تقول أحد الشخصيات: “أما كان بإمكانك أن تُظهر بعض الرحمة؟”.

تختزل هذه الجملة جوهر فيلم The Odyssey، الفيلم المقتبس المرتقب من كريستوفر نولان، وهو عمل ضخم في نطاقه، لكنه ينجح في الوقت نفسه أحياناً في تقديم لحظات مؤثرة على المستوى العاطفي. فمن خلال استخدام ملحمة هوميروس كعدسة يستعرض عبرها درساً يبدو عصرياً بشكل غير متوقع عن الحرب، واضطراب ما بعد الصدمة، وحتى التساؤل عن سبب استمرار البشرية في مواجهة هذه المآسي بعد ما يقرب من 3000 عام على كتابة الأوديسة لأول مرة، يقدّم نولان عملاً يحمل صدى عميقاً ويتسم بالجرأة في كثير من الأحيان. إلا أنه يتعثر أحياناً في طريقة سرده، ويبدو متعجلاً بشكل متكرر رغم امتداد مدته إلى ما يقارب ثلاث ساعات. والنتيجة فيلم لا بد من مشاهدته، لكنه محبط في بعض جوانبه، وإن كان مليئاً بلحظات من التألق.

كل من قرأ الفصول الأولى على الأقل من ملحمة الأوديسة في درس اللغة الإنجليزية بالمرحلة الثانوية يعرف القصة، لكن إليكم تذكيراً سريعاً: يجسد مات ديمون شخصية أوديسيوس، الملك والمحارب والزوج والأب الذي اختفى عن موطنه جزيرة إيثاكا منذ نحو عشرين عاماً، بعد أن ألقت به الأقدار في أرجاء اليونان القديمة الأسطورية عقب استدعائه من قبل أغاممنون (بيني سافدي)، ملك ملوك الآخيين. تُروى الأحداث بأسلوب غير متسلسل زمنياً (ففي النهاية هذا فيلم لنولان، لكن هوميروس سبقه إلى ذلك)، حيث تعاني زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنهما تيليماخوس (توم هولاند)، الذي بات على أعتاب الرجولة، في موطنهما، متسائلين عما إذا كان ملكهما سيعود يوماً، بينما يعيث الخطّاب الجشعون، بقيادة أنتينوس (روبرت باتينسون)، فساداً في منزل أوديسيوس، طامعين في ثروته… وزوجته.

إنها قصة سبق أن قُدمت سينمائياً، لكن دون نجاح يُذكر (فيلم The Return الصادر عام 2024، من بطولة رالف فاينس، رائع، لكنه يقتصر على الفصل الأخير من ملحمة هوميروس). ونولان، كما كان متوقعاً، يُجري تعديلات على القصيدة الأصلية قد تزعج عشاق هوميروس. فيغيّر بعض التفاصيل، ويختصر خيوطاً سردية هنا وهناك، ويضيف عناصر من أعمال أخرى في الأساطير اليونانية، بل ويحذف أحياناً بعضاً من أشهر لحظات النص الأصلي (لذا لا تنتظروا خدعة “أنا لا أحد” التي يستخدمها أوديسيوس مع السيكلوب).

ومع ذلك، لا توجد طريقة لتحويل The Odyssey بالكامل إلى فيلم طويل دون اختصار بعض الأجزاء أو إعادة تشكيلها أو، انسجاماً مع روح الملحمة، تمزيق بعضها. وبصراحة، فإن من لم يتجاوز الفصل الثالث في المدرسة على الأرجح لن يلاحظ هذه التغييرات أصلاً.

من أكثر الجوانب إثارة في فيلم نولان عناصر الرعب التي يضفيها على مغامرات أوديسيوس ورجاله.

ومن أكثر الجوانب إثارة في فيلم نولان عناصر الرعب التي يضفيها على مغامرات أوديسيوس ورجاله، وهم يحاولون العودة إلى ديارهم بعد حرب طروادة، لكنهم يقعون في سلسلة لا تنتهي من المصائب. فعلى سبيل المثال، يختصر الفيلم معظم الحوار بين السيكلوب ذو العين الواحدة وأوديسيوس، رغم أن أداء المخلوق (المنفذ عبر المؤثرات العملية لكن بإشراف الأداء الذي قدمه بيل إروين) يظل حاضراً بقوة. وفي المقابل، يستبدل نولان الحوار بشعور خانق من الرهبة الوجودية، إذ نرى الوحش يمضي في روتينه اليومي، يستيقظ، ويرعى أغنامه، ويلتهم رجال أوديسيوس، ثم يخلد إلى النوم، ليكرر الأمر في اليوم التالي.

