20 يوليو 2026 15:03 مساء
|
آخر تحديث:
20 يوليو 15:58 2026
الخلاصة
حصة العجماني توظف نباتات البيئة على الخزف بالضغط اليدوي لصنع «أحافير حديثة» وأدوات يومية تمزج الذاكرة والجمال والهوية
في رحاب فنّ الخزف، يتجلّى الطين مادةً طيّعة، لينةً وهشة، تستسلم تماماً لسطوة الأنامل البشرية؛ إذ يبث فيها الإنسان من روحه ليصوغ من الصلصال الصامت تشكيلات شتى، قبل أن تُعمِّدها النار فتحيلها جماداً صلباً يتحدى عوادي الزمن. هنا يبرز البعد الساحر لهذه الصنعة؛ فهي تجسيدٌ لشغف الإنسان التاريخي بالابتكار، وإعلان صريح لانتصار الإرادة على سكون المادة الخام. فما يبدأ بكتلة طينية طيعة، ينتهي كياناً راسخاً ينطق ببصمات صاحبه إلى الأبد. ومن هنا، يغدو الخزف فلسفة تتجاوز حدود الجمال لتلامس أغوار النفس، وفي مستودعه العتيق، تُولد أولى مغامرات الإبداع.

العجماني في مستودع الخزف
تتجسد في تجربة الفنانة التشكيلية والخزفية حصة العجماني، مؤسسة استوديو «كلي كورنر»، أسمى صور تلك العلاقة السحرية التي تجمع بين الأنامل والطين وروح الطبيعة. أعادت حصة إحياء «الاشتغال النباتي»، على الخزف برؤية معاصرة تفيض بالأصالة؛ ففي أعمالها توثيقٌ شعري للبيئة المحلية، فهي تعمل على توظيف الزهور والأعشاب البرية النابتة في فيافي الصحارى وتجاويف الجبال وبطون الأودية. وعبر تقنية الضغط اليدوي، تحيل تلك النباتات إلى «أحافير حديثة» داخل نسيج الصلصال، لتحفظ شكل زهرة قد تذبل في الواقع، لكنها تظل خالدة، نابضة بالحياة في جسد الخزف؛ لذلك فإن فنها ينتمي بامتياز إلى «فلسفة الذاكرة» التي تنشد تخليد اللحظة العابرة؛ لذا لم تكتفِ بالصناعة، بل عمدت إلى نشر ثقافة الخزف كفعل تأملي، مُلهمةً الأجيال الجديدة لتحويل الصلصال الصامت إلى ابتكارات تنطق بالجمال وتجدد البحث في العلاقة الغامضة بين الإنسان والأشياء من حوله.
في هذا السياق، تميل حصة إلى ابتكار قطعٍ تنبض بالحياة في تفاصيل اليوم المعتادة؛ كأكواب الشاي الخزفية وأدوات المائدة، متجاوزةً بذلك حصر الفن في قوالب العرض الساكنة داخل الصالات الفنية، ولعل هذا التوجه يجسد عمق التحام الفن بالواقع؛ إذ يتحول العمل من كائن صامت يتوارى خلف زجاج المعارض، إلى رفيقٍ يومي يلمسه المستخدم ويتفاعل معه بجميع حواسه. يصبُّ هذا النهج في صلب فكرة «أنسنة الأشياء»، حيث تكتسب الأدوات طابعاً بشرياً حميماً، وتغدو شريكاً في لحظات الحياة اليومية.
كوب ووعاء
تتجلى ميزة حصة في قدرتها على تحويل كل قطعة خزفية إلى لوحة فنية محتشدة بالتفاصيل البصرية الآسرة، لاسيما في اشتغالاتها على الأواني التي تغدو قطعاً لا تتكرر. ومن أبرز تجلياتها الإبداعية، تلك الثنائية الفنية المتمثلة في «الكوب والوعاء»؛ حيث تتبلور لغة بصرية تدمج ببراعة بين صلابة الخزف ورقة الطبيعة في وحدة عضوية متسقة. إنها لا تصنع مجرد آنية، بل تعيد صياغة مفهوم «الآنية» لتغدو ذاكرة ملموسة تحتضن النباتات والزهور البرية التي تنتقيها بعناية فائقة. وبلمسة واثقة، تضغط الفنانة تلك النباتات في قلب الطين اللين، تاركة خلفها أخاديد دقيقة تحفظ أدق العروق وتفاصيل البتلات، في لحظة توثيق أبدية تتحدى الفناء وتتجاوز حدود الزمن.
ويبرز أسلوب الفنانة في احتفائها بالجمال العفوي، فهي تترك للطبيعة حرية رسم المسارات على سطح الخزف الأبيض الذي يعمل كلوحة صامتة تمنح الألوان النباتية الحيوية والعمق في تباين لوني مدروس يجمع بين بساطة الخلفية ودقة التلوين اليدوي الذي يحاكي تقنيات الألوان المائية، ما يمنح المشهد بعداً يتمحور حول الارتباط بالجذور والأرض لتعبر هذه القطع عن الهوية والحنين والسكينة البصرية التي تملأ الفراغ بتفاصيل الطبيعة النابضة بالحياة.
تصور عقلي
لا شك أن تلك الإبداعات الجمالية في مواضيعها المختلفة، تعكس ثقافة واسعة للفنانة التي اطلعت بالفعل على مؤلفات عديدة حول الأنثروبولوجيا والتاريخ الطبيعي والأساطير الثقافية من جميع أنحاء العالم متتبعة «حكاية الطين»، لذلك فهي تنتج أعمالها الإبداعية عبر تصور عملي وعقلي، تعمل من خلاله على إنشاء علامات وبصمات لأفكارها. فهي تؤمن بأن للطين قدرة لا تصدق على تخزين الذاكرة والطاقة. فكل علامة يتركها الصانع وراءه تحفظ في الطين وبمجرد حرقها تصبح دائمة، فالشيء البديع في هذا الصلصال كمادة خام هو إمكانية تحويله إلى كل شيء يخطر ببال وخيال الفنان، وبالتالي فإن كل عمل تكمن وراءه فكرة، وربما قضية يسكب على جوانبها الإبداع ويتحرر الخيال، وذلك ما تفعله حصة عندما تدخل إلى «مستودع الخزف».
