أصبحت الأزياء الراقية اليوم تُقاس بقدرتها على بناء فكرة متماسكة بقدر ما تُقاس بإتقان الحرفة. فالأزياء لم تعد غاية بحد ذاتها، وإنما جزء من سرد يمتد من أول إطلالة حتى الأخيرة، حيث تتكامل المادة، والمرجعيات الثقافية، والبحث الفني داخل عالم واحد. هكذا جاء أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026؛ موسم انشغل فيه المصممون ببناء رؤى متكاملة، لكل منها لغتها، وذاكرتها، وطريقتها الخاصة في قراءة الإنسان والعالم.
اللافت أن أكثر ما جمع بين عروض الموسم لم يكن اتجاهاً لونياً، ولا صورة ظلية مهيمنة، ولا خامة بعينها، وإنما الأسئلة التي انطلقت منها كل مجموعة. ماذا يستحق أن يبقى؟ كيف تتجدد علاقتنا بالإرث؟ أين تقف الحرفة أمام التكنولوجيا؟ وكيف يواصل الكوتور تطوره مع احتفاظه بهويته؟
لهذا بدت المنصات أقرب إلى معارض فنية منها إلى عروض أزياء. الأرشيف عاد بروح جديدة، والتكنولوجيا حضرت بوصفها امتداداً لقدرات الحرفي، بينما تحولت العمارة، والأدب، والعلوم، والأساطير، والذاكرة الشخصية إلى مفردات صنعت واحداً من أكثر مواسم الكوتور تماسكاً على المستوى الفكري خلال السنوات الأخيرة.
وسط هذا المشهد، برزت مجموعات قدمت قراءات مختلفة لمعنى الأزياء الراقية في القرن الحادي والعشرين.
“سكياباريلي”… حين استعادت العين قدرتها على التوقف
افتتح “دانيال روزبيري” الأسبوع بمجموعة أكدت مرة أخرى أنه من أكثر مصممي جيله قدرة على إعادة تعريف توقعات الجمهور. فمع كل موسم يرسخ لغته السريالية، ثم يوسع حدودها دون أن يفقد صلتها بإرث “إلسا سكياباريلي”.
من مجموعة Schiaparelli خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
تحركت The Abyss داخل المنطقة الفاصلة بين الجسد الطبيعي ونسخته المعززة بالتكنولوجيا. اختفت المجوهرات التقليدية، لتحل محلها تراكيب من السيليكون واللاتكس والأسطح المطلية التي بدت كجلد سائل، بينما ازدهرت فوقها أزهار طبيعية مطرزة يدوياً. مواجهة بصرية بين الطبيعة والابتكار، يمنح كل طرف فيها الآخر معنى جديداً.
من مجموعة Schiaparelli خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
الفكرة التي حملت المجموعة تجاوزت شكلها الخارجي. تحدث “روزبيري” عن عين أنهكها سيل الصور اليومية، فاختار أن يصنع لحظات تدفع المشاهد إلى التوقف وإعادة النظر. وقد وجدت تلك الفكرة ذروتها في الإطلالة التي ارتدتها “زندايا” بعد ساعات من العرض؛ صدرية من السيليكون فوق تنورة مضاءة من الخرز المتدفق. وفي عصر تتوالى فيه الصور بلا انقطاع، تصبح القدرة على انتزاع لحظة تأمل إنجازاً إبداعياً بحد ذاته.
من مجموعة Schiaparelli خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“ديور”… محمية الجمال كما يراها جوناثان أندرسون
يواصل “جوناثان أندرسون” رسم ملامح “ديور” الجديدة بثقة واضحة. وفي ثاني مجموعاته للأزياء الراقية، قدم الدار بوصفها مساحة تحفظ الحرفة، والثقافة، والطبيعة، والذاكرة داخل منظومة واحدة.
