الغربة قدر لبعض الناس، لا تبدأ عند عبور الحدود، ولا تنتهي بالعثور على بيت جديد، فهم يحملونها معهم من مكان إلى آخر، كأن حياتهم لا تستقيم إلا بها، هكذا تبدو سيرة ريتشارد هاريسون، الصبي الذي غادر بيت والديه مبكرا بحثا عن حياة أخرى، ثم وصل إلى هوليوود، وكان عليه أن يعبر المحيط ليعثر على صورته فوق ملصقات السينما، وأن يصبح غريبا ليحقق حلمه. صار الأمريكي مشهورا في إيطاليا، وبطلا لأفلام الويسترن قبل أن تقوده الرحلة إلى سينما النينجا في آسيا، حتى بدت مسيرته الطويلة كأنها سلسلة من المنافي الاختيارية التي صنعت، في النهاية، أسطورته الخاصة.
تتجلى المفارقة الأكثر تعبيرا عن مسيرة ريتشارد هاريسون في الدور الذي رفضه فأصبح واحدا من أشهر الأدوار في تاريخ أفلام الغرب الأمريكي، وأن الممثل الذي اقترحه بديلا عنه تحول إلى نجم عالمي. فقد رفض هاريسون بطولة فيلم سيرجيو ليوني “حفنة من الدولارات ” (A Fistful of Dollars) عام 1964، وقال إنه اقترح كلينت إيستوود لأداء دور الرجل الغريب بلا اسم. ذهب إيستوود إلى الفيلم الذي غير مسيرته، بينما مضى هاريسون في طريق آخر تماما.
قصص مقترحة list of 4 itemsend of list
لم تكن تلك الواقعة مجرد فرصة ضائعة في حياة ممثل، بقدر ما تلخص طبيعة مسيرة امتدت إلى أكثر من 100 فيلم ولم تخضع كثيرا للمنطق التقليدي لصناعة النجوم.
بدأ هاريسون في هوليوود، لكنه لم يصبح نجما فيها، بل ذهب إلى إيطاليا فأصبح بطلا، وعندما تراجعت السينما التي صنعت شهرته في أوروبا، انتقل إلى أفلام الحركة والنينجا منخفضة الميزانية في آسيا.
وكان اختياره للأعمال في بعض الأحيان أقرب إلى اختيار رحلة منه إلى التخطيط لمسيرة فنية، إذ قالت صديقته القديمة المنتجة جوان بورستن إن هاريسون كان يسأل المنتج أين سيصور الفيلم، فإذا كان المكان جديدا عليه وافق على العمل، ثم يقرأ السيناريو على متن الطائرة.
ومع وفاة هاريسون عن 90 عاما، تستعاد مسيرة تنتمي إلى جانب من تاريخ السينما لا يظهر عادة في سردية هوليوود الكبرى، تاريخ الممثلين الأمريكيين الذين غادروا بلادهم، ووجدوا في صناعة السينما الأوروبية المزدهرة خلال الستينيات والسبعينيات أدوارا وفرصا وشهرة لم تمنحها لهم الاستوديوهات الأمريكية.
الرياضة تفتح باب السينما
ولد ريتشارد هاريسون في سولت ليك سيتي بولاية يوتا في 26 مايو/أيار 1936، ولم تكن طفولته تمهيدا مألوفا لحياة نجم سينمائي. نشأ في بيئة متواضعة، وتصف مصادر تناولت سيرته الأجواء العائلية التي عاش فيها بأنها متوترة، قبل أن يغادر البيت وهو لا يزال مراهقا بحثا عن حياة أخرى في كاليفورنيا.
وجاء إلى هوليوود وهو في السابعة عشرة، ولم يبدأ طريقه إلى السينما من المسرح أو الأدوار المدرسية، بل من الرياضة التي شكلت المرحلة الأولى من مسيرته؛ حيث عمل في صالات رياضية، وظهر عارضا في مجلات تهتم بالرياضيين.
لكن هاريسون لم يكتف بالمظهر الذي كان يمكن أن يفتح له باب الأدوار الصغيرة، ودرس التمثيل، وجاءت الفرص الأولى متواضعة، حيث ظهر في فيلم “كرونوس” (Kronos) عام 1957، ثم “جين إيغلز” (Jeanne Eagels) إلى جانب كيم نوفاك، وشارك عام 1958 في “تو ماتش، تو سون” (Too Much, Too Soon) مع دوروثي مالون و “ساوث باسيفيك” (South Pacific)، ثم ظهر في “تول ستوري” (Tall Story) عام 1960 مع أنتوني بيركنز.
