنقاش والدراسة كغيره من المسؤولين”، متسائلا: “إذا كان المطلوب منا تنفيذ آراء المرشد الأعلى فقط، فلماذا لدينا برلمان ومجلس أمن قومي؟”.

وتزامن ذلك مع صراع على المنابر الرسمية، إذ قطع البث التلفزيوني المباشر فجأة عن قاليباف أثناء عرضه تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، وسط هجمات متكررة يشنها التلفزيون الرسمي على الفريق المفاوض.

كما رصدت مقاطع فيديو تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لمضايقات وهتافات معادية من زوار إيرانيين، أثناء تواجده في العراق لتنظيم الشق الخارجي من مراسم التأبين.

وفي سياق متصل، أرجعت مصادر عسكرية إيرانية استمرار تواري مجتبى خامنئي عن الأنظار إلى “مخاوف أمنية بالغة”.

وذكر المسؤولون أن أجهزة الأمن رفضت طلبا للمرشد لإمامة صلاة الميت في مدينة مشهد، المقررة في 9 يوليو، تحسبا لمحاولات اغتيال إسرائيلية أو تتبع مكان إقامته السري.

ويرى مراقبون وشخصيات سياسية في طهران أن المحك الرئيسي لمدى استدامة “الحكم غيابيا” سيكون في حزمة التعيينات المرتقبة عقب انتهاء الجنازة، التي تشمل رؤساء السلطة القضائية وهيئة الإذاعة والتلفزيون وقوات الباسيج ورئاسة مكتب المرشد، حيث ستحدد هوية المعينين الجناح الذي يميل إليه المرشد الجديد.