من حدائق “كريستيان ديور” إلى أبحاث أقمشة التشينتز الهندية، ومن منحوتات “ليندا بنغلس” إلى الطيات المعدنية والريش والأزهار النحتية، تحولت المجموعة إلى عالم يصعب تفكيكه إلى إطلالات منفصلة. كل عنصر وجد مكانه داخل بنية واحدة تحتفي بالمادة وهي تمر بعملية التحول، قبل أن تستقر في شكلها الأخير.
من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
تكمن قوة رؤية “أندرسون” في تعامله مع التاريخ باعتباره مادة حية قابلة للنمو. الإرث يتحرك، ويتجدد، ويكتسب معاني جديدة مع كل قراءة، حتى تبدو الدار وكأنها تكتب تاريخها من جديد دون أن تقطع صلتها بماضيها.
من مجموعة Dior خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“شانيل”… حين تحولت الحكايات الخرافية إلى لغة كوتور
كثيراً ما يُشبَّه الكوتور بالحكايات الخرافية، لكن “ماتيو بلازي” اختار أن يأخذ هذه الفكرة حرفياً. بدأ رحلته من كتاب قديم للحكايات وجده داخل شقة “غابرييل شانيل”، ثم أعاد بناء عالم كامل تتحول فيه حقول الفاصولياء، وساحر أوز، والقط ذو الحذاء إلى مفردات تنتمي إلى لغة الدار.
من مجموعة Chanel خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
المثير أن الخيال لم يكن غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لإعادة قراءة “شانيل”. تحولت الفاصولياء إلى دانتيل “غيبور” يدوي، والقش إلى تطريزات “رافيا”، وأزرار دار “ليزاج” روت دورة حياة زهرة دوار الشمس، بينما أخفت بعض السترات رسومات وملاحظات شخصية داخل بطاناتها، وكأن كل قطعة تحتفظ بقصتها الخاصة.
يتعامل “بلازي” مع الكوتور بوصفه فن التفاصيل المتراكمة. كل طبقة تكشف طبقة أخرى، وكل اقتراب من القطعة يفتح مساحة جديدة للاكتشاف، حتى بدت المجموعة أشبه بمخطوطة مصورة تتسع مع كل قراءة.
من مجموعة Chanel خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“إيلي صعب”… السريالية كما يكتبها إيلي صعب
اعتدنا أن يقدم “إيلي صعب” المرأة في لحظة اكتمالها. أما هذا الموسم، فقد كانت البطلة في حالة تحول مستمرة.
لهذا لم يكن The Ball of Untamed Dreams حفلاً مقنعاً بقدر ما كان مسرحاً تتبدل فيه الهوية مع كل خطوة.
استعار “إيلي صعب” عالم “رينيه ماغريت” و”سلفادور دالي”، ثم أعاد صياغته عبر لغته الخاصة. أورغانزا مرصعة باللؤلؤ تتحول إلى سحابة، وذيل حريري يتفتح كوردة، والأقمشة تلتف حول الجسد حتى تستحضر زنبق الكالا أو البجعة. حتى اللون ظل في حالة تغير دائم، وكأن الضوء يواصل تصميم الفستان بعد مغادرته المنصة.
من مجموعة Elie Saab خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Elie Saab خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
وجاءت السريالية من داخل البناء نفسه. الطيات، والالتفافات، والكورسيهات، والانسدالات الطويلة شاركت جميعها في تحويل القماش إلى كائن يتغير مع الحركة، فتبدو كل إطلالة وكأنها تعيد تشكيل نفسها أمام العين.
أرى أن هذه المجموعة تمثل منعطفاً هادئاً في مسيرة “إيلي صعب”. بصمته بقيت واضحة، بينما تحرر خياله من الفخامة بوصفها الغاية الوحيدة، واتجه إلى بناء عالم كامل تتحرك فيه المرأة بين احتمالات متعددة دون أن تستقر عند صورة واحدة.
