ثمة اتجاه عام في المؤسسات الثقافية بالمركز الغربي نحو تضمين الإنتاجات الإبداعية لمجتمعات الجنوب داخل المتن. يتبدى ذلك في حقل الفنون البصرية، عبر سياسات الاقتناء الفنية والنشر وبرامج المعارض السنوية التي تتقصى تنوعاً جغرافياً وإثنياً. ولعل هناك أكثر من دافع وراء ذلك الاتجاه، سياسياً هناك وعي ذاتي بتاريخ طويل من المركزية الغربية يحتاج إلى المراجعة والتفكيك وإعادة البناء. أما فيما يتعلق بالذائقة والأغراض التسويقية، تلقفت المؤسسات الفنية مفهوم “فنون العالم” لتشبع فضول جمهورها التواق للتنوع والتجدد، علاوة على اجتذاب جمهور جديد من المهاجرين والأقليات لطالما كانوا في الماضي بعيدين عن دائرة اهتمام الهيئات الثقافية وأنشطتها.
في هذا السياق، يقدم مركز “الباربيكان” اللندني، معرض “إسقاط لكوكب أسود: فن وثقافة البانافريكانا”، والذي يحتفي بالتأثير الفكري لحركة الوحدة الأفريقية على الإنتاج الثقافي العالمي، ليضم أكثر من 300 معروض يتنوع بين اللوحات والمنحوتات والتركيبات الفنية والأفلام، ولا يقتصر على القارة الأفريقية بل يمتد ليشمل جغرافيا الشتات، بأعمال من البرازيل وأميركا الشمالية والكاريبي وأوروبا الغربية. تتبلور الفكرة الرئيسة للمعرض، المنظم بالتعاون مع “معهد الفن في شيكاغو” و”متحف ماكبا في برشلونة” في إعادة التفكير في مفهوم التضامن الأفريقي، بحيث لا يتم التعامل معه بوصفه منطقة جغرافية محددة، بل فضاء فكري خصب يتشكل عبر الخيال الجمعي ومقاومة الاستعمار والتمييز. ما يظل لافتاً هو أن المؤسسات المشاركة في صياغة المعرض هي مؤسسات غربية حصراً، من دون أي مشاركة مؤسسية من القارة الأفريقي أو المؤسسات الثقافية للشتات في الغرب.
يتدلى من سقف قاعة المعرض المرتفعة بطول دورين، تجهيز “يونيون بلاك” (2017) للفنان البريطاني كريس أوفيلي، حيث يقوم بإعادة تصميم علم الاتحاد البريطاني “يونيون جاك”، مستخدما الألوان المميزة لحركة بانافريكانا وهي الأسود والأخضر والأحمر. وعلى مسافة قريبة يتدلى العمل الشهير للفنان الأميركي ديفيد هامونز العلم الأميركي-الأفريقي (1990)، والذي قام بالأمر نفسه، أي إعادة تصميم العلم الأميركي بخلفيات خضراء وحمراء مع الخطوط السوداء الأصلية. يسعى العملان إلى دمج ثقافة الشتات الأفريقي داخل المجتمعات الأنغلوسكسونية على جانبي المحيط، لكن وفي الوقت ذاته يشي ذلك الدمج بأن الشتات الأسود هو مسألة سياسية غربية بالأساس. الهيمنة البصرية للعملين على صالة العرض تؤكد بطريقة غير مقصودة على الطبيعة السياسية لعرض فنون الجنوب والأقليات في المركز الغربي، حيث تظل تلك الفنون بالنسبة للمؤسسة الثقافية الغربية وجمهورها موضوعات سياسية أكثر منها موضوعات جمالية.
يفرد المعرض مساحة كبيرة للمواد الأرشيفية تضم ملصقات سياسية ومجلات دورية وكتباً علاوة على الصور التي توثق حركات التحرر الوطني والفصل العنصري. وبالتوازي يقدم المعرض أرشيفاً للمهرجانات الأفريقية التأسيسية في مطلع حقبة مع بعد الاستعمار، مثل “مهرجان الفنون الزنجية العالمي” في داكار العام 1966 وبعده “المهرجان الثقافي الأفريقي الأول في الجزائر” العام 1969. تقوم تلك المساحة الأرشيفية المتخمة بالوثائق بدور بيداغوجي لجمهور غربي غير ملم بالضرورة بالتفاصيل التاريخية للفنون الأفريقية، وفي الوقت ذاته طريقة تعامل المركز الغربي مع فنون الجنوب بوصفها مادة أرشيفية وتاريخية، علاوة على كونها منتجات سياسية بالأساس.
هناك حضور لافت في المعرض لأعمال لتشكيليين مصريين، من بينهم إنجي أفلاطون وجاذبية سري وعمر النجدي وعبد الهادي الجزار وسمير رافع وفاطمة العرارجي، وتعكس أعمالهم الصدى الثوري للمشروع الناصري والتضامن الافرو-آسيوي، حيث يتجلى الفن كأداة للتعبئة الوطنية والأممية. لكن وبالرغم من المدى الواسع للموضوعات الفنية لهؤلاء التشكيليين خلال تاريخهم الفني الممتد، تغلب على المعروضات الموضوعات السياسة. على سبيل المثال عمل “المقاومة الشعبية” 1956 لفاطمة العراراجي، أما عمل إنجي أفلاطون فهو “أحلام معتقلة” 1961، وهو بورتريه ذاتي وراء قضبان السجن. العمل الوحيد لفنان مصري معاصر، هو تجهيز “الشعب” (2012) لمعتز نصر، وهو عبار عن مجسمات خزفية لمشاركين في احتجاجات ميدان التحرير في ثورة يناير، وكما هو واضح يظل عملاً سياسياً بامتياز.
علاوة على الحضور المصري، يتضمن المعرض أعمال للفنان السوداني إبراهيم الصالحي، وللمغاربة من مدرسة الدار البيضاء، فريد بلكهاية ومحمد مليحي وأحمد الشرقاوي وكذلك الجزائري قادر عطية. الجدير بالملاحظة أن كل الأعمال العربية المعروضة تم استعارتها من مؤسسة بارجيل للفنون بالشارقة. بشكل ضمني، يشير ذلك إلى الإزاحة الملحوظة في الثقل المؤسسي الثقافي عربياً نحو الخليج. لا يقتصر ذلك على التوسع الخليجي في اقتناء أعمال الرواد العرب والمعاصرين، بل أيضاً يوضح قدرة المؤسسات الخليجية ذات الموارد المالية السخية والكوادر المؤهلة غربيا على التعاون مع المؤسسات الثقافية في المركز، وكيف يترجم هذا إلى شبه احتكار لتمثيل فنون المنطقة عالمياً.
من دون قصد، يعيد المعرض التأكيد على أفول عواصم ما بعد الاستعمار العربية وتحول مشروعها الثقافي للتضامن الأممي إلى مجرد أرشيف ومقتنيات يتم تدويرها في حقل “فنون العالم بين المراكز التقليدية الكبرى والمراكز الأقليمية الجديدة الصاعدة.
