في عام 1912، وقف حبيب شماس ليعرض أولى الصور المتحركة في مقهى بساحة المرجة بدمشق، وتردد كثيرون إلى مقهاه. بينما رشيد جلال، أحد الآباء المؤسسين للسينما السورية، قام بأداء دور البطولة في الفيلم السينمائي الروائي الطويل الأول، “المتهم البريء”، والمشاركة في إنتاجه، لم يكن جلال يدرك أنه يضع الحجر الأساس لذاكرة بصرية ستشكل وجدان السوريين لعقود طويلة. لم يكن يتخيل أن أحفاده بعد قرن ونيف سيبحثون عن هذا الضوء في ركام الذاكرة، أو في شاشات هواتفهم الصغيرة، بدلاً من صالات العرض التي كانت يوماً معابد للفن والاجتماع البشري.
اليوم، يقف المشهد الثقافي السوري أمام تناقضات حادة تفرضها مرحلة ما بعد الاستقرار الهش. فبينما تضج المدن بأحاديث إعادة الإعمار، وتُرفع القيود الهيكلية وتستقر العملة، تظل دور السينما هي الغائب الأكبر عن هذا “التعافي”. ما يمر به المشهد السينمائي ليس مجرد أزمة تمويل أو تقادم معدات، بل هو تحول بنيوي عميق في وظيفة الفن السينمائي، ومكانه الفيزيائي في المدينة، وعلاقة الإنسان السوري بالشاشة الكبيرة كفضاء للتحرر والتأمل الجماعي.
تآكل المكان… حين تغلق الصالات أبوابها
لا ينظر المراقبون إلى حال الصالات السينمائية كأزمة عابرة، بل كتآكل تدريجي في البنية التحتية الثقافية التي كانت يوماً رائدة في المنطقة. هذا التآكل يتجلى بوضوح في تحول دور السينما الكبرى، التي كانت بمثابة مراكز إشعاع فكري، إلى فضاءات مهجورة، أو مخازن للسلع، أو مراكز تجارية (مولات) تفتقر للروح السينمائية. هذا التحول يعكس انسحاباً جلياً من رعاية الفن السابع، وتوجيه الموارد نحو قطاعات أكثر ربحية.
مشهد من تصوير فيلم “المتهم البريء”- سوريا
كانت المؤسسة العامة للسينما في سوريا تمثل لسنوات طويلة نموذجاً داعماً للسينما، وكانت تحظى بالدعم الحكومي لتنتج أفلاماً فنية تشارك في المهرجانات الدولية. لكن هذا النموذج اصطدم بواقع مرير مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. تقادم التجهيزات كان الحلقة الأضعف. ثم جاءت العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية لتزيد الطين بلة؛ إذ منعت هذه العقوبات وصولَ تقنيات العرض الرقمي الحديثة وتجهيزات الصوت المتطورة، مما جعل الصالات السورية تعيش في عزلة تقنية تامة عن التطور العالمي، لتصبح العروض السينمائية في الداخل السوري تجربةً بدائية لا تغري جيلاً نشأ على جودة الصورة الفائقة.
تراجع دور العرض ليس خسارة لمبانٍ قديمة، بل انحسار لمساحة كان المجتمع يرى فيها نفسه بصورة مشتركة
هذا الانكفاء لم يؤثر فقط على كم الإنتاج، بل طال نوعية العلاقة بين المشاهد والشاشة. فالمواطن السوري الذي كان يرتاد الصالات وجد نفسه أمام صالات متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الراحة. النتيجة كانت هجرة جماعية نحو السينما الفردية عبر المنصات الرقمية. لقد اختفى الحوار الجمعي الذي كانت توفره الصالة، ليحل محله استهلاك رقمي منعزل، مما يعيد صياغة مفهوم المجال العام في سوريا؛ فبدلاً من الجمهور، بات لدينا مستهلك فردي خلف الشاشة الصغيرة.
الدراما التلفزيونية… الازدهار الذي التهم السينما
في الوقت الذي تحتضر فيه السينما، يعيش قطاع الدراما التلفزيونية عصراً ذهبياً من حيث الكم والتمويل. لقد قدمت الدراما السورية موسماً استثنائياً بإنتاج عشرات الأعمال الفنية، معظمها صور داخل الأراضي السورية، مدفوعاً بتمويل خارجي ضخم. هذا التدفق المالي جعل من الدراما التلفزيونية والمايكرو دراما الملاذَ الأول للكوادر السينمائية.
المخرج الذي كان ينتظر سنواتٍ ليحصل على تمويل فيلم من المؤسسة العامة للسينما، أصبح اليوم ينجز مسلسلاً في 30 حلقة بتمويل مسبق الدفع ومنصات عرض عالمية. هذا التدفق المالي أحدث هجرة داخلية للمواهب، حيث أصبحت الدراما هي الوعاء الذي يستوعب الطاقات، بينما ظلت السينما حكراً على المبادرات الفردية والمستقلة.

إننا أمام مفارقة مؤلمة: فن الصورة الكبيرة يخسر أمام الصورة السريعة التي لا تهدف للخلود، بل للاستهلاك اليومي. لقد تحولت السينما إلى هواية للأثرياء أو حلم للمبدعين، بينما أصبحت الدراما صناعة تبتلع الموارد والكوادر، مما خلق فجوة يصعب ردمها دون سياسات ثقافية تحمي السينما كصناعة فكرية وطنية.
عمر أميرلاي… ضمير السينما الذي رفض الرحيل
لا تكتمل قراءة المشهد السينمائي السوري دون استحضار طيف المخرج الراحل عمر أميرلاي. لم يكن أميرلاي مجرد مخرج، بل كان بوصلة أخلاقية ومشاكساً سياسياً استخدم الكاميرا كأداة للتشريح لا للتجميل. كان يرى في السينما فعل مقاومة ضد النسيان والزيف.
انطلق أميرلاي من فلسفة سينمائية تعتمد على التأمل في الواقع؛ ففي فيلمه التوثيقي “الحياة اليومية في قرية سورية” (1974)، لم يكتفِ بنقل صورة القرية، بل فكك بنية السلطة والمجتمع بأسلوب وثائقي شاعري اتسم بالهدوء الذي يسبق العاصفة. لقد كان يضع الكاميرا أمام وجوه الناس العاديين، وينتظر، ليجعلهم هم من يتحدثون عن بؤسهم وآمالهم، وهو ما عرف لاحقاً بـ”سينما المراقبة” التي ترفض التدخل في الحدث.
المخرج السوري عمر أميرلاي
أما في تحفته “الطوفان في بلاد البعث” (2003)، فقد قدم أميرلاي قراءة نقدية سياسية جريئة كشفت زيف الخطابات الرسمية، وكأنما كان يقرأ المستقبل قبل وقوعه بسنوات، حيث رصد آليات القمع والترهيب في المجتمع، مقدماً نموذجاً للسينمائي الذي لا يبيع قضيته مقابل التمويل أو الرضا.
كان أميرلاي يؤمن بأن الفيلم ليس بضاعة، بل هو وثيقة تاريخية. مدرسة عمر أميرلاي التي أسسها مع جيله، هي التي علمت السينمائيين السوريين كيف يمسكون بالكاميرا لتوصل الحقيقة كما هي وترصد الواقع. رحل أميرلاي قبل أن يرى الدمار الذي حل بالبلاد، لكن روحه حاضرة اليوم في كل فيلم وثائقي سوري مستقل يجرؤ على قول الحقيقة. إنه المعلم الذي أثبت أن السينما لا تموت طالما بقي هناك مخرج يبحث عن الضوء في عتمة الواقع.
السينما المستقلة… صرخة بلا حدود
في مقابل اندثار الصالات، وُلدت من بطن الوجع السينما السورية المستقلة. يمكن أن نصف هذا النوع من السينما بأنه سينما بلا حدود؛ فهي لا تخضع لرقابة المؤسسات الرسمية، ولا تقف في طوابير انتظار التمويل الحكومي، بل تحظى بتمويل من المؤسسات الثقافية الدولية وصناديق الدعم، الأمر الذي يمكّنها من ملامسة الواقع بخامته الجريئة.

يتربع المخرج طلال ديركي على عرش هذا المشهد بمسيرة استثنائية بدأت من فيلم “العودة إلى حمص” (2013)، الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في ساندانس، ليثبت أن الفيلم السوري قادر على فرض لغته الخاصة في كبرى المحافل العالمية. واصل ديركي اختراقاته بفيلم “عن الآباء والأبناء” (2017)، الذي ترشح للأوسكار. وفي عام 2023، قدم فيلم “تحت سماء دمشق” بالتعاون مع هبة خالد وعلي وجيه، ليفتح ملفاً مسكوتاً عنه وهو ثقافة العنف والتحرش ضد النساء في سوريا.
هذه الاستقلالية ليست خياراً تقنياً فحسب، بل هي ضرورة وجودية؛ فالفيلم السوري اليوم، سواء أُنتج في المنفى أم بمبادرات فردية، هو خزان للذاكرة. هذه الأفلام المستقلة ليست مجرد أفلام، بل هي صرخات بصرية تحفظ السردية السورية من محاولات الطمس. إنها سينما لا تخشى السجاد الأحمر في كان أو برلين، لأنها تحمل في طياتها ندوب الحروب التي خاضها أصحابها، وتؤكد أن المبدع السوري قادر على تحويل الألم إلى فن عالمي يلامس مشاعر البشر في كل مكان.
جولات الضوء… حين تذهب السينما إلى الناس
في ظل غياب المهرجانات الكبرى بصيغتها العريقة، برزت مبادرات السينما الجوالة كبديل شعبي وضروري لترميم الذاكرة البصرية. مبادرات مثل “سرديات اليوم”، وجولات “فضاءات سورية”، وحملات عرض أفلام عمر أميرلاي، مكنت صانعي الأفلام من تنظيم جولات عروض ونقاشات في المحافظات، بتمويلات بسيطة تهدف لخلق مساحات حوار، إنها ليست مجرد ترفيه، بل هي طقوس تعافٍ.
الجوائز العالمية تمنح الاعتراف، لكن الذاكرة الحقيقية تُبنى حين يشاهد الناس أفلامهم في مدنه
حين تُعرض هذه الأفلام في ساحات مهدمة، أو في باحات منازل قديمة دمرتها الحرب، يحدث نوع من التصالح مع المكان. الجمهور الذي حُرم من السينما لسنوات، خاصة في الأرياف والمناطق المتضررة، يجد في هذه العروض مساحة للتلاقي، للنقاش، لاستعادة الحق في رؤية صورته التي أُنتجت عنه طوال 14 عاماً بعيداً عن احتكار الحقيقة من جهة واحدة. هذه المبادرات تثبت أن السينما السورية لم تمت، بل هاجرت من الصالات الرسمية المظلمة إلى فضاءات الناس المفتوحة، حيث الضوء حقيقي، والجمهور صادق، والنقاش لا تنتهي فصوله بمجرد إغلاق الشاشة.
السينما كأداة لبناء الوعي
نحن اليوم أمام مفارقة قاسية: الفيلم السوري يحصد التصفيق في كان وبرلين، لكنه لا يجد صالة لائقة للعرض في دمشق أو حلب. هذه القطيعة بين المبدعين وجمهورهم المحلي هي التحدي الأكبر. مستقبل الذاكرة البصرية السورية لا يعتمد فقط على الجوائز العالمية، بل على قدرة السوريين على استعادة المجال العام.
هل ستنجح خطط إعادة الإعمار في إحياء الصالات، أم سنكتفي بكوننا أصحابَ أرشيف فاخر في المهرجانات الدولية بينما يتابع الداخل السوري إبداعاته عبر هواتف محمولة في غرف مظلمة؟ الإجابة تكمن في قدرة المجتمع على حماية السينما كأداة لبناء الوعي، وليس مجرد سلعة للمنصات المدفوعة. السينما في سوريا اليوم هي حكاية بلد مشتت بين صالات مهجورة في الداخل ونجاحات عالمية في الخارج، هي أرواح لم ترحل بل تسكن الأمكنة المدمرة، ومخرجون في المنفى يوثقون الحرية التي دفعوا ثمنها غربة.
مستقبل السينما السورية مرهون باستعادة تلك اللحظة التي وقف فيها رشيد جلال ليشاهد الصور المتحركة لأول مرة؛ لحظة الدهشة، لحظة الالتقاء، ولحظة الحلم. السينما ليست مجرد أجهزة عرض رقمية أو شاشات عملاقة، السينما هي الضوء الذي نضعه معاً لنرى بعضنا بعضاً بوضوح، بعيداً عن ظلال الحرب، لنروي قصتنا للعالم، ولأنفسنا أيضاً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