من مجموعة Elie Saab خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“إيريس فان هيربن”… حين أصبحت المادة بطلة الكوتور
يصعب وضع “إيريس فان هيربن” داخل المسار التقليدي للأزياء الراقية. فبينما ينطلق معظم المصممين من القماش، تبدأ هي من سؤال علمي، ثم تبحث عن المادة القادرة على تجسيده. لهذا جاءت مجموعتها الأخيرة أقرب إلى مشروع بحثي يدرس البلازما، والمجالات المغناطيسية، والبرق، والطاقة غير المرئية التي تشكل العالم.
من مجموعة Iris Van Herpen خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
هذه المفاهيم لم تبقَ في حدود الفكرة. فستان من الزجاج المنفوخ يضم أنابيب بلازمية تتفاعل مع المجال المغناطيسي للجسد، وآخر خضع لتجربة داخل مسرّع جسيمات عند درجات حرارة قاربت مئة درجة مئوية تحت الصفر، فتشكلت على سطحه آثار كهربائية تحاكي البرق. حتى الفقاعات الزجاجية التي غطت بعض القطع نُفذت يدوياً، في تأكيد متجدد على أن الابتكار يبدأ دائماً من الحرفة.
من مجموعة Iris Van Herpen خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
ورغم هذه المرجعيات العلمية، بقي الإنسان في قلب المجموعة. فالأنماط التي رسمتها الكهرباء على الزجاج استحضرت جذور الأشجار، ومجاري الأنهار، وشبكات الأوعية الدموية، وكأن الطبيعة تعيد كتابة قوانينها بالمفردات نفسها، مهما اختلفت مقاييسها.
بعد أكثر من عقدين، ما زالت بقية دور الكوتور تقترب تدريجياً من المنطقة التي تقف فيها “فان هيربن” منذ سنوات؛ منطقة يصبح فيها البحث العلمي امتداداً للحرفة، وتتحول الأزياء الراقية إلى مختبر للأفكار بقدر ما هي مساحة للجمال.
من مجموعة Iris Van Herpen خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“ستيفان رولان”… داليدا في هيئة كوتور
اختار “ستيفان رولان” أن يهدي مجموعته إلى “داليدا”، فجاء العرض أقرب إلى تحية فنية لسيدة صنعت حضورها بالصوت والصورة معاً. واكتملت اللحظة مع الظهور المفاجئ للفنانة أميمة طالب، التي أدت إحدى أشهر أغنيات داليدا، فتحول العرض إلى مشهد مسرحي التقت فيه الموسيقى مع الكوتور.
من مجموعة Stephane Rolland خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Stephane Rolland خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
حملت المجموعة الخطوط الهندسية الحادة التي رسخها رولان طوال مسيرته، واكتفت بالأبيض والأسود، حتى بدت الإطلالات وكأنها خرجت من صورة فوتوغرافية كلاسيكية. كل قطعة احتفظت بنقائها البصري، بينما تولت البنية المعمارية رسم الشخصية، لتؤكد أن “رولان” ما زال من أكثر مصممي الكوتور قدرة على تحويل الانضباط إلى مشهد شديد الحساسية.
“آشي ستوديو”… خلف كل قناع حقيقة أخرى
بعد عشرين عاماً من تأسيس الدار، عاد محمد آشي إلى السؤال الذي يرافق مشروعه منذ بدايته؛ الهوية.
جاءت المجموعة كحفلة تنكرية خرجت منها شخصيات تنتمي إلى أزمنة وأساطير مختلفة، بينما يجمعها عالم واحد تغلفه رهبة هادئة، حتى بدا العرض وكأنه رواية قوطية تتحرك فوق منصة الكوتور.
من مجموعة Ashi Studio خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Ashi Studio خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
الحرفة حملت الفكرة بقدر ما حملها السرد. مرايا فينيسية نُحتت ورُسمت يدوياً، وأصداف تحولت إلى قطع ثمينة، وأوراق يابانية أعاد فنانون تشكيلها، مع الخشب، والزجاج المنفوخ، والجلد، والريش داخل لغة نحتية واحدة. حتى القطع التي أوحت بأنها من الخزف جاءت مصنوعة من الجلد، في انعكاس مباشر لفكرة المجموعة؛ المظهر يتبدل باستمرار، بينما يحتفظ الجوهر بثباته.
