جاء إطلاق اسم “كيان” على أول جامعة
مدنية تدشنها القوات المسلحة المصرية ليفتح بابا من التساؤلات والتكهنات والانتقادات،
والمخاوف من أن يكون استخدام اللقب الذي يطلقه العرب على “الاحتلال الإسرائيلي”
نوع من أنواع التطبيع الشعبي ولتماهي المصريين مع الاسم الذي يعد الأسوأ على
الإطلاق في عقلهم الجمعي.

جامعة “كيان” التي تبدأ الدراسة بها
من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، تستقبل خريجي الثانوية العامة والأزهرية من البنين
والبنات ولا تمنحهم رتبة عسكرية وتعمل في تخصصات الطب البشري، والفم والأسنان، والعلاج
الطبيعي، والصيدلة، والهندسة (ببرامج حديثة مثل الميكاترونيكس والهندسة الطبية)، والحاسبات
والذكاء الاصطناعي (تشمل الأمن السيبراني وعلوم البيانات)، فيما تضم مستشفى جامعي متكامل،
ومركز للمحاكاة، ومركز للعلاج الطبيعي والتأهيل.

لم تعلن الدولة المصرية ولا المؤسسة العسكرية
عن أن تلك الجامعة تابعة للجيش المصري قبل الإعلان الرسمي الذي جرى الجمعة الماضية،
فقط جاءت إشارات من وزيرة
الإسكان راندة المنشاوي، ورئيس
مدينة العلمين الجديدة محمد خلف الله، في أيار/مايو الماضي،
في حديثين منفصلين عن أنها جامعة خاصة، دون الإفصاح عن أية تفاصيل.

كما لم يتم الكشف رسميا عن المساحة الإجمالية للجامعة،
ولا التكلفة المالية للإنشاءات، ولا المستهدف من أعداد الطلاب، ولا نسب القبول بكل
كلية، ولا قيمة المصروفات السنوية، إلا أن الإعلان الرسمي الذي شهده وزير الدفاع
والإنتاج الحربي الفريق أشرف سالم زاهر، يكشف أنها أُسست كحرم جامعي متكامل يضم مستشفى
جامعي ومراكز أبحاث.

وجاء قرار المؤسسة العسكرية بإنشاء جامعة
“كيان” خارج الكتلة السكنية لوادي النيل والدلتا حيث يقيم الأغلبية من
نحو 109 ملايين نسمة في الداخل، وعلى بعد 260 كيلومترا من القاهرة الكبرى إذ تقطن أغلبية
السكان بنحو 25 مليون نسمة.

وتقع جامعة “كيان” في مدينة العلمين
الجديدة بالساحل الشمالي الغربي، وتحديدا على طريق (الإسكندرية – مطروح الساحلي)، بجوار
جامعة “العلمين الدولية” و”الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا
والنقل البحري”، وفق تصريحات سابقة لرئيس مدينة العلمين.

وفي حين أشاد مصريون بوجود جامعة تابعة للجيش تدرس
علوما مدنية متوقعين أن تتميز بالانضباط؛ انصبت انتقادات آخرين حول رفض تدخل جهة سيادية
في هذا الملف، وإنشاء كيان قوي موازي ينافس الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة بما
لديها من إمكانيات وتجهيزات ومستشفيات ومعامل ومراكز أبحاث.

اظهار أخبار متعلقة

كذلك يتخوفون من فرض أفكار ورؤى عسكرية على
الطلاب كتلك التي يجري تدريسها في الأكاديمية العسكرية على المتدربين المدنيين، إلى
جانب مخاوف أن يكون الاختيار وفق شروط تستبعد فئات معينة من المصريين خاصة مع ما تفرضه
شروط القبول من اختبارات “كشف الهيئة” و”الاختبارات النفسية”،
والتي تعد أساسا في القبول بالكليات العسكرية ولا تشترطها أية جامعة مدنية.

