مشهد سينمائي قاتم في جنازة أحد الأصدقاء، يتذكر خلاله البطل جنازات أفراد من العائلة عبر حكي مكثف غير مكترث بشحنة عاطفية تلمس قارئ رواية “مدار الحمل” (دار المرايا، القاهرة، 2026) للكاتب المصري علاء خالد، ربما أراد أن يفتح شرفة معضلة الوجود على مصراعيها هذه المرة. في أعمال علاء خالد الروائية كان دائماً ما يوثّق الحياة كأن شيئاً سينفلت منّا، وكأننا نتحدّى الذاكرة كي تبوح بكل شيء عن طيب خاطر، كما دوّنها في رواية “ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر” (الشروق، القاهرة، 2009)، لكنه يراهن في روايته الجديدة على رحلة المشاعر التي لا نعرف تماماً متى تبدأ وأين تنتهي.
بعد أن اعترف في مجموعته الشعرية الأخيرة بأن “العدم أيضاً مكان حنين” (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2022)، يبدأ السرد في “مدار الحمل” بمشهد في مقبرة العائلة، ينبش بعدها في أشياء قديمة ومدفونة فعلها ليحرّر نفسه من وطأتها. أين بدأت الهوّة النفسية بينه وبين الأخ حين تركه فجأة واختبأ ليتمتع بمشاهدة هلع الصغير لحظة الفقد؟ متى بدأ الغرام، ولماذا تأخر الحزن على الأب عاماً كاملاً! يضع الكاتب يده على مسارات غير مرئية، تلك الحرائق الصغيرة التي انطفأت بفعل الزمن وتركت رماداً خفيفاً.
لا يهدأ إلا حين يسكب عليها الماء كأنه بهذا الفعل الرمزي يسامح نفسه والآخرين في مسيرة السرد التي تتقدم للأمام بعذوبة. وكأن الكاتب لا يستطيع إلا أن ينظر إلى الوراء تلك الحيلة التي يفعلها المرء أحياناً بطريقة غير واعية، ثم تتحول إلى القصدية، ربما من أجل تحسين صورة هذه الحياة الماضية. يعرف الكاتب قماشة حياته، يقلّبها كيفما يشاء، ويعرف أين القطع المطرّزة، وأين الأجزاء اللامعة التي تعطي للنسيج قيمته، لكنه يستوعب الأجزاء المثقوبة أيضاً، بل يلمح ما يقطر منها ويسير وراءه دليلاً في الصحراء.
يستحضر الظل باعتباره نسخة أخرى من الذات واستعادة الماضي
وكسراً لتوقعات التلقي ظهرت المعدة المثقوبة، والعالم بأسره معادلاً لها، العالم نفسه قِرْبة تقطر فوق رؤوسنا، يحكي عن تجربة المرض هذه المرة ليتأمل في فلسفة الجسد، لم ينظر إليه كمراقب من أعلى الفراش، ولم يغرق في تفاصيله، كما فعل حين دون سيرة المرض في “مسار الأزرق الحزين” (2015)، إذ يفسر هنا كلّ ما استعصى عليه قبلاً، حتى الشحاذ الذي اقتحم عليه خلوته في غاليري “فراديس” وجعل الماء يتفجر في يده ببساطة، ورفض الكاتب وقتها منحه الخمسين جنيهاً في إحدى الروايات، أعطاه هنا ما أراد ربما ليتخلص من ذنب المنع، وهو الذي يسير في طريق الكتابة نحو كل ما يعتقد أنه ماء حتى لو اكتشف سرابه في النهاية.
“كان هناك دوماً ظلّ. يتبعك آخر له تفاصيل حياتك نفسها لا تراه لكنه موجود… وتشعر بالونس في حضوره… ربما يشبه حالة توأمين افترقا أكمل أحدهما الرحلة بينما عاش الآخر في الظل. منحته الوجه السليم من نفسك ومن أفعالك. وهو أيضاً منحك حقيقة وصدق شخصية الظلّ الذي ينتمي له”. حين نصل لهذه الفقرة سنعرف أن بطل الرواية يلاحق ظلّه مستخدماً ضمير المخاطب، كأنه انفصل عن الذات ليلاحقها، في رحلة طويلة تبدأ من براءة الطفولة ومخاوفها وحتى إجراء جراحة كبرى.
علاء خالد (حساب الكاتب على فيسبوك)
ثم يتذكر قصة بورخيس “الآخر”، التي يحكي فيها أنه كان يجلس على مقعد في حديقة عامة في مدينة كامبردج في بوسطن عام 1969. حين كان يقوم بالتدريس في جامعتها وأمام نهر تشارلز جعلته المياه الرمادية يفكّر بالزمن، وتحت سيطرة هذه الحالة اللاشعورية شعر بأنه عاش هذه اللحظة من قبل، فقد جلس شخص آخر على المقعد نفسه، ثم بدأ هذا الآخر بالصفير، حيث تعرف بورخيس إلى اللحن، ثم بدأ الحوار بينهما، ليكتشف بورخيس أن هذا الآخر هو بورخيس نفسه، ويحمل اسمه، لكنه يعيش في جنيف في زمن آخر 1914. وبحسب كارل يونغ يقترب الراوي هنا من دمج الظل أو مصاحبته، بوصفها طريقة مثلى لإيجاد التوازن.
يبدو الكاتب الذي اعتاد أن يكون شاهداً على التحولات التي تحدث داخل المدينة مجبراً نفسه على الحياد مرة، أو الاختباء بوعي مرة أخرى في كتاباته السابقة، يتعرف في هذه الرواية طبقات جديدة ومتراكمة من الوعي؛ بداية من وضع أشياء الأب على الفراش وبمجرد لمسها واستدعاء ذكراها تتشكل بعدها إلى صور. ثم يكون الاشتباك بالحياة في أوقات أخرى مثل ملامسة العجين وتشكيله وكأنه اختبار حي لمعنى الخلق، حين يستيقظ بطل الرواية على رائحته في بعض الصباحات، ويبدأ في مراقبة أصابع زوجته المشتبكة بالعجين.
* كاتبة مصرية
