تقاعد من المسرح وهو في القمة… جاب مسارح لبنان والعالم وما زال يبحث عن زيتونته في يحمر الشقيف

بيروت ـ «القدس العربي»: بسرد من دون تكلّف، وتأريخ لمحطات من حياة إنسان، ووطن مصلوب على جُلْجلة، قدّم الفنان رفيق علي أحمد تجربته على مسارح لبنان، والدول العربية والعالم في 350 صفحة من القطع الكبير. «على خشبة الحياة» صدر الكتاب عن هاشيت انطوان/نوفل. فنان كتب حياته وحياة آخرين، ومسرحها فكانت لغته لغتهم، وصوته صوتهم. عرض في كل لبنان، وشاهده لبنانيون من مختلف الأطياف السياسية مرحبين، وأخطأ بقياس جرعة الثقة بالجمهور، فقاصصه في مسرحية «المفتاح» بضفتيه الدينيتين، الكريمتين.
رفيق الذي أبكى الممثلة الإسرائيلية/الصهيونية في مهرجان «نانسي» في فرنسا لأن جيشها المحتل كذّاب، أبكى أمهات وأخوات لبنانيات عندما حاكم الحرب الأهلية وخطوط التماس. هو بنفسه حنون بكّاء. سخي الدمع. يبكي في الكواليس، وعلى المسرح، وفي السيارة، وفي سريره. فهل فعلها في «مكتبه» مقهى الروضة؟
الممثل الذي أبكى المتفرجين حين جسّد دور امرأة ملتحية في دور تراجيدي، من حقه أن يضع نقطة على سطر مساره الفني. فحاله دائماً قطع الحبل في القمة. وعللّ انسحابه «فقدت الإحساس بالحرية وما عدت مستمتعاً». وطلب من منتجة «وحشة» جمال «ما غيرها أم جبران»، استبداله بممثل آخر ومواصلة العروض. وللعلم «أم جبران» حاضرة في الصورة وفي الكواليس، وفي أحلام رفيق.