ما يميز آشي اليوم أن لغته أصبحت مستقلة تماماً. يكفي ظهور الإطلالة الأولى حتى يتضح صاحبها. وهذه واحدة من أصعب المراحل التي يصل إليها أي مصمم؛ أن تتحول رؤيته إلى هوية بصرية قائمة بذاتها.
من مجموعة Ashi Studio خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“جورج حبيقة”… رهان الاستمرارية في زمن التحولات
وسط موسم امتلأ بالمفاهيم الكبرى، اختار جورج وجاد حبيقة الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها. استلهمت المجموعة قصيدة Instructions Before Visiting Earth للشاعر “جيمس ماكراي”، التي تدعو إلى تأمل العالم بعين تحتفظ بقدرتها على الاكتشاف، مهما تكرر المشهد.
من مجموعة Georges Hobeika خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
انعكست هذه الفكرة في مجموعة أقل انشغالاً بإبراز الحرفة بوصفها استعراضاً تقنياً، وأكثر اهتماماً بجعلها جزءاً من التجربة البصرية نفسها. الأعمدة الانسيابية، والكورسيهات المنحوتة، والسترات التي تنتقل بسلاسة بين النهار والمساء، رسمت إيقاعاً هادئاً حافظ على دقة البناء دون أن يثقل الصورة.
من مجموعة Georges Hobeika خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
أما التطريز، فابتعد عن حضوره التقليدي كبطل للمشهد، وذاب داخل الأقمشة عبر خرز قزحي يمنح السطح لمعاناً سائلاً، فيما تشابك الدانتيل مع الساتان، والحرير، والأورغانزا داخل طبقات دقيقة تكشف براعة مشاغل الدار في بيروت وباريس.
من مجموعة Georges Hobeika خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
حتى الإكسسوارات واصلت هذا الحوار مع الطبيعة؛ خنافس، وحلزونات، وأزهار أوركيد تحولت إلى مجوهرات صغيرة، تذكر بأن الجمال كثيراً ما يسكن التفاصيل التي تمر أمامنا دون انتباه.
تكمن قوة هذه المجموعة في أنها تعكس ثقة الدار بلغتها الخاصة. فبدلاً من البحث عن تحولات جذرية كل موسم، يواصل “جورج حبيقة” تطوير مفرداته بهدوء، وهي مقاربة تحتاج إلى شجاعة بقدر حاجتها إلى الحرفة، لأن الاستمرارية المقنعة أصعب كثيراً من المفاجأة العابرة.
“بالنسياغا”… عندما يصبح الاحترام أكثر جرأة من الثورة
كل مدير إبداعي جديد يصل إلى “بالنسياغا” يواجه الإغراء نفسه؛ إعلان القطيعة مع من سبقه.
أما “بييرباولو بيتشولي”، فقد اختار الطريق الأصعب.
من مجموعة Balenciaga خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Balenciaga خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
بدأ من “كريستوبال بالنسياغا”، وعاد إلى العمارة التي جعلت مؤسس الدار أحد أعظم البنائين في تاريخ الموضة. الأحجام بقيت حاضرة، والأكتاف احتفظت بقوتها، بينما اكتسبت المجموعة بريق ألوان “بيتشولي” و الحساسية الشاعرية التي أعادت الهدوء إلى هوية الدار.
هذا الظهور لم يكن إعلاناً عن بداية جديدة بقدر ما كان إعلاناً عن فهم عميق للدار. فبعض الدور تحتاج إلى من يصغي إليها قبل أن يضيف إليها.
