وثقت الفنانة المصرية آيتن عامر، مشاهد لثعلب يتجول بين أشجار حديقة منزلها بأحد الأحياء السكنية “كمبوند”، معربة عن قلقها بعد أن عجز عمال مكافحة استعانت بهم عن الإمساك به.

ورغم أن هذا الحادث يبدو غير معتاد في مصر، لكنه ليس فريدا من نوعه، إذ إن التوسع العمراني أفقد الحيوانات البرية ومنها الثعالب موائلها التقليدية، فوجدت ضالتها في المدن، والتي لم تكتفِ بدخولها، بل طورت خصائص وراثية وسلوكية تساعدها على العيش فيها.

واشتكى سكان الأحياء السكنية البريطانية كثيراً من الثعالب الحمراء التي أصبحت أكثر كثافة في الضواحي منخفضة الكثافة، والتي تشبه بيئة “الكمبوندات”، وفي أمريكا اشتكى سكان شيكاغو ولوس أنجلوس من ذئاب البراري، وعانت ضواحي تكساس من القطط البرية، وشهدت مناطق سكنية عديدة من كاليفورنيا اقتحامات متكررة من الدببة السوداء بحثا عن الطعام والماء، أما في الهند، فتتكرر حوادث دخول الفهود للمناطق السكنية، وأصابت في إحدى المرات خمسة أشخاص أثناء محاولتهم الإمساك بها.

والقاسم المشترك بين هذه الحوادث، بما فيها حادثة الفنانة المصرية، أن الحيوانات البرية استطاعت التكيف مع حياة المدن، وهو اللغز الذي حاولت كثير من الدراسات فهم أسراره.

الثعلب الذي ظهر في حديقة الفنانة المصرية  ( صفحة آيتن عامر بالفيس بوك)الثعلب الذي ظهر في حديقة الفنانة المصرية (صفحة الفنانة آيتن عامر بالفيس بوك)فرضية تشتت الموارد

إحدى هذه الدراسات أجريت في بريطانيا، وكانت تحاول حل لغز الظهور المتكرر للثعالب الحمراء في الأحياء السكنية، عبر معرفة البيئة المفضلة لتلك الثعالب.

وانطلقت تلك الدراسة المنشورة بدورية “أنيملز” (Animals) من “فرضية تشتت الموارد”، وتعني أنه “إذا كانت الموارد من غذاء وماء ومأوى كثيرة ومركزة في مكان واحد، فإن الحيوان يحتاج مساحة أصغر للعيش، وعلى العكس فإنه إذا كانت الموارد موزعة فسوف ينتشر في المكان”.

ولاختبار تلك الفرضية علق الباحثون أطواق فضائية “جي بي إس” في رقبة 20 ثعلباً، لتقوم بتسجيل مواقعهم كل 15 دقيقة عبر أربعة فصول، ثم استخدموا نظام المعلومات الجغرافية، وهو نظام رقمي يستخدم لجمع وتحليل وربط البيانات بالمكان على الخرائط، وركزوا على حجم الحدائق وعددها ومدى اتصالها ببعض، وهل توجد حواجز مثل الأسوار والجدران أم لا.

ووجد الباحثون أن “الثعلب يفضل المنطقة التي تحتوي على حدائق واسعة متصلة ببعضها ويسهل الحركة بينها، لأن ذلك يمكنه من العيش في نطاق صغير، حيث تكون كل المقومات من غذاء وماء وأماكن اختباء متوفرة”.

وعلى العكس تماماً، فإن المنطقة التي تحتوي على حدائق صغيرة ومقطعة بشوارع أو مبانٍ وبينها أسوار وجدران كثيرة، فإنها غير مفضلة لأنه سيحتاج حينها إلى نطاق أكبر للحصول على احتياجاته.

وفي ضوء نتائج هذه الدراسة، يقول الدكتور محمد عادل قدري، أستاذ علم الحيوان بجامعة القاهرة لـ “الجزيرة نت”  إن “بيئة الكمبوند تشبه كثيراً ما يفضله الثعلب من حيث وجود حدائق كثيرة بها شبكة خضراء متصلة وري دائم وهدوء نسبي ليلاً وقوارض للطعام”.

ويضيف أن “أي حديقة في الكمبوند هي بالنسبة للثعلب ليست حديقة منزلية، بل جزء من نظام بيئي متكامل”.

اقتربت الحياة البقرية من المدن (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)اقتربت الحياة البقرية من المدن (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)تكيف سلوكي وجيني

وتتفق دراسة أخرى نشرتها دورية “أربن إيكوسيستمز” (Urban Ecosystems)، مع كثير مما جاء في الدراسة السابقة، إذ وجد الباحثون بعد تحليلهم لبيانات تم جمعها من أطواق فضائية “جي بي إس” تم تعليقها في رقبة خمسة ثعالب، أنها لا تفضل المناطق السكنية الكثيفة، وتجد راحتها في المساحات الخضراء داخل المدن.