ويضيف تصميمه المقزز والمؤثرات الصوتية الغريبة مزيداً من الرعب، لكنه يبدو أيضاً وكأنه كائن يعيش في مستوى وجودي أعلى من البشر، فلا يكاد يلاحظ وجود الطاقم إلا عندما يلتهمهم. وكما يقول أوديسيوس الذي يجسده ديمون: نحن لا نحاول التحدث إلى النمل، فلماذا يحاول هذا الوحش التحدث إلينا؟

كما يجسد الفيلم رحلة إلى العالم السفلي بصورة مبهرة، حيث يلتقي أوديسيوس، من بين آخرين، برجاله الذين لقوا حتفهم تحت قيادته. ويقول له طيف سينون (إليوت بيج): “لقد متُّ بسبب أكاذيبك”. وهنا تكمن معاناة أوديسيوس الحقيقية: فكم شخصاً مات نتيجة حيله ومخططاته خلال السنوات العشرين الماضية؟

ومن المشاهد المرعبة الأخرى التي يصعب نسيانها، قيام الساحرة سيرسي (سامانثا مورتون) بتحويل رجال أوديسيوس إلى خنازير، إذ تعيد تشكيل أجسادهم بيديها كما لو كانت في أحد أعمال ريك بيكر، وذلك بعد وجبة مقززة من حساء سحري تمهد للمشهد. والأكثر إثارة للاهتمام أن سيرسي تبدو في النهاية وكأنها محقة إلى حد ما في أفعالها، وهو ما يعزز الطرح الرئيسي للفيلم حول ما تفعله الحرب بالإنسان… أو ربما حول سبب إصرار الإنسان على خوض الحروب أصلاً.

لكن هذه الفكرة نفسها تمثل إحدى المشاكل الأساسية في فيلم نولان، رغم ما يحمله من جمال وقبح وابتكار في إعادة تقديم قصة هوميروس. إذ يجسد ديمون أوديسيوس بوصفه محارباً ممزقاً داخلياً، كان اختراعه، حصان طروادة، سبباً في انتصار أغاممنون بالحرب. لكن بأي ثمن؟ فبعد انتهاء الحرب، يبدو أوديسيوس تائهاً نفسياً بقدر ما هو ضائع في البحر حرفياً.

غير أن المشكلة تكمن في أن أوديسيوس يصل إلى هذه الحالة الذهنية في مرحلة مبكرة من تسلسل الأحداث الزمني، ومع ذلك نراه يكرر الأخطاء نفسها مراراً وتكراراً، وكأنه لم يتعلم شيئاً رغم إدراكه لما حدث. وإضافة إلى ذلك، ورغم أن أداء مات ديمون مقبول في دور أوديسيوس، فإنه يفتقر إلى روح المكر والدهاء التي تُعد جزءاً أساسياً من الشخصية الكلاسيكية. ففي الأساطير اليونانية، حاول أوديسيوس التهرب من الذهاب إلى الحرب بادعاء الجنون، في تصرف يشبه ما فعله كلينغر في مسلسل M*A*S*H. أما في الفيلم، فإنه يستجيب لاستدعاء أغاممنون بكل نبل وواجب. والمفارقة أن أنتينوس، الذي يؤديه روبرت باتينسون، هو من يتجنب التجنيد هنا.

وبالحديث عن ذلك، فإن نجم Batman يبذل ما في وسعه في دور يُعد عملياً الشرير الرئيسي، لكن الخطّاب يُصوَّرون في الأساس على أنهم أشرار يفعلون أشياء شريرة فحسب. أما التعقيد الذي أضفته بعض تفسيرات ملحمة الأوديسة على شخصيات الخطّاب، مثل فكرة أن أوديسيوس جنّد آباءهم وأجدادهم وإخوتهم الأكبر سناً ليذهبوا جميعاً إلى الحرب ويموتوا فيها، بينما عاد الملك وحده ناجياً إلى وطنه، فلا يستكشفه نولان للأسف.

أما تيليماخوس الذي يجسده توم هولاند، فهو شخصية أخرى قد تكون محبطة للمشاهدة (أو القراءة)، لأنه بدوره يشعر بالإحباط لعجزه عن التصدي للأشرار الذين استولوا على منزله. ولا ينجح هولاند تماماً في تجاوز هذه المعضلة، وحتى عندما تصل المواجهة النهائية مع الخطّاب (وهؤلاء في ورطة حقيقية) لا يُمنح تيليماخوس الكثير ليفعله. في المقابل، تبدو آن هاثاواي مثالية في دور بينيلوبي التي أنهكها الانتظار، وهي تنسج على نولها بانتظار زوج قد لا يعود أبداً، وقد لا تتعرف عليه حتى إن عاد. وتتألق مشاهدها مع مات ديمون، بما في ذلك مشاهد الفلاش باك التي تدور قبل الحرب، والتي ابتكرها نولان، وعندما تواجه الدخلاء في منزلها، تتحول إلى شخصية شرسة.