تطبيع لغوي ناعم
وفي رؤيته، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية
الدكتور ممدوح المنير، لـ”عربي21″: “يمكن قراءة إطلاق اسم (كيان) على
أول جامعة تعليمية تابعة للقوات المسلحة المصرية من خلال مستويين متداخلين: مستوى رمزي
يرتبط بالتطبيع النفسي، ومستوى مؤسسي يرتبط بعسكرة المجال المدني”.

الباحث المصري، أضاف: “في علم الدلالة السياسية
لا تُفصل الكلمات عن تاريخها وحمولتها الجمعية؛ فقد ارتبط لفظ (الكيان) لعقود في الوعي
العربي بتعبير (الكيان الصهيوني)، بوصفه صيغة لغوية تنكر الشرعية السياسية والأخلاقية
للاحتلال الإسرائيلي”.

وتابع: “ومن ثم فإن إطلاق الاسم نفسه على
مؤسسة تعليمية مصرية كبرى، وفي توقيت تزامن مع حديث السيسي عن (التطبيع الشعبي)، لا
يمكن التعامل معه بوصفه اختياراً بريئاً تماماً أو منزوعاً من السياق”.

وأوضح أنه “لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت
أن التسمية جزء من خطة رسمية لإعادة تشكيل الوعي الشعبي، لكن التزامن السياسي والرمزي
يبرر الحديث عن احتمال وجود عملية (تطبيع لغوي ناعم)، تقوم على نزع الحمولة السلبية
عن المصطلح وإعادة إدخاله في المجال العام بصورة إيجابية ومألوفة، وهذا ما تسميه الأدبيات
الاستراتيجية (الهندسة الإدراكية)، أي تعديل الاستجابات النفسية للجمهور بالتدرج، لا
من خلال الإقناع المباشر”.

منشآت الجيش التعليمية
وتنضم جامعة “كيان” إلى عدد كبير من
المنشآت التعليمية التابعة للجيش المصري والتي تشمل الكليات العسكرية: الحربية،
والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي، والفنية العسكرية، والمعهد الفني للقوات
المسلحة، والكلية العسكرية التكنولوجية، وكلية الطب بالقوات المسلحة، إلى جانب الأكاديمية
العسكرية المصرية، و6 مدارس عسكرية رياضية، والمعهد الصحي للذكور ومثيله للإناث.

وطالما قلل رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي
من قيمة التعليم المدني، في مقابل الإشادة الدائمة بالتعليم العسكري، ففي كانون
الثاني/يناير الماضي، ومن داخل “الأكاديمية العسكرية” التي تتعاظم أدوارها
مؤخرا في تدريب المعينين الجدد والمترقين في جميع الوزارات والجهات الحكومية؛ أكد أن
“التعليم العسكري الذي تقدمه الأكاديمية هو التعليم الحقيقي”.

وفي ذلك التاريخ أعلن السيسي، تدشين 4 كليات عسكرية
لدراسة الطب، والهندسة، والبرمجيات، والعلاج الطبيعي، ودراسة إنشاء كليات عسكرية متخصصة
تقوم بتدريس مواد مدنية على غرار السياسة والاقتصاد، داخل الكيان العسكري الذي يضم
وزارة الدفاع بالعاصمة الجديدة، لتدريس علوم مدنية بإشراف العسكريين وبإضافة مواد عسكرية
وتدريب عسكري، ما فاقم مخاوف المعارضة من “عسكرة الدولة والتعليم”.

عسكرة المدني
ويرى المنير، أن “الجامعة الجديدة تكشف عن
مرحلة متقدمة من عسكرة الفضاء المدني؛ فالمؤسسة العسكرية لم تعد تكتفي بإدارة قطاعات
اقتصادية وصناعية، بل باتت تدخل مباشرة إلى مجالات الطب والهندسة والصيدلة والذكاء
الاصطناعي والتعليم الجامعي المدني”.