متمرد يحمر الشقيف

إذاً يوثّق كتاب «على خشبة الحياة» سيرة متمرد من يحمر الشقيف جارة النبطية. صدفة صدوره بالتزامن مع العدوان الصهيوني الكبير على لبنان وعلى النبطية ومحيطها بالتحديد، لعبت ضده ومعه. في الضد انكفئ صاحبه عن الإعلام، والتزم سلوكاً مختصرَه «مش وقتي هلق»، هو صدقه مع ذاته في لحظة وطنية قاسية. والإيجابي في التزامن، ربما استيلاد حشرية لدى البعض بالإطلاع عن قرب على حياة إنسان عجنه القلق منذ الطفولة. قلق ناتج من احتلال فلسطين وبضعة قرى لبنانية نتناساها. وهذا ربما يدفعه لإقتناء الكتاب للعلم بالشيء، والوقوف على حال ناس القرى المحاذية للكيان. وعلى جبهة المعرفة فالكتاب يحكي تجربة فنية تُشبه صاحبها وحده، تتميز بالإصرار على إشباع شغفه بالحضور على الخشبة، سواء منفرداً أو ضمن مجموعة.
يلحظ متصفح الكتاب أنه حيال سيرة فنان راكم خبراته منذ الطفولة، واعتزّ وما يزال بها. بوصفه لقريته يرسم رفيق مشهداً معززاً بالسينوغرافيا، ويكتب: «كانت الحياة تسير في تكامل بين الإنسان والحيوان والأرض». ويواصل رسم مشهدية البدايات مثنياً على: «تجربتي كراعٍ واكتشافي حدود وطني لبنان من جهات ثلاث، من على تلة قلعة الشقيف التاريخية، أرقب شروق الشمس من خلف جبل حرمون… أما حدوده الغربية، فيدلّني عليها تلألؤ مياه المتوسط.. وعلى مرمى العين والحجر من الجنوب تلك فلسطين.. حيث اقيمت المستعمرات على ركام قرى لبنانية وفلسطينية بعض أهلها أحياء يرزقون… كنت أتطلع إلى هذه المستعمرات مصدر الخوف والقلق وعدم الاستقرار لي ولكل أهالي جنوب الوطن وسكّانه. وأكثر ما كان يستفزني ويثير غيرتي ويقضّ مضجعي، تلك الأنوار المشعشعة المنبعثة من مستعمرة مسكاف عام. فيما منازل الجنوب تُكسر عتمتها بـ(نواصة الزيت أم فتيل) أو سراج كاز (نمرو 4)».
رفيق المهني المتفوّق يتذكر نصائح والده «أدرس. تعلّم. بدهن يهجّرونا من هون.. شايفها لمسكاف عام كيف مشعشعة؟ هيدي إسرائيل بدهن يهجرّونا.. عالقليلة تكونوا متعلمين تقدروا تعيشوا».
سوسة الفن غزت طفولته. أدهشه النوري «شاعر الربابة والبزق… الذي كان يزور القرية ويغني عازفاً أمام بيوتها». قلده بعد رحيله ببزق «مسخ» صنعه ذاتياً، وغنّى أغنياته بطريقة كوميدية. وسمع الجيران يرددون «فاكهة رفيق علي حسين بيشيل الهم عن القلب». وعلّقت والدته «مش ناقصك إلاّ ربابة وبزق حتى تصير نوري» وتوالت فصول إعجابه بما هو غير تقليدي في قريته. أما اعجاز الوالد بعد رسوب إبنه في المدرسة فحسابه استراتيجي لدى رفيق: إذ قال «ببلاد برّا بيشوفوا هالولاد بشو موهوبين، شو بيحبوا يعملوا بالحياة؟ هم بيرتاحوا وأولادهم بيرتاحوا. نحن ببلادنا كلنا نريد أن يكون أولادنا موظفين».
لم يترك رفيق شاردة ولا واردة في سحمر الشقيف إلا ووجد لها مكاناً في مسرحه. مسْرَح بعضاً من حياته، وأخرج من صدره شوقاً دفيناً للمسة حنان من والده، في مسرحية «قطع وصل» وقال: «الحنان كنت شوفو، ما كنت حسّو».
لم تكن الحياة في سحمر الشقيف ليلاً رتيبة حت بدون كهرباء. في بيت خاله حسن يجتمع أهل القرية، ينتظرون الحكواتي «الباسل» وبيده كتاب ويبدأ بسيرة عنترة. صهيل وخيل وخيالات على الجدار. وفي كل مرّة كان رفيق يعود إلى البيت ويقلد الزير سالم وكُليب الذي لعب دوره في مسلسل «الزير سالم» بعد أربعين عاماً. ويقول: «كان له الفضل الأكبر في انتشار اسمي وصورتي جماهيرياً في العالم العربي».
لا يفوِّت الراوي لسيرته ومكانه الأول محطات تُطلق البسمة، كمثل كنس وشطف والدته لـ«موناليزا» ابنها، التي رسمها على باطون الدار قبل جفافه. تريده منشغلاً بـ«الفحص». ويستدرك: «لو جاء أبي قبل أن تزيل أمي لوحتي لربما منعها.. كان محباً للفنون بالفطرة… فهو من أوائل الذين اشتروا راديو في القرية». ومعه نما وعي الفتى وتفتح على اسكتشات الإذاعة، وشعر جوزف حرب وأغنيات فيروز واسكتشات الأخوين رحباني وفيلمون وهبة.
وفيٌ صاحب «جرصة» لمعارفه الأولى. يذكر النبطية كحاضرة تنويرية ثقافية ومعرفية متقدّمة في حينه. وحضوره الأول على مسرح سينما ريفولي، ونيله الجائزة الأولى بالتمثيل «وضاع الصبي يا نجيبة؟» استنتج والده. وفاء آخر يبديه «الصبي» لنادي الشقيف «فضل كبير عليّ، فعلى خشبته الصيفية تراكمت تجاربي المسرحية».
لا يحدد السنة لكنه يروي هجرته مع عائلته من يحمر الشقيف تحت وقع القصف الصهيوني حاملاً معه ضوء الليالي «سراج الكاز» من دون بنورته. وبات رفيق علي أحمد مهجراً في بيروت التي وجدها «حزينة… قلقة… مكسورة الخاطر… أنا النازح إليها مهجراً ومبعداً».
بمشاعر بليغة الوقع يستحضر رفيق علي أحمد مشاعر الفلاح المقطوعة جذوره عن أرضه. حال والده، والآلاف من نازحي الجنوب، وقبلهم من اللاجئين من القرى الفلسطينية. مشاعر التهجير تروى في «قطع وصل». يقول: «كل اللي أعرفه أني خلقت بالهضيعة. وكان كل ما خلق ولد يزرعوا له شجرة. وأنا إلي زيتونة من عمري بالضيعة.. شق التوم تبعي.. اشتقت لأختي الزيتونة».