ووجدت الدراسة ذاتها، أن تحركات أحد الذكور غطت مساحة ضخمة جداً، بلغت حوالي 7368 هكتارا، وهو ما يعادل تقريبا مساحة مدينة صغيرة.

ويقول محمد إن “تفسير هذه النتائج يعني أن الثعلب قد يتحرك بين أحياء كثيرة جدا، وليس فقط داخل منطقة واحدة، وهذا يعني أن وجوده في حديقة داخل كمبوند لا يعني أنه دائم الإقامة فيها، لكن أغلب الظن أنه يمر بها كجزء من مساره، الذي يتضمن حدائق ومساحات خضراء أخرى”.

ولم تكن هذه التكيفات السلوكية هي التغيير الوحيد الذي حدث للثعالب، إذ كشفت دراسة نشرتها دورية “إيكولوجي آند إيفوليوشن” (Ecology and Evolution)، أنها طورت خصائص وراثية جديدة تساعدها على التأقلم مع البيئة الحضرية.

وحلل الباحثون خلال الدراسة الحمض النووي للثعالب باستخدام تقنيات جينية متقدمة، فوجدوا اختلافات وراثية واضحة بين الثعالب التي تعيش في المدن، وتلك التي لا تزال تعيش في البرية، خاصة في جينات مرتبطة بالمناعة، السلوك، واستهلاك الطاقة.

وكشفت النتائج أن ثعالب المدن أكثر جرأة وأقل خوفا من البشر، إلى جانب أنها طورت أنظمة مناعية أكثر قدرة على مواجهة الأمراض المرتبطة بالعيش في المدن.

ويقول محمد إن “هذه النتائج الجينية تدعم حقيقة أن الثعالب التي تظهر في حدائق المجمعات السكنية، ليست مجرد زائر ضل طريقه، بل فردا من جيل جديد من ثعالب المدن التي تكيفت مع حياة البشر”.

الثعالب ليست استثناء

والثعالب ليست استثناء في هذه التكيفات السلوكية والجينية، إذ أظهرت دراسة نشرتها دورية “لاندسكيب أند أربن بلاننغ” (Landscape and Urban Planning)، أن دببة كاليفورنيا السوداء أصبحت تفضل الضواحي السكنية عن بيئتها الطبيعية.

وسجلت الدراسة أعلى كثافة للدببة في “الضواحي الممتدة”، وهي مناطق تجمع بين الغطاء الطبيعي والمساكن المتفرقة، حيث بلغ متوسط الكثافة نحو 0.18 دبا لكل كيلومتر مربع، مقارنة بـ0.12 فقط في المناطق الريفية الأقل عمرانا.

لكن الدراسة أظهرت أيضا أن لهذا التكيف حدود، إذ تبدأ أعداد الدببة في الانخفاض تدريجيا مع زيادة كثافة البناء، لتصل إلى الصفر تقريبا عندما يقترب معدل البناء من 50 منزلا لكل كيلومتر مربع.

ويفسر الباحثون ذلك بأن الضواحي الممتدة توفر للدببة مزيجا مثاليا من الموارد الطبيعية وسهولة الوصول إلى الغذاء، سواء من النباتات أو النفايات البشرية، مع بقاء قدر من الغطاء الطبيعي الذي يتيح لها الاحتماء والحركة.

وبالمثل، كشفت دراسة هندية نشرت في دورية “وورلد ديفيلوبمنت برسبيكتيفز” (World Development Perspectives)، أن الاحتكاك اليومي بين البشر والحياة البرية بات جزءا من الواقع في الهند، مع توسع المدن واقترابها بشكل متزايد من المناطق الطبيعية، ما جعل مدنا كبرى مثل “مومباي” في مواجهة مباشرة مع أحد أخطر المفترسات البرية وهي الفهود.

وبحسب الدراسة، تقع مومباي على حدود “حديقة سانجاي غاندي الوطنية”، وهي محمية طبيعية تمتد على مساحة 120 كيلومترا مربعا وتضم نحو 40 فهدا ، ما يجعلها واحدة من أبرز مناطق التماس بين الحياة البرية والعمران في العالم.

وأوضحت أن التوسع العمراني السريع خلال السنوات الأخيرة دفع الأحياء السكنية إلى الاقتراب من الغابات، الأمر الذي زاد من وتيرة مشاهدة الفهود داخل المدينة.

وانطلاقا مما سبق، يرى محمد أن “التحدي لم يعد في البحث عن حلول تمنع الحيوانات من دخول المدن، بل في تطوير إستراتيجيات ذكية للتعايش معها، خاصة في ظل تزايد الضغط العمراني وتقلص المساحات البرية”.