تحل، اليوم 15 يوليو، الذكرى الـ 122 لوفاة الأديب والطبيب الروسي أنطون تشيخوف، الذي يُصنّف كأحد أعظم رواد القصة القصيرة والمسرح في التاريخ.


نجح تشيخوف طوال مسيرته في الموازنة بكفتين دقيقتين بين مهنتي الطب الذي كان يسميه “زوجته الشرعية” والأدب الذي وصفه بـ”العشيقة”، لكنه في ليلة رحيله بمنتجع “بادنفايلر” الصحي في ألمانيا، تنحت العشيقة جانباً، ليرقب الطبيب تفكك جسده بفعل مرض السل، هادئاً، متصالحاً، ومبتسماً في وجه الفناء.




 


سماعة الطبيب وقلم الأديب.. تشخيص بلا أحكام


لم يكن تشيخوف مجرد كاتب نال شهرة واسعة، بل كان طبيباً ممارساً كرس سنوات عمره لعلاج الفلاحين والفقراء في ريف روسيا دون مقابل، وفقاً لموسوعة “بريتانيكا” العالمية، وهذا الاحتكاك المباشر مع الألم الإنساني كان له الفضل في نضج أسلوبه الأدبي، فبينما كان معاصروه من عمالقة الأدب الروسي مثل تولستوي ينشغلون بالوعظ الديني والمحاكمات الأخلاقية لشخصياتهم، كان تشيخوف يتعامل مع أبطال قصصه كـ”مرضى” يحتاجون الفهم لا الإدانة.


كان تشيخوف يرى أن مهمة الكاتب هي تشخيص المرض وليس علاجه، فجاءت روائعه مثل “العنبر رقم 6 والفلاحون” التي تسلط الضوء بدقة علي النفس البشرية، بأسلوب خالي من الضجيج، ومفعمة بالرحمة الممزوجة بالسخرية السوداء، مما جعلها دراسة اجتماعية بالغة الدقة لروسيا في عصره.


 


لماذا أخفى الطبيب مرضه عن الجميع؟


كانت المفارقة النفسية الأعمق في حياة “تشيخوف” تجلت في إخفائه مرضه عن الجميع، فمنذ أن ظهرت عليه أعراض السل لأول مرة وتعرض لنزيف حاد في الرئة عام 1897، كان يعلم يقيناً كطبيب طبيعة المرض الذي ينهش رئتيه ومع ذلك، رفض الخضوع للفحص الطبي من قِبل زملائه لسنوات، مما دفع النقاد تفسير هذا السلوك برغبته في حماية عائلته من القلق وإعالتهم مادياً.


 


دراما الموت


حين اشتد عليه المرض سافر برفقة زوجته الممثلة أولجا كنيبر، التي تزوجها عام 1901 وشكّلت قصة حبه العميق الوحيدة إلى ألمانيا، وهناك قضي أيامه الأخيرة  حيث توفى بعد أقل من ستة أشهر من العرض الأول لمسرحيته الخالدة “بستان الكرز” .


وقبل اللحظة الأخيرة وحين استدعي الطبيب الألماني المعالج ورأى أن قلب “تشيخوف” يحتضر، أمر بإحضار زجاجة شمبانيا وكؤوس، وهو بروتوكول طبي تقليدي قديم لدى الأطباء الألمان يمارس عندما يدركون أن المريض يقضي دقائقه الأخيرة ولا أمل من شفائه، لتوديع الحياة بكرامة.


في هذه اللحظة فهم الطبيب تشيخوف الإشارة فوراً، وجلس مستنداً على سريره، وقال بصوت واضح باللغة الألمانية “أنا أموت” (Ich sterbe)، ثم التفت لزوجته وابتسم، وتناول الكأس قائلاً: “لقد مر وقت طويل منذ أن شربت الشمبانيا”، شربها حتى قطرتها الأخيرة، ثم استلقى بهدوء شديد على جانبه الأيسر وفارق الحياة كطفل نائم.


 


الأثر الممتد.. هل مات تشيخوف حقاً؟


رحل تشيخوف صامتاً، دون خطب رنانة، كما كانت نهايات قصصه ومسرحياته التي تصنف كمصنفات كوميدية وهزلية رغم شجنها العميق لقد تميز بأسلوب مراوغ وبريء ظاهرياً، حيث يبدو “ما لا يقال فيه” أكثر أهمية بكثير مما يقال فعلاً.


كان يتوقع ساخراً في رسائله أن ينساه الناس بعد سنوات قليلة من رحيله، وتخوف من أن النظرة لإرثه ستكون تشاؤمية، لكن آلاف الرسائل الرائعة المليئة بالحيوية والذكاء التي تركها خيبت ظن النقاد، وبرهنت بعد مرور أكثر من قرن أن “طبيب النفس البشرية” لا يزال حاضراً، وأن همسه أثبت أنه أبقى وأقوى من الصراخ.