مشاكس المعهد

إلى معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية يعود رفيق بالذاكرة، ووفائه للمسرحي الراحل يعقوب الشدراوي ودوره في حياته الفنية. صولات وجولات وحرد وانكفاء وعوْدة إلى المعهد. مشاكس يعرف مكانته، فتمرّد وتدلل، وانقطع عن الدوام. انقطاع منطقي، وجد حلّه لدى مدير المعهد وبات للطلاب مسرح شرعي، كحق طبيعي. عاصفة التمرد لا تستكين. فلاح سحمر الشقيف، يقول للاساتذة: «تولّد عندي إحساس بأن ما كنت أعرفه بالتمثيل في قريتي قد أنسيتموني إياه هنا!».
في بدايات تكوين وعيه كبُر رفيق علي أحمد مزنراً بالشيوعيين واليساريين المنتشرين في منطقة النبطية. الفنان ذو البصر والبصيرة استفاق على العملي والنظري من ممارساتهم. لم يدع فرصة تفلت منه ناقداً «التناقض بين النظرية والممارسة»، ومكانها المناسب في مسرحية «الجرس» سنة 1991. ويقول: «ماشي هو وهالبنت بها الليل عم يراودها عن نفسها ويحدثها عن الحرية الجنسية..»، وفي مكان آخر من المسرحية انتصر لـ«أبو زاهي الفلاح» ضد «الأستاذ فيصل اليساري». تحدّث الثاني عن امتلاك أدوات الإنتاج. رد الفلاح «منكوشي وأرضي إلي شو بدّك تملكني؟» وتابع: «بدك هالبنت جيب أهلك يحكوا فيها وأنا ما عندي مانع».

«أيام الخيام» والممثلة «العدوّة»