من مجموعة Balenciaga خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
“رامي العلي”… الضوء بوصفه ذاكرة
يمضي رامي العلي بخطوات ثابتة نحو ترسيخ لغة أصبحت قابلة للتعرف عليها من النظرة الأولى. العمارة، والطيات المستوحاة من الأوريغامي، والانسياب، والتطريز، لم تعد عناصر منفصلة داخل أعماله، وإنما مفردات تنتمي إلى قاموس بصري واحد.
من مجموعة Rami Al Ali خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
في Threads of Light: A New Dawn تحول الضوء إلى الفكرة التي انتظمت حولها المجموعة بأكملها. لم يظهر بوصفه لوناً أو انعكاساً، وإنما مادة تبني الإطلالة. تحرك فوق الأسطح المعدنية، وانساب مع الخيوط الذهبية، واستقر داخل الطيات، حتى بدا وكأنه يرسم ملامح الفستان بالتوازي مع يد الحرفي.
من مجموعة Rami Al Ali خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
الأجمل أن هذه اللغة بقيت مرتبطة بذاكرة المنطقة. الضوء الذي يسبق شروق الشمس، والرمال، والعمارة العربية، والحرف التي انتقلت عبر الأجيال، حضرت جميعها داخل المجموعة دون اقتباس مباشر أو رمزية متوقعة. إنها هوية تنشأ من الإحساس بالمكان، أكثر من اعتمادها على مفرداته البصرية.
من مجموعة Rami Al Ali خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
ومع كل موسم، يثبت رامي العلي أن الحضور العالمي لا يتطلب التخلي عن الجذور، وإنما إعادة قراءتها بلغة معاصرة تمتلك ثقة كافية للوصول إلى أي منصة.
“مانيش مالهوترا”…عندما تدخل الهند إلى الكوتور من بابها الكبير
يحمل كثير من المصممين تراثهم إلى باريس، أما “مانيش مالهوترا”، فقد حمل معه طريقة كاملة في فهم الحرفة.
من مجموعة Manish Malhotra خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
المجموعة، المهداة إلى والدته، تحولت إلى احتفاء بالحرفيين الهنود الذين حافظوا على تقنيات التطريز، والنسيج، وصياغة الأقمشة عبر أجيال طويلة. ومع ذلك، بدا العرض معاصراً في كل تفاصيله، رغم عمق جذوره الثقافية.
من مجموعة Manish Malhotra خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
تكمن قيمة المجموعة في أنها وسعت تعريف الكوتور نفسه. فبدلاً من البحث عن شرعية باريس، قدم “مالهوترا” دليلاً على أن الامتياز الحرفي يمتلك أكثر من مركز، وأن الأزياء الراقية أصبحت لغة عالمية تتحاور فيها الثقافات على قدم المساواة.
من مجموعة Manish Malhotra خريف و شتاء 2026 للأزياء الراقية
أكد أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026 أن الكوتور يمر بمرحلة إعادة تعريف هادئة. لم يعد النقاش يدور حول الفستان الأكثر تعقيداً، أو التطريز الأكثر كثافة، وإنما حول الفكرة التي تمنح كل مجموعة مشروعيتها، واللغة التي تميز كل دار عن الأخرى.
من “سكياباريلي” التي أعادت التفكير في علاقتنا بالصورة، إلى “ديور” التي قرأت الإرث بوصفه مادة قابلة للنمو، مروراً بعالم محمد آشي المعلق بين الأقنعة والهوية، و”رامي العلي” الذي نسج الضوء داخل الذاكرة العربية، و”إيريس فان هيربن” التي تواصل توسيع حدود العلاقة بين العلم والحرفة، بدا الموسم وكأنه حوار واسع بين تخصصات مختلفة اجتمعت جميعها داخل منصة واحدة.
وربما تكمن قيمة هذا الموسم في أنه أعاد التذكير بأن الأزياء الراقية لا تُحفظ في الذاكرة بسبب عدد ساعات العمل، أو ندرة الخامات، وإنما بسبب الفكرة التي تظل قادرة على مرافقة المشاهد بعد انطفاء أضواء المنصة بوقت طويل.