كانت أسماء النجوم المحيطين به كبيرة، لكن أدواره ظلت صغيرة. منحته هوليوود فرصة الاقتراب من السينما دون أن تتيح له الموقع الذي سيحصل عليه سريعا بمجرد عبور الأطلسي.
إيطاليا تصنع البطل
كانت السينما الإيطالية تحتاج إلى نوع مختلف من النجوم في مطلع الستينيات، إذ ازدهرت أفلام المغامرات التاريخية المعروفة باسم أفلام “السيف والصندل ” (Sword-and-Sandal)، وحققت أفلام الأبطال مفتولي العضلات نجاحا تجاريا، وكان الأمريكي ستيف ريفز أحد أبرز وجوهها.
نجومية في أفلام النينجا (الجزيرة)
وجد هاريسون في هذا العالم ما لم يجده في هوليوود، ولم يعد الممثل الذي يظهر لبضع دقائق بجوار نجم أكبر، بل أصبح هو البطل، وجاء التحول مع فيلم “المصارع الذي لا يقهر ” (The Invincible Gladiator) عام 1962. كان جسده الذي ساعده على دخول السينما الأمريكية يمنحه الآن موقع البطولة في السينما الأوروبية، وفي العام نفسه قدم “منتقم البحار السبعة ” (Avenger of the Seven Seas) و “غلادياتور 7 ” (Gladiator 7).
كانت هذه الأفلام تقوم على نموذج واضح يتكون من بطل قوي، وعالم قديم، وصراعات على السلطة، ومعارك وأجساد وملابس تاريخية ومغامرة مباشرة، ولم تكن السينما التي ستضع هاريسون في كتب تاريخ الفن الكبرى، لكنها منحته شيئا أكثر أهمية لمسيرته في تلك اللحظة، وهي الهوية السينمائية والسوق الذي يحتاج إليه، وبدلا من العودة إلى الولايات المتحدة ومحاولة الصعود مجددا داخل هرم هوليوود، بقي هاريسون في أوروبا، وقبل منطق الصناعة التي منحته البطولة.
السيف والمسدس
مع تراجع موجة أفلام “السيف والصندل “، كانت السينما الإيطالية تعيد اختراع الغرب الأمريكي بطريقتها، في الأفلام التي عرفت فيما بعد باسم “الويسترن سباغيتي”، وفي عام 1963، ظهر هاريسون في “مبارزة في تكساس” (Duello Nel Texas/Gunfight in the Red Sands)، وهو إنتاج إيطالي إسباني وضع موسيقاه إنيو موريكوني قبل أن يصبح اسمه مرتبطا بأشهر أفلام هذا النوع.
كان التحول من المصارع إلى راعي البقر طبيعيا في صناعة تعتمد على إعادة تدوير نجومها وديكوراتها ومواقعها وفق النوع السينمائي الرائج. الجسد نفسه الذي حمل السيف أصبح يحمل المسدس، والممثل الأمريكي الذي لعب بطلا في عالم روماني متخيل أصبح وجها للغرب الأمريكي الذي أعادت أوروبا تصنيعه، ثم جاءت اللحظة التي كان يمكن أن تعيد كتابة مسيرته كلها.
واصل هاريسون العمل بكثافة، لكنه بقي في المساحة التي منحته شهرته، وهي السينما التجارية الأوروبية منخفضة ومتوسطة الميزانية. وبلغت شهرته في إيطاليا حد أنه لم يكن يستطيع السير في الشارع من دون أن يتعرف إليه الناس.
وهنا تكمن إحدى مفارقات حياته، فقد كان أمريكيا لم يصبح نجما كبيرا في أمريكا، لكنه امتلك في إيطاليا صورة النجم الأمريكي، رغم ذلك، لم تتحول تلك الشهرة إلى محاولة دائمة للعودة إلى هوليوود من موقع أقوى.
كان التحول الأكثر خطورة في حياته هو ذهابه إلى هونغ كونغ بعد انحسار الموجة في أوروبا مع نهاية السبعينيات، فقد بدأت فرص العمل في التراجع، لكن هاريسون لم يحاول استعادة البداية الأمريكية، فتحرك مرة أخرى باتجاه صناعة أخرى كانت تبحث عن الوجوه الأجنبية وتنتج أفلام الحركة بوتيرة سريعة.
وعلى مدى نحو عقد، ظهر في عدد كبير من أفلام النينجا والحركة منخفضة الميزانية. طبقا للمعايير التقليدية لمسيرة الممثل، يبدو الانتقال من هوليوود إلى روما، ثم من أفلام المصارعين إلى الويسترن، وصولا إلى أفلام النينجا الآسيوية، سلسلة من التراجعات بعيدا عن مركز الصناعة. لكنها من زاوية أخرى تكشف قدرة غير عادية على البقاء داخل السينما، حتى عندما تختفي الصناعة التي صنعت المرحلة السابقة من حياته.
لم يكن هاريسون يحاول الحفاظ على صورة فنية واحدة، فقد كان يغيرها كلما تغير المكان والسوق، وبنهاية مسيرته، كان رصيده قد تجاوز 100 فيلم، معظمها من أفلام الدرجة الثانية والإنتاجات منخفضة الميزانية، كما انتقل أحيانا إلى الجانب الآخر من الكاميرا وأخرج عددا من الأعمال.
كان هاريسون عندما يعرض عليه مشروع يسأل المنتج عن مكان التصوير، فإذا كان بلدا أو مكانا لم يزره من قبل، يقبل الدور، ثم يصعد إلى الطائرة ويبدأ قراءة السيناريو، وتكشف هذه الطريقة في اتخاذ القرار نظرته إلى المهنة، وطبقا لشهادة واحدة من أقرب أصدقائه: السينما لم تكن فقط طريقا إلى الشهرة، وإنما وسيلة لاكتشاف العالم. وهو ما يفسر جانبا من الفارق بينه وبين كلينت إيستوود، الذي ارتبط اسمه به بسبب الدور الذي رفضه.
ريتشارد هاريسون في فيلم “طعم الانتقام ” (1963) (الجزيرة)
كلاهما كان ممثلا أمريكيا وجد في السينما الإيطالية فرصة لم يجدها في البداية داخل بلاده، لكن إيستوود عاد من أوروبا إلى هوليوود ليبني واحدة من أشهر مسيرات التمثيل والإخراج في بلاده، بينما واصل هاريسون الحركة في الاتجاه المعاكس، داخل الشبكة الدولية للسينما الشعبية.
فيلم إثارة في منزل هاريسون
وفي عام 1985، وجد هاريسون نفسه داخل حكاية تشبه أفلام التجسس التي كان يمثل فيها. كان النجم السوفياتي أوليغ فيدوف، أحد أشهر وجوه السينما في بلاده والذي سيعرف في الغرب بلقب “روبرت ريدفورد الروسي “، قد رفض أمرا بالعودة إلى موسكو خلال 72 ساعة، وفر من يوغوسلافيا إلى النمسا بمساعدة صديق نمساوي. وعند الحدود، عبر فيدوف إلى الغرب في مصادفة سينمائية، كان الحراس منشغلين بمباراة لكرة القدم فلم يدققوا في جواز سفره، لكن النمسا لم تفتح له الطريق سريعا إلى الولايات المتحدة، فتم نقله إلى روما، وهناك دخل بيت ريتشارد هاريسون. واستضافه الممثل الأمريكي في منزله، حيث عاش فيدوف فترة حذرة بينما كانت الاتصالات تجري لترتيب انتقاله إلى الولايات المتحدة، قبل أن يحصل على أوراقه عبر السفارة الأمريكية في روما ويصل إلى لوس أنجلوس في أغسطس/آب 1985.
وفي منزل هاريسون نفسه التقى فيدوف الصحفية الأمريكية جوان بورستن، التي أصبحت زوجته بعد سنوات. وهكذا وجد هاريسون، الذي قضى حياته متنقلًا بين البلدان والسينمات، نفسه ذات يوم يمنح غريبا آخر بيتا مؤقتا في منتصف رحلة البحث عن بلد جديد.
عاد هاريسون إلى لوس أنجلوس عام 1986، بعد نحو ربع قرن من انتقاله إلى أوروبا، بنى منزلا، ثم جاءت مفارقة أخرى في شيخوخته. فقد دمر حريق المنزل. وعندما توفي هاريسون في لوس أنجلوس عن 90 عاما، ترك زوجته وثلاثة من أبنائه الأربعة، وأكثر من 100 فيلم موزعة على صناعات سينمائية وبلدان وأنواع يصعب جمعها في مسيرة ممثل تقليدية.
