الشارقة 24:
في أمسية تقاطعت فيها مسارات الثقافة مع جمال الشعر، استضاف النادي الثقافي العربي في الشارقة مساء أمس الأول الدكتور أدّي ولد آدبَّ؛ في جلسة حوارية بعنوان “بين السيرة والقصيدة” تناولت محطات من تجربته في الدراسات الأدبية النقدية واللغوية، وإبداعاته الشعرية، وذلك بحضور عدد من المثقفين والمهتمين.
قدم الندوة الكاتب الصحفي محمد ولد محمد سالم، رئيس اللجنة الثقافية، الذي أكد حرص النادي على استضافة الأدباء العرب الذين يزورون الامارات، لإثراء المشهد الثقافي، وعرّف بالضيف، وقال إن “الدكتور أدّي ولد آدبَّ كاتب وشاعر وباحث، عمل محرراً ثقافياً وكاتبا للرأي في عدة صحف موريتانية وعربية، كما عمل خبيراً لغوياً ومحكماً للنشر في “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، ونشرت له عدة دواوين شعرية هي: “رحلة بين الحاء والباء”، “تأبط أوراقاً”، “بصمة روحي”، “وجوه كتبتني”، “فلسطين القصيدة”، “صلوات القوافي”، و”خرائط الوجع”، “وطني على كتفي”، إضافة إلى 18 كتابا في البحوث الأكاديمية والنقدية، عن الأندلس والشعر وعن تراث أسرته الثقافي.
وشارك الدكتور عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي بكلمة عن بعد من لندن، قال فيها: إن “الدكتور أدي ولد آدب مثقف عربي شامل، له علاقة خاصة بالشعر والنقد والرؤية والمفاهيم الكلية، وهذه ندوة استثنائية، لأنها تتناول شخصية مساهمة في الثقافة العربية، صادرة عن ثقافة المحاضر الموريتاني العتيدة، وكذا عن الثقافة الأكاديمية، وكذلك لأن الندوة سوف تتناول الشعرية بمعناها الواسع، ود.أدي اعتنى منذ البداية بالكتابة عن الثقافة العربية الأندلسية التي شكلت علامة فارقة فيما يتعلق بالموسيقى، اللغوية، وأيضاً فيما بتعلق بالبناء الهيكلي للنصوص، وكذا فيما يتعلق بالوزن والقافية، وفيما يتعلق بالشعر سواء كان في العمود أو في تفعيلاته المفتوحة”.
بيئة شعرية
ثمّن الدكتور أدي ولد آدب في البداية دور النادي الثقافي العربي الذي احتضن أول أمسية شعرية له في الشارقة عام 2008، ودائرة الثقافة التي أصدرت أول كتبه عام 2006، مؤكدًا أن للشارقة مكانة خاصة في روحه.
وتحدث عن بدايته، قائلًا: نشأت في كنف عائلة مثقفة بالمفهوم العام، واكتسبت منها من الثقافة الأدبية الكثير، وخاصة الشعر الذي تسلسل في أفرادها عبر أجيال متتالية، مما كان له الأثر المباشر على توجهي الإبداعي والأكاديمي تخصص في الآداب ، واشتغلت في بحوثه على الأندلس بشكل خاص، فقد انجذبت إلى الثقافة الأندلسية روحيا لما وجد فيها من خصوصية وإبداع، وأنها حقل لا ينضب للدراسات البكر، والأفكار الجديدة”.
الشعر الحار
وعن الجدل المستمر بين الشعر العمودي والشعر الحر، طرح الدكتور أدي ولد آدب أطروحة بعنوان (الشعر الحار)، وعن ذلك قال: “إن الشعر لا ينفعه أن يكون حرًا إذا لم تكن فيه حرارته، ولا ينفعه أن يكون عموديًا ما لم ينبض بتلك الحرارة، فعندما يفقد الشعر حرارته، يصبح الشعر الحر مجرد نثر، ويتحول الشعر العمودي إلى مجرد نظم بارد، وهذه الحرارة هي روح سارية في النص، لا نجدها في الكلمة وحدها أو الجملة وحدها أو الصورة وحدها أو الإيقاع وحده، أو الإحساس وحده، ولكنها تتشكل من كل ذلك، يذوب فيها الجميع ليصبح تشكيلًا إبداعيًا آخر، حارا يلهب سامعه وقارئه بلهيب الشعر”.
وتطرق المحاضر إلى إشكاليات عمود الشعر، واستعرض آراء القدامى في تعريف القصيدة، قائلًا: “إن عمود الشعر اختزل في الدراسات الحديثة في أن كل ما هو موزون يسمى عموديًا، وهذا ليس هو العمود الحقيقي؛ فالعمود الذي تحدث عنه المرزوقي هو منظومة من القيم استخلصها من النصوص التي درسها، فمنها اللفظ والتركيب والتصوير والوزن والقافية والمعنى، فاختزال القصيدة في الوزن أمر غير منطقي، وقد تبين لي من صحبة تاريخ الشعر أن لكل حقبة عمودها الشعري الخاص، فللجاهلية عمودها ولصدر الإسلام عموده القائم على القيم الدينية، وللفترة الأموية عمودها القائم على السياسة، للعباسية عمودها القائم على القيم الحضارية، وأما عمود الأندلس فهو قائم على الغرابة والخروج عن مألوف الشعر وسننه، وهي غرابة لا تقتصر على الشعر بل تكاد تكون تشمل كل مجالات الثقافة، وقد تبين لي أيضا أن هناك تضامنا أو تحالفا بين الفنون في الأندلس، فالشعر والنثر والخط والفسيفساء والعمران تتشابك لأداء رسالة تعبيرية واحدة، وقد وجدت نصوص تعبر عن هذا التحالف”.
وعن أسلوبه في الكتابة، أوضح قائلًا: “كنت دائمًا أميل دائماً إلى الانزياح عما هو مألوف ومطروح، ولذلك كان عنوان كل دواويني تقريبًا (بصمة روحي) وعنوان كل بحوثي (تأويل رؤياي) لأنني أبحث في النقد والأدب عما يمثل رؤيتي الخاصة، والأمر نفسه ينطبق على القصيدة”:
مختارات شعرية
وختمت الأمسية بإلقاء الشاعر أدي لبعض قصائدة منها قصيدة (رحلة بحثي عنّي):
“راحلٌ في الوجودِ أبحثُ عنّي
يا أنا هلْ أنا أنا أم كأنّي؟
كلما، في مرآة نفسي تجلّي
ضدّ غيري كسرتُ مرآة ظنّي
ونشيدي المبحوح إن رنّ فيه
صوتُ غيري الجميلُ انكرتُ رنّي
ما أنا ببغاء ولست قناعا
يا أنا لستُ منكَ إن لم تكنّي”.
ـ وقال في قصيدة أخرى:
“إن يُشْرِقِ اللهَبُ المقدَّسُ في دَمي
ويَهُزّ جِدْعَ الرِّوحِ وَجْدٌ يَنْهَمي
تَسّاقَطِ الثَّمَرَاتُ
والكلمات
والنغمات
مالئة فمي
أنا إن تَلَبسَني القصيد رأيتني
أرنو إليك ولا أراكَ، أنــا عَـمِ
أهْذِي بِصَحْوِ المَحوِ تَكْتُبُنِي الرُّؤى
فإذا حُروفي غابَةٌ مِن أنجمِ”