ولفت إلى أننا “هنا أمام نموذج يمكن وصفه
بـ(الابتلاع المؤسسي)، حيث تتمدد المؤسسة العسكرية داخل قطاعات الدولة، مستفيدة من
موارد ونفوذ وامتيازات لا تتوافر للجامعات الحكومية أو الأهلية المنافسة”.

وتكمن الخطورة وفق رؤية المنير، في أن “هذا
التوسع يجري بالتزامن مع تراجع الجامعات الحكومية، وضعف تمويلها، وهجرة كوادرها، وتآكل
استقلالها الأكاديمي، وهكذا لا تصبح الجامعة العسكرية مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، بل
جزءاً من إعادة بناء الدولة حول شبكات عسكرية موازية تحتكر المال والمعرفة والوظائف
والنفوذ”.

اظهار أخبار متعلقة

وخلص للقول إن “اسم (كيان) يحمل دلالة رمزية
مقلقة في سياق التطبيع، لكن الخطر الأكبر يتمثل في تحويل الجيش من مؤسسة دفاعية محترفة
إلى مركز مهيمن على الاقتصاد والتعليم والإدارة، بما يرسخ الاستبداد ويقوض الدولة المدنية
والجامعة المستقلة”.

وختم مؤكدا أنه “هنا تبدو المفارقة المدهشة
بين مصر التي ترفع علم فلسطين في كأس العالم، ومصر (الأخرى) التي تهندس العقل الجمعي
ليقبل بالكيان اللقيط”.

الرسالة الأصلية
وتحت عنوان: “تداخل الأدوار بين المؤسسة
العسكرية والقطاع المدني… لماذا يضر بالكفاءة العسكرية؟، كتب الباحث والمحلل
للشؤون العسكرية والاستراتيجية محمود جمال، مشيرا لأهمية توجيه الجيوش مواردها
البشرية والمالية والتنظيمية نحو تحقيق الهدف الرئيسي ومنه حماية الدولة والدفاع
عن أمنها القومي، داعيا للحفاظ على احترافية القوات المسلحة وتركيزها على رسالتها
الأصلية.

وأكد عبر موقع “إكس”، أنه “ليس
من الدور الطبيعي للجيوش إنشاء جامعات مدنية أو إدارة منظومات تعليمية لا ترتبط
بإعداد الكوادر العسكرية”، مبينا أنها مسؤولية مؤسسات الدولة المدنية، وموضحا
أن التوسع خارج إطار كلياتها وأكاديمياتها العسكرية التي تُعِد الضباط والمتخصصين
العسكريين، يفتح الباب أمام تداخل الاختصاصات بين المؤسسات، محذرا من أن كل موارد
تُوجَّه إلى مجالات مدنية، لا تُوجَّه إلى تطوير التدريب العسكري.

وفي تعليقه، قال الخبير في الاستراتيجية وإدارة
الأزمات الدكتور مراد علي، إن “تأسيس جيش مصر جامعة مدنية مثير للاستغراب؛ فليس
من دور المؤسسات العسكرية تأسيس كليات للطب أو للهندسة أو للصيدلة”، متسائلا
عبر “فيسبوك”: “ما المقصود باسم كيان؟، هل المقصود تأسيس “كيان
عسكري موازٍ” للحياة المدنية؟”، مشيرا إلى أن شروط الالتحاق مريبة للغاية
خاصة وأنها تشترط اجتياز الاختبارات النفسية وكشف الهيئة”، ليتساءل مجددا:
“هل الهدف جامعة مدنية أم تنظيم موازي مرتبط بالجيش؟”.

منافسة الدولة
وبعيدا عما سببه الاسم من انتقادات فعلى الجانب
الآخر، يلفت البعض إلى أن تدشين الجيش جامعته التعليمية بمصروفات على طريقة
الجامعات الخاصة والأهلية والدولية ينافس بقوة ما أقدمت عليه الحكومة المصرية وبرعاية
رئيس النظام من تدشين الجامعات الأهلية في أغلب مدن مصر، ويقضي على ما تبقى للجامعات
الحكومية من أدوار.