وبما أن هذا فيلم من إخراج كريستوفر نولان، فمن الطبيعي أن يكون طاقم الممثلين حافلاً بالنجوم والوجوه المعروفة، حتى وإن لم يحظَ معظمهم بمساحة كبيرة على الشاشة. يقدم جون بيرنثال أداءه المعتاد في دور مينيلاوس، بينما تضيف لوبيتا نيونغو، في مشاهدها القليلة بدور هيلين الطروادية، عمقاً إلى هذه الشخصية الغامضة بطريقة نادراً ما قُدمت من قبل. (وتجسد الممثلة أيضاً شخصية كليتمنسترا، شقيقة هيلين التوأم وزوجة أغاممنون). أما أغاممنون، الذي يؤديه بيني سافدي، فلا نرى وجهه كاملاً أبداً، لكن حضوره الطاغي يظل مصدر رهبة حتى لرجاله. ويحظى هيميش باتيل ببعض العمق في دور يوريلوخوس، نائب أوديسيوس الذي لا يتوقف عن طرح الأسئلة، بينما تقدم ميا غوث أداءً يحمل بصمتها المعتادة في دور ميلانثو، وصيفة بينيلوبي، رغم قلة وقت ظهورها. أما جون ليغويزامو فيقدم أداءً يجمع بين الطرافة والتأثير العاطفي في دور إيوميوس، الخادم الوفي لأوديسيوس (والقائم على رعاية أفضل كلب مسن في الأدب، أرغوس).

وهناك أيضاً مسألة الآلهة، التي يُستحضر ذكرها باستمرار هنا، لكنها لا تظهر بالطريقة التي تظهر بها في ملحمة هوميروس. فشخصية كاليبسو التي تؤديها تشارليز ثيرون هي حورية في الأسطورة، لكنها قد تُفسَّر في الفيلم بسهولة على أنها نسخة أقل رعباً من آني ويلكس، لا تريد سوى الاحتفاظ بأوديسيوس لنفسها. أما أثينا، التي تجسدها زندايا، فتظهر في لحظات محورية، غالباً عندما يكون أوديسيوس في أكثر حالاته تأملاً، لكنها لا تمارس الحيل التي تقوم بها في الكتاب. والطريقة التي يختار بها نولان تقديم الشخصية في النهاية تُعد من أفضل أفكار الفيلم، إذ إن سؤال ماهية الإله وكيف يؤثر هذا المفهوم في رحلة أوديسيوس، يشكل محوراً أساسياً في الفيلم.

ومن الأمور التي ينبغي الإشادة بها أيضاً في The Odyssey براعة نولان في التعامل مع كثير من العناصر التي تبدو شديدة الغرابة في كتاب هوميروس (وأقول ذلك بصفتي من عشاق هوميروس)، مثل رجال الخنازير، والعمالقة آكلي لحوم البشر، والدوامات الحية، والمزيد من العمالقة، إذ ينجح في جعلها مرعبة في أفضل الأحوال، أو على الأقل مثيرة للاهتمام وقابلة للتصديق. كما أن تصوير الفيلم بكاميرات IMAX 70mm، الذي أُحيط به كل هذا الضجيج الإعلامي، لم يكن مهمة سهلة، وتُعد مشاهد مثل وقوف بطل مات ديمون عاجزاً وهو يشاهد سفينته تتمزق وسط عاصفة هوجاء من أكثر التجارب قوة وتأثيراً لحضور السينما.

لكن هذا لا يعني أن كل شيء في الفيلم ينجح. فهناك فكرة تتكرر باستمرار حول “قانون زيوس” الخاص بالضيافة، والذي يُقال إنه يتراجع بينما يؤدي الغزاة الغامضون القادمون من البحر إلى تآكل الحضارة تدريجياً، وهي فكرة لا تبدو مقنعة. إنها الفكرة التي يحاول نولان أن يجعلها محوراً يرتكز عليه The Odyssey، لكنها، مثل رحلة أوديسيوس العاطفية نفسها، تضيع وسط أمواج المشاهد الاستعراضية.

– ترجمة ديما مهنا

يُعد The Odyssey للمخرج كريستوفر نولان تجربة سينمائية لا ينبغي تفويتها، فهو اقتباس ملحمي لقصيدة ملحمية يعيد تقديم العديد من أفكار هوميروس الغريبة من منظور جديد يضفي على القصة شعوراً بالرعب والقلق الوجودي، مع لمسات من الفكاهة أيضاً. يقدم مات ديمون أداءً جيداً في دور الشخصية الرئيسية، وإن لم يكن استثنائياً، لكن ينجح طاقم الممثلين الضخم في رفع مستوى العديد من المشاهد، إلى جانب الإضافات الخاصة التي ابتكرها نولان للقصة. ورغم أن الرحلة العاطفية لأوديسيوس تبدو متقلبة مثل بحر هائج، وأن فكرة “تآكل الحضارة” لم تنضج بالشكل الكافي، فإن تأملات الفيلم الأوسع حول آثار الحرب على من يُجبرون على خوضها جاءت مؤثرة وناجحة. قد لا يكون The Odyssey فيلماً مثالياً، لكنه يظل تجربة سينمائية رائعة بكل المقاييس.