“العالم يهوي” عنوان دراماتيكي لمعرض التشكيلي اللبناني سمير خداج، الذي يتواصل في غاليري ضفاف بيروت حتّى السابع والعشرين من الشهر الجاري. نشعر للوهلة الأولى أن كلمة “عالم” كثيرة على معرض تشكيلي. اللوحة الأولى التي هي خطوط سوداء عريضة على لوحة كبيرة، تبدو لنا وكأنّنا بها نبدأ من النهاية. اللوحة هي ما نعثر عليه بعد السقوط. لن تكون اللوحات التي تقابلها شيئاً. إنّنا نشاهد أعمالاً يمكننا القول إنها حُرّة، لكن حُرّة قد لا تكفي، قد تسعفنا كلمة ارتجال. الواضح أن سمير خداج يرسم من حيث لا يبقى للعمل ضوابط أو قواعد. 

نبدأ من أنه ليس وحده الفنان، أشار في الدعوة إلى فنانين آخرين، شاركوه اشتغالاته، فالمعرض ليس لوحة واحدة، وليس منتظماً بحيث نجد فيه أسلوباً واحداً، أو نعثر على موضوع خاص. المعرض، كما سننتبه وليس فوراً، هو من حيث نجد الفن، ولكن ليس بشروطه، وليس بأزيائه ونماذجه وطرائقه الخاصة. الفن هنا يأتي من كونه نيّة، من كونه هاجساً وتطلباً ومعركة وخليطاً. 

لوحة بِكر تُفصح عن خراب العالم بالإشارة إلى واقع لبناني

أي أنه لا يبدأ من مدرسة أو نموذج، أو تخطيط مسبق أو فكرة طاغية أو مبنى متقصد. ليس لخداج وزملائه ما يُبنى عليه، خدّاج يقودهم إلى ارتجال واسع، يقودهم إلى فوضاه وإلى فنّه الذي يتشكّل في العمل، ويذهب إلى أي اتجاه. هناك بالطبع هذه الفسحة التي تملكها العين وتملكها اليد وتخرج إلى الضوء، ما إن يحدث هذا التلاقي بين اليد والقماش أو الورق. الفن هنا ينتظر وينبثق من تحت اليد والعين، يخرج ما إن يترك الفنان نفسه له، ما إن يستنبشه من داخله، كما من حوله ومن حركته وجسده. أي أن اللوحة تخرج هكذا وكأنها لا تزال في بُكوريتها، لا تزال في مادتها الأولى، لا تزال في توقها وإطلالتها وخميرها.

لوحات من كل المطارح (العربي الجديد)

لكن المسألة لا تبقى هنا. قد نشعر أنّ القاعة لا تكفي لمثل هذا الاندفاع، نحن هنا نشعر أن ما يبدو في القاعة قد لا يكون أكثر من تمرين أول، فالموجة لا تقف عند هذا الحد. نحن هكذا نشعر أننا لم نكتف، لكن لن يفاجئنا أن يدعونا صاحب الغاليري إلى ممرّ نرى فيه لوحات، وممرّ يُفضي إلى قاعات أُخرى نرى فيها أيضاً لوحات. نبدأ بالإحساس أن المعرض أوسع من نظرتنا الأولى. إنه يتسع، تتسع معه فكرته، تتسع معه تجربته. سنرى لوحات من كل المطارح، كأنما المعرض أكثر من معرض، إنه دفقٌ كبير، له هنا مجاريه وحجراته ومَداه.

نخرج منه كما نخرج من عالم (العربي الجديد)

ونحن نخرج من قاعة إلى قاعة، من مبنى إلى مبنى، نفهم أن سمير خداج ليس بصدد لوحة فحسب، إنه كعادته بصدد مشروع. المعرض بكامله، بكل حجراته وممرّاته، هو الذي يتكلّم. نخرج منه كما نخرج من عالم، نجده بقي فينا، لكأنّنا صرنا جزءاً منه، لكأنّنا انضممنا إلى زمرة صانعيه، لكأنّنا صرنا بعضاً من موضوعاته ومادته، لكأنّنا نسينا أنفسنا هناك. لقد جعلنا فنانين بطريقته، فنانين نعمل معاً من أولية الفن إلى ما بعده، فنانين حيث الفن ملك للجميع، وحيث هو لعبة الكل. 

* شاعر وروائي من لبنان