من حق رفيق ان يذكر في سيرته «على خشبة الحياة» محطات النجاح والتجربة والتميز، وإن تخللها بعض من نرجسية طبيعية لدى الفنان. يحكي تجربته مع روجيه عسّاف و«فرقة الحكواتي» التي جمعت شباناً وشابات من كل مناطق لبنان وطوائفه. بحسب رفيق «يجمعهم هدف واحد، مقاومة الإنقسام الطائفي والتشرذم المجتمعي». وجميعهم كانوا حيال مسرحية تدور أحداثها سنة 1936 في قرية جنوبية. العمل تجريبي. فاجأه أحدهم يتلو نصّه بلهجة جنوبية…هو الذي كان على قناعة بأن الطقس المسرحي يستوي بلهجة مسرح الرحباني. طرح روجيه عسّاف أن يكتب أحدهم مشهداً حوارياً «بين الرجل الذي صادر الإنكليز حماره أثناء عبوره بتجارة بين لبنان وفلسطين، وبين زوجته التي راحت تعنّفه وتؤنبه على تقصيره وقلة درايته». كتب رفيق المشهد وأدّاه أمام المجموعة كمن يتقدم للامتحان، وقُبل. و«لاقت عروض مسرحية من حكايات 1936 نجاحاً جماهيرياً وعلى مستوى النقّاد والمثقفين….وأحدثت دهشة وصدمة إيجابيتين عند المسرحيين العرب». تجربة أعطاها رفيق في كتابه ما تستحقه، وأصرّ على موقفه الأول «كنت وما زلت مؤمناً بالموهبة والاختصاص».
عمل جمعي جديد انضمّ إليه رفيق مع روجيه عسّاف والشباب «القدامى والجدد» في الفرقة، بعد الاجتياح الصهيوني الذي وصل إلى بيروت سنة 1982. وكانت «أيام الخيام» مثّل دور «الحاج محمد» المهجّر من الخيام إلى حي السلّم. مشهد يبكيه كلّما دخل الكواليس، ويشعره بفقدانه لقريته. «أيام الخيام» وصلت إلى فرنسا «واحتفت بها الصحافة الفرنسية…في ظل ظروف لبنان». وخلال عرضها في مهرجان «نانسي» الفرنسية، «سمع صراخاً واعتراضاً ممزوجاً ببكاء شديد». اعتقدها رفيق لبنانية فقدت قريباً في مجزرة الخيام. انفض المتفرجون فسأل عن السيدة التي أخرجها أحدهم من الصالة؟ قال مدير المسرح «هي ممثلة في الفرقة الإسرائيلية..هالتها… فظائع جيشها.. اصيبت بصدمة نفسية وقالت إن الجيش الإسرائيلي أعلن بأن اللبنانيين يشكرونهم لأنهم خلّصوهم من المخربين». في اليوم التالي كان رفيق يتفيأ شجرة في نانسي حين شاهد الملحق الصحافي الإسرائيلي يمشي مع الممثلة وعينها عليه. افلتت منه باتجاهه وبادرته: «أنا ممثلة إسرائيلية، هل تسمح لي بالتحدّث إليك؟» ودار حديث انضم إليه لاحقاً الملحق الصحافي الإسرائيلي. وأخبرهم رفيق بواقعية المسرحية، «حكايات العجائز الذين قتلهم جنودكم بدم بارد. وقال للممثلة العدوّة: اسمعي هذه المنطقة هي بلادنا… شعوبها على مرّ العصور مزيج…من أديان وأعراق مختلفة عاشوا وتعايشوا… من أحب أن يذوب في روح هذا المجتمع كان له موطئ… ومن أتانا غازياً مترفعاً فإن الأرض سوف تلفظه… ويبقى منه اثر كآثار الغزاة الذين مرّوا علينا».

من طموح إلى طموح وإلى الجرس

طموح محسوب بدقة لإبن يحمر الشقيف في أي عمل حلّ به. شبه لقاءه مع نضال الأشقر في «فرقة الممثلون العرب» ببابل عربية، تجمع المشرق بالمغرب. التمارين في الأردن وكذلك العروض الأولى. وعروض العواصم العربية الأخرى لها حساباتها السياسية. شمل فرقة عربية فتتته السياسات، والتأم مجدداً في مسرح ألبرت هول في لندن، وانفخت الدف.
«على خشبة الحياة» يجمع بين الأرشيف الشخصي لرفيق علي أحمد وواقع الحال في الوطن المنقسم عمودياً وأفقياً، والمشغول بالقتال على جبهات بينية في شرق العاصمة وغربها. واقع مربك لمسار الحياة، والموارد المطلوبة لتسييرها. وحال الفنان أكثر عسراً من حال الموظفين. دارت في خاطره أن يكون الكاتب والممثل والمنتج معاً، وتقديم عمل مونودرامي. ولدت «الجرس» سنة 1991 وبطلها الراعي أبو عيسى، الذي استشهد ابنه مع تنظيم يساري على خطوط التماس البيروتية.. لا أعداء لأبي عيسى في الداخل، «عدوه الأساسي خارجي وفي جنوب الجنوب». في الجرس حاكم رفيق الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية من خلال «أبو عيسى»، وبإدارة المخرج روجيه عساف. وصف صاحب «الجرس» هذا العرض «أنا وروجيه أنجزنا عملاً مسرحياً كبيراً شكل إضافة إلى الحركة المسرحية العربية، وذلك برأيي المتواضع، وبرأي عدد من النقّاد المسرحيين الجادين من لبنانيين وعرب».
حطمت «الجرس» خطوط التماس بين شرقية وغربية في صدمة إيجابية ثانية. صاحب مسرح لاسيتيه الشيخ انطوان الخازن دعاه لعرضها في جونيه. فصدحت اللهجة الجنوبية في كسروان، وتعرّف إليها النصف الآخر من الوطن. نقد يساري لوجود روجيه عساف ورفيق علي أحمد في جونيه، واندهاش يميني. وقال كريم بقرادوني رداً على سؤال عن امكانية عودة لبنان موحداً: «طبعاً. اليوم جنوب لبنان في جونيه! هل شاهدت مسرحية الجرس لرفيق علي أحمد؟ «خلّى» جعل أهل كسروان يزقفوا لفتح وعبد الناصر!».
لستة أشهر متواصلة لعبت «الجرس» في جونيه مستقطبة متفرجين من كل لبنان، وباتت لاسيتيه مكاناً للقاءات بين متباعدين. وفتحت شهية الرؤساء في حينها الراحلين الياس الهراوي ورفيق الحريري طلباً لعروض خاصة في قصورهم… ولكن… ولأسباب لوجستية: مكانها المسرح. ولم تغرِ الأرقام والأصفار المتعددة صاحب «الجرس».
متصفّح سيرة رفيق علي أحمد يخلص لقناعة بأن الرجل يمتلك بعناد ناصية قراره، وإن لم يكن لصالحه. وضع نقطة على سطر «الجرس» وهي في القمة في لاسيتيه جونيه، ومن ثم في المركز الثقافي الروسي. ولم يكترث للأصفار الـ4 مقابل عرض خاص.
يستعيد رفيق علي أحمد ولادة مسرحياته المونودرامية من فاتحتها «الجرس» إلى «المفتاح/ زواريب/ قطع وصل/ جرصة ووحشة». «المفتاح» المستلهمة من حوار الحضارات للكاتب أمين معلوف شكلت تحدياً. حركشة بقرون مضت، وبموضوع تاريخي صادم. إنها المدينة المقدسة وما تسبب به اجتياح الصليبيين، والآثار المتواصلة إلى يومنا.
«الجرس» التي جمعت اللبنانيين في فضاء جونيه السَموح حينها، اُقفلت مع»المفتاح» على مرمى نظر بحدود المنخار. انفك الجمهور سريعاً وقبله «بعض النقاد والمثقفين (…) موضوع المسرحية شكّل حساسية بالنسبة لتناقضات المجتمع اللبناني.. فهو من المحرمات».
حاول رفيق استخلاص براءة ذمة لـ«المفتاح» بأنها ليست ضد المسيحيين، ولم ينجح. هُجّرت إلى مسرح المركز الثقافي الروسي. نفذت بجلدها من المسيحيين، فلاقاها المسلمون في بيروت الغربية. عروض قليلة اُحرق بعدها المسرح. «حريق متعمّد في مسرحك يا معلّم» أخبره مسؤول مخابرات الجيش. وتراكمت المصائب المالية إثر «المفتاح» على ابن يحمر الشقيف، فولدت «زواريب» وحصدت النجاح وجذبت حتى الفرنكوفونيين اللبنانيين.