ومنذ أيلول/ سبتمبر 2020، وجه السيسي حكومته لبناء
الجامعات الأهلية (32 جامعة) لتكون بمصروفات أقل من الجامعات الخاصة والدولية،
وتحمل اسم الجامعات الحكومية التي تعاني من الترهل وضعف الإمكانيات، فيما كانت آخر
قرارات السيسي في كانون الثاني/يناير الماضي ببناء “الجامعة الدولية للعلوم والفنون
والتكنولوجيا” كجامعة أهلية بالعاصمة الجديدة.

ويشير مراقبون إلى أن مصر ليست بحاجة إلى
تأسيس جامعات جديدة حيث أن بها نحو 135 جامعة: 28 منها حكومية، و14 تكنولوجية، و32
أهلية، و37 خاصة، و19 دولية وأجنبية، استقبلت جميعها حوالي 4 ملايين طالب بالعام الدراسي
(2024/2025)، وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء كانون الثاني/يناير
الماضي.

وفي ظل معاناة المصريين من الغلاء والفقر
والبطالة وسوء الأوضاع المعيشية وتراجع قيمة العملة المحلية تلجأ الغالبية العظمى
من الطلاب إلى الجامعات الحكومية وبينها الأزهر الشريف بنسبة 59.2 بالمئة، والجامعات
التكنولوجية 0.9 بالمئة، والجامعات الخاصة والأهلية وفروع الجامعات الأجنبية والاتفاقيات
الدولية 12.4 بالمئة، والمعاهد العليا الخاصة 21.1 بالمئة، والأكاديميات 1.2
بالمئة، والمعاهد الفنية فوق المتوسطة (حكومية–خاصة) 5.2 بالمئة.

وتتفاوت مصاريف الجامعات الأهلية والخاصة
والدولية بشكل كبير، فيما تسجل كليات الطب البشري الأرقام الأكبر والتي تتراوح في
الجامعات الخاصة بين 150 إلى 250 ألف جنيه، تليها كليات طب الأسنان والعلاج
الطبيعي والبيطري، ثم الهندسة التي تتراوح بين 70 إلى 150 ألف جنيه، بينما تمثل التخصصات
النظرية والأدبية الأقل مسجلة بين 50 إلى 130 ألف جنيه.

وهنا يلفت الباحث في الشؤون العسكرية محمود جمال،
إلى أنه “حتى إذا كان توسع الجيش في الأنشطة المدنية أو إنشاء الجامعات يتم بدافع
تحقيق عائد اقتصادي، فإن ذلك لا يغير من جوهر الإشكالية؛ فالمؤسسة العسكرية، إذا أرادت
تعظيم مواردها، فمن الطبيعي أن يكون ذلك من خلال الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية
والخدمات المرتبطة باختصاصها، لا عبر التوسع في قطاعات الاقتصاد المدني التي هي من
اختصاص القطاعين العام والخاص”.

اظهار أخبار متعلقة

وبلغت مخصصات التعليم العالي 128 مليار جنيه بموازنة
(2025/2026) تمثل 70 بالمئة من الإنفاق على الجامعات الحكومية البالغ عددها 28 جامعة
إلى جانب المستشفيات الجامعية.

وبينما يلزم الدستور المصري الحكومة الوصول بنسبة
الإنفاق إلى 4 بالمئة من الناتج القومي كحد أدنى للتعليم الأساسي، مضافا إليها 2
بالمئة أخرى للتعليم الجامعي، تؤكد “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”
أنه رغم رفع الحكومة الإنفاق السنوي على التعليم إلا أنه يتراجع كنسبة من الناتج المحلي
الإجمالي.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، قالت منظمة
“هيومن رايتس ووتش”، إن الحكومة المصرية قوّضت بشدة الحق في التعليم والرعاية
الصحية بعدم تخصيص إنفاق كافٍ، ما يخرق التزاماتها بموجب الدستور والمعايير الدولية.