رحمه الله، مجدي بولص، توفّي في غربته (أستراليا) قبل أيام عن 85 عاماً. لم يكن ليثير شيئاً من الانتباه إلى شخصِه تعريفُه، في نعيِه، بأنه كان من أبرز عازفي التشلّلو (الكمان بحجم أكبر) في مصر والعالم العربي، ولا عزفُهُ في الفرقة الماسيّة، ووراء عبد الحليم حافظ ووردة ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد (وغيرهم)، بل جاءت الإشارة إلى أنه كان من عازفي فرقة أم كلثوم منذ 1962 لتُعطي نبأ رحيله وقْعاً مختلفاً، بل وأيضا لتستثير، في حشايا السمّيعة من العتاقي ومحبّي الأصيل من الغناء، ومن تتوطّن فيهم محبّةٌ حارّةٌ بالزمن الذهبي للأغنية العربية، سؤالاً غافياً، بعيداً، ليس معهوداً أن يُكتَرث به، بشأن ما صنعه العازفون وراء أم كلثوم لها، أو عن سهمٍ لهم في بناء صورتها كوكباً في الشرق، وصاحبة مهابةٍ في مسار الغناء العربي، قديمه وجديده. ذلك أنه إلى صوت “الست” البالغ القوة والفرادة، وإلى رفعة الأداء وعلوّه في الغناء والسلطنة والتطريب، لا بد كان لأولئك الذين عزفوا على الأورغ والقانون والكمان والتشيللو (و…)، وأبدعوا في أدائهم الإيقاعات والألحان و”الصولو” والمعزوفات، في تأديتهم فنونهم هذه، بما كانوا عليها من مواهب وقدرات، دورٌ ثقيلُ القيمة في أن تكون أم كلثوم التي نسمع، وخالدة الاسم والحضور.
جاءت وفاة مجدي بولص أياماً بعد تلقّيه في مقامه البعيد (لماذا غادر إلى هناك؟) نسخة من كتابٍ سمّاه صاحبُه، المؤرّخ الفنّي المصري محمّد شوقي، “فرقة الست” (ديير للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026)، أظنه كتاباً غير مسبوقٍ في نوعه، فقد التفت إلى نحو مائةٍ ممن عزفوا وراء أم كلثوم، وتعاقبوا في فرقتها التي كوّنتها منذ أولى إطلالاتها في حفلةٍ غنائيةٍ مع أول “تخت”، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1926، وأطربت بأغنيتيْن من كلمات أحمد رامي ولحنيْن لأحمد صبري التجريدي ومحمد القصبجي، حتى آخر حفلة في يناير/ كانون الثاني 1973. يضمّ الكتاب محاوراتٍ مع خمسة من العازفين الكبار الذين كانوا في الفرقة، إحداها بالهاتف مع مجدي بولص، يقول فيها إنه انضمّ إلى الفرقة من خلال رياض السنباطي، وإن أول أجر تقاضاه عشرة جنيهات في الحفلة. ويفيد بما انكتب كثيراً وحكى عنه شهودٌ وعارفون ومؤرّخون، أن “بروفات” العازفين على ألحان الأغنيات كانت تتم من دون “نوتة” موسيقية نهائياً، ذلك أن الست والملحّن كانا يحفظان اللحن “سماعيّاً”، وكان هدف الست أن لا يفقد الموسيقيون إحساسهم به. ويفيد أيضاً بما أفضى به غيرُه، أن أم كلثوم لم تكن تمانع أن يشتغل أعضاء الفرقة مع فرقٍ أخرى (بشرط: اعمل اللّّي إنت عايزه بس مواعيدي نمرة واحد)، وهي التي كانت تختارُهم بحرصٍ شديد، وبالاسم أحياناً. ويحكي الرجل عن علوّ إنسانية الست وحسن تعاملها مع كل فرد من العازفين ومساعدتهم إذا ما احتاجوا شيئاً (“عمرها ما زعّلت حدّ فينا. وياما وقفت معانا كتير”).
لكتاب محمّد شوقي أهميته الخاصّة في طابعه التوثيقي الذي يؤرّخ بدقةٍ عن الذين كانوا في فرقة أم كلثوم، وأدّى بعضهم معها حفلتيْن أو ثلاثاً، وكثيرون منهم أمضوا عقوداً معها. وعلى ما يوضح، فإن اثنين فقط انقطعا للفرقة، ولم يعملا في غيرها، محمد القصبجي الذي “عُرف بأنه لا يفارق العزْف على العود وراء الست أم كلثوم حتى لو كان مريضاً”، وعازف الناي سيد سالم الذي التحق بالفرقة في الأربعينيات وبقي فيها حتى حفلتها الأخيرة (توفي في 1995). ويُفرد الكتاب لكلّ منهما صفحاتٍ يأتي فيها على كثيرٍ من تفاصيل سيرتيْهما وصلتيْهما بأم كلثوم. أمّا محمد عبده صالح فقصّةٌ أخرى. كان مدير الفرقة منذ 1954 حتى وفاته في 1970. يسترسل صاحب الكتاب عنه، يعرّفه بأنه نابغةٌ في عزْف القانون، “مع أم كلثوم، قدّم صالح كل ما يطرب ويبهر، وخصّه الملحنون بكثيرٍ من مقاطع العزْف المنفرد (الصولوهات) التي أدّاها بأرقى ما يمكن أن يصل إليه عازف”.
كتابٌ أخذنا إلى قراءته نبأ وفاة مجدي بولص، يعرّفك، بإيجاز، إلى سِير نحو مائة عازف… محمد العقّاد، إبراهيم العريان، أحمد الحفناوي، أنور منسي، عز الدين حسني، عبّاس فؤاد، مكرم مهني جرجس، عمر فرحات، حمدي الحريري، فاروق سلامة، عبده داغر، ميشيل المصري، وغيرهم… ويعرّفنا إلى إدارة الفرقة وشؤونها المالية، والأهم إلى مقطعٍ من زمنٍ اعتنق فيه ناسٌُ إخلاصاً بلا حدود للموسيقى، فساهموا، لا ريب، في علوّ أم كلثوم ومهابتها وجدارتها التي لا تُجارى.