إلى سقراط وثلاث مسرحيات مع منصور الرحباني

خرج «مخول» من الراديو الذي كان يسمعه رفيق في الضيعة، وها هو يتفرّج على «الجرس» في لاسيتيه جونيه. انتهى العرض ونزل رفيق لمصافحته فأبدى إعجاباً بطبقات صوته العالية.
لم يُعجب رفيق بسقراط الإله كما كتبه منصور. ولم يرق النقد لمنصور.. عاد إلى بيته.. وبالنهاية تصلّح الحال، وقدر رفيق عالياً تعديل شخصية سقراط ليكون إنساناً. وفي سنة 2005 «حكم الرعيان» عمل جديد من «المعلم منصور». رفيق في دور «الملك سعدون» ونجاح كبير. ثمّ «جبران والنبي»، كتبها «المعلم منصور» بطلب من اسامة الذي اختار ممثليه. بدأت التمارين، وإذ بمنصور يطلب من رفيق إنقاذاً للعرض، بعد أن ترك ممثل الدور الأول. رفيق «خلقان بالقلب» اتصل بالمعني مستفسراً، وعندما اطمأن صار الدور له. وبدأت «الفكْرة بعد السكْرة» كيف سيؤدي دور جبران؟ وهل سيبقى في مرسمه؟ وكانت المواجهة مع اسامة: لن يقترب من الراقصات؟ بين الـ intersection و musical دبكت بين «الفلاح الفخور» بأصله وإبن الرحباني. حمل حاجياته وعاد إلى بيته. لكنه عاد في اليوم التالي… وصفيت القلوب بين «أبي جبران» واسامة، ومنصور يردد على مسمعه «وجّهك خير علينا». وهو يعترف بأنه حقق حلماً معه.

«قطع ووصل» شجون الحياة والعواطف

إلى «قطع وصل» وكيفية مسرحته لشخصية الراحل صفوان حيدر، ومشاهداته في مستشفى الأمراض العقلية. نص اختصر ما رآه وما سمعه. مسْرح الواقع بكل الخبرة التي امتلكها في مسيرته. فكان النجاح، وبالتالي يصحّ أن يتحوّل ما كتبه رفيق في الصفحاته الـ22 درساً عملياً في المسرح. ويصح أن نوجز لقاء رفيق مع الراحل رفيق الحريري طالباً عرض «قطع وصل» في «التياترو الكبير». وصل ناصر الشمّاع وسمع من الحريري «بدنا نساعد رفيق». والشمّاع شمّعها بالخيط الأحمر «ما بنصحك المسرح ما بيربِّح مصاري».
ابن يحمر الشقيف الذي اشرأبت شخصيته في حاضرة جبل عامل/ النبطية، والتي شكلت رمزاً للتفتح الذهني والعاطفي، حمل معه من «شيارة/ جمع شير» بلدته مُقْتَه لتركيبة وطنه الطائفية. يصف الدولة في مسرحية «جرصة» بـ«شروال مهتري ما بقا يترقع»… وإلى «وحشة» بعد ثماني سنوات غياب، ورفيق يحمل على منكبيه إحباطه الطائفي. ومن «خصي الثور في جرصة»، إلى رفضه الخصي «أنا إنسان حر بهالبلد ما راح خليكم تخصوني».
رفيق علي أحمد متمرد ولا يلتزم الصف حين يُطلب منه، يُمنطق الأمور، ويقرر. يفرد مكاناً لعلاقاته بالمسؤولين وزياراته لهم من الراحلين الياس الهراوي ورفيق الحريري إلى نبيه بري «والصديق تمام سلام». وفي الوقت عينه تردد بتحيتهم مباشرة، إثر افتتاح «سقراط».
ـ قدّم «الجرس» في صور بحضور بري سنة 1991 وكان وزيرا. في برج الشمالي لم يصل العرض إلى خواتيمه. حضر «الشباب» يريدون نصف المدخول. رفض المتعهد، و«الشباب» قطعوا الطرقات مانعين الناس من الدخول. فقدم رفيق عرضاً لـ11 متفرجا ودعا الناس لمشاهدته من على الشرفات، فقد أمسك الميكرفون، أو لمتابعته عبر الإذاعة.