يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على حافة مفترق طرق سياسي واقتصادي بالغ الخطورة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث يدرس بعناية بالغة ما إذا كان سيقدم على استئناف الهجمات العسكرية ضد إيران أم سيتراجع لتجنب كارثة وشيكة.

وبينما يدرس الرئيس الأمريكي خيار العودة إلى العمليات العسكرية ضد إيران، تتصاعد داخل إدارته معركة موازية بشأن من يتحمل مسؤولية حرب لم تحقق أهدافها المعلنة، واستنزفت مخزونات السلاح، وألحقت أضرارا باقتصاد البلاد، وتهدد بتقويض حظوظ حزبه الجمهوري في الانتخابات التي ستنطلق غدا الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني.

وتكشف المعطيات الواردة من كواليس البيت الأبيض وأروقة صنع القرار -استنادا إلى ما نشرته مجلة “أتلانتيك”- عن مأزق عميق تتشابك فيه الحسابات السياسية الضيقة مع تداعيات إستراتيجية وعسكرية واقتصادية هائلة قد تعصف باستقرار الإدارة الأمريكية وبمستقبل أطراف عدة داخلها.

وأفادت المجلة -في تحقيق لاثنين من كتّابها- بأن ترمب بدأ يستطلع آراء حلفائه ومقربين منه بشأن أداء وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، وهما من أبرز مستشاريه العسكريين خلال الحرب، ومن أكثر المسؤولين الذين أبدوا تفاؤلا علنيا بإمكان تحقيق نتائج سريعة وحاسمة.

مخاوف من خسائر انتخابية

يأتي ذلك في وقت تخيم فيه هواجس الهزيمة الساحقة على الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس التكميلية، وسط قناعة تشكلت داخل الدوائر المقربة من ترمب بأن السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ باتت في مهب الريح.

وأثار هذا الواقع موجة من الغضب الشديد لدى الرئيس الذي يرفض بطبيعته تحمل مسؤولية الفشل، مما دفعه إلى البحث الحثيث عمن يتحمل وزر وعود أُطلقت سابقا بأن هذه الحرب ستكون خاطفة وسريعة وستنتهي قبل الاستحقاق الانتخابي.

ويبدو هيغسيث تحديدا في موقع أكثر هشاشة من كين. فوفق مجلة أتلانتيك، لا يحظى وزير الحرب بشعبية واسعة داخل البيت الأبيض، كما يتهمه بعض المقربين من ترمب بتقديم صورة متفائلة بصورة مبالغ فيها عن مسار الحرب، لإرضاء الرئيس وإخباره بما يرغب في سماعه.

ونقلت المجلة عن أحد مستشاري ترمب من خارج الإدارة قوله “هيغسيث بارع في إخبار الرئيس بما يريد سماعه”.

لكن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل رفض هذه الاتهامات، مؤكدا أن هيغسيث يقدم للرئيس وكبار مسؤولي البيت الأبيض “الصورة العملياتية الكاملة”، ووصف التشكيك في ذلك بأنه “خاطئ تماما”.

لوحة مناهضة للولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب في أحد شوارع طهران يوم 27 يوليو/تموز 2026لوحة مناهضة للولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب في أحد شوارع طهران يوم 27 يوليو/تموز 2026 (الأوروبية)

كما أصدرت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي بيانا أكدت فيه ثقة ترمب الكاملة في هيغسيث وكين، واصفة إياهما بأنهما متوافقان تماما مع المهمة التي أسندها إليهما الرئيس.

ولا تقتصر الضغوط على تقييم الأداء العسكري، بل تمتد إلى طريقة إدارة البنتاغون. فقد أقال هيغسيث مؤخرا الفريق بريت سيلفيا، أحد كبار ضباط هيئة الأركان المشتركة ومدير التخطيط، بعد اتهامات بتسريب معلومات إلى الصحافة.

وقال مسؤولون يعملون لدى وزير الحرب إن سيلفيا أخفق في اختبارات لكشف الكذب خلال التحقيق. ولم يصدر عن سيلفيا تعليق على الاتهامات.

وتشير المجلة إلى أن هيغسيث أمر بإخضاع سيلفيا لثلاثة اختبارات على الأقل لكشف الكذب، في إطار تحقيق أوسع بشأن التسريبات التي تناولت اجتماعات داخل البيت الأبيض ونقص الذخائر الأمريكية الناجم عن الحرب.

كما رأى أن هيئة الأركان المشتركة التي يرأسها كين تعاني مشكلة تسريبات، في وقت لم يُبد فيه رئيس الأركان اعتراضا قويا على هذا التوصيف.

وكشفت الواقعة عن ارتباك في العلاقة بين الرجلين، إذ أصدر مكتب هيئة الأركان في البداية بيانا يشكر سيلفيا على 32 عاما من الخدمة، قبل أن يصدر بيانا آخر يقر بأن الصياغة الأولى لم تعكس الظروف الكاملة لإقالته، بعدما تلقى كين تفاصيل إضافية من فريق وزير الحرب.

ويرى بعض مسؤولي البنتاغون أن تحركات هيغسيث ربما تستهدف إضعاف مكانة هيئة الأركان في الوقت الذي يقيّم فيه ترمب نتائج الحرب.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ضوء إقالة هيغسيث أكثر من 20 جنرالا وأدميرالا أو دفعهم إلى مغادرة مناصبهم. كما تذكّر المجلة بأن الوزير سبق أن ألقى مسؤولية نقص الذخائر على نائب وزير الحرب ستيفن فاينبرغ، