لندن – أصدرت منشورات رامينا في لندن كتاب “وداعاً بير آڤدو” سيرة الطفولة للكاتب والطبيب السوري الكردي آلان كيكاني، في عمل سيري جديد يمتد على 262 صفحة، يعود فيه إلى قرية بير آڤدو، مسقط رأسه، حيث وُلد وقضى سنوات طفولته الأولى قبل أن يغادرها مع أسرته، لتظل تلك القرية حاضرة في وجدانه، وتتحول مع مرور الزمن إلى المنبع الأول لذاكرته الإنسانية والإبداعية.
يفتتح كيكاني سيرته بمشهد الرحيل عن القرية، حين يغادر الطفل المكان الذي عرف فيه خطواته الأولى، ويراقب البيوت والحقول والوجوه والكلبين اللذين يرافقان العائلة، فيما يمتد الطريق نحو المجهول. ومن تلك اللحظة تتشكل البنية السردية للكتاب، إذ تتحول الذاكرة إلى رحلة طويلة عبر الزمن، تستعيد الإنسان والمكان، وتعيد تركيب تفاصيل الحياة الأولى التي ظل أثرها ممتداً في الشخصية والوجدان حتى اليوم.
وتقود السيرة القارئ إلى عالم الريف في شمال سوريا خلال سبعينيات القرن الماضي، عبر مشاهد نابضة بالحياة، ترسم ملامح قرية صغيرة لم يتجاوز عدد بيوتها خمسة عشر بيتاً، عاش أهلها على الزراعة ورعي الأغنام، وتقاسموا العمل والخبز والحكايات والأفراح والأحزان في مجتمع متماسك تحكمه علاقات القرابة والتعاون. وتظهر القرية بكل تفاصيلها؛ البيوت الطينية، والبئر الوحيدة، والحقول، ومواسم الحصاد، وأيام الربيع، وأصوات الرعاة، وأهازيج العمل، والطقوس اليومية التي شكّلت إيقاع الحياة.
ويمنح الكاتب الطفولة مكانتها المركزية، عبر استعادة دهشة الاكتشاف الأولى، وأسئلة الطفل عن السماء والنجوم والمطر والحياة، والأجوبة التي كان يسمعها من الكبار، بكل ما حملته من موروثات شعبية وحكايات شفوية ومعتقدات متوارثة. وتتحول هذه المشاهد إلى مادة أدبية غنية تكشف طريقة تشكّل الوعي داخل بيئة ريفية بسيطة، وتضيء العلاقة بين الخيال والمعرفة في سنوات العمر الأولى.
كما يرسم الكتاب صورة واسعة للحياة اليومية داخل الأسرة، فتبرز الأم والنساء في قلب المشهد، وهنّ ينتقلن بين إعداد الخبز، وخضّ اللبن، وصناعة السمن، وحلب الأغنام، والعمل في الحقول، ورعاية الأبناء، في لوحة إنسانية تحتفي بقيمة العمل والصبر والتكافل، وتوثق جانباً مهماً من الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة.
ولا تتوقف السيرة عند حدود الذكريات الشخصية، وإنما تمتد إلى قراءة أثر المكان في تكوين الإنسان. فالقرية تحضر باعتبارها الجذر الأول الذي تنبثق منه الهوية، والذاكرة التي ترافق صاحبها أينما اتجه، حتى يغدو الحنين جزءاً من تكوينه، ويصبح المكان الأول مرجعاً دائماً لفهم الذات والعالم. ومن خلال هذه الرؤية يقدّم كيكاني تأملاً عميقاً في العلاقة بين الرحيل والانتماء، وبين الزمن والذاكرة، وبين الإنسان وأرضه الأولى.
يتوزّع الكتاب على أحد عشر فصلاً، في بناء سردي تتعاقب فيه الحكايات والمواقف والتأملات، لتشكّل معاً صورة متكاملة عن عالم الطفولة الذي صنع شخصية الكاتب، ورسّخ علاقته بالمكان والناس.
وتأتي لغة الكتاب مشبعة بالتفاصيل الحسية والمشاهد الحية، مع عناية واضحة بتوثيق العادات والتقاليد واللغة اليومية والأغاني الشعبية، الأمر الذي يمنح النص قيمة أدبية وتوثيقية في آن واحد، ويجعل من السيرة سجلاً نابضاً لمرحلة اجتماعية وثقافية شهدت تحولات كبيرة خلال العقود اللاحقة.
ويضيف “وداعاً بير آڤدو” عملاً جديداً إلى تجربة آلان كيكاني الأدبية، عبر نص يفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها، ويستعيد سيرة قرية شكّلت وجدانه، وسيرة مجتمع كامل عاش على إيقاع الأرض والعمل والمحبة، في كتابة تجمع بين حرارة التجربة، وجمال السرد، وعمق التأمل، فتغدو “بير آڤدو” قلب الحكاية، وحارسة الطفولة التي ظل الكاتب يحملها معه في كل محطات حياته.
وآلان كيكاني طبيب جرّاح وكاتب سوري كردي، يعمل منذ حوالي عشرين عاماً في المملكة العربية السعودية، إلى جانب نشاطه الأدبي. نشر عشرات المقالات والقصص القصيرة، وصدرت له أعمال روائية وسردية متعددة، من بينها: “قلب من ذهب”، “ليل ولات الطويل”، “مذكرات الملازم الطبيب”، “ليالي الرقّة الحمراء” و”الموسوس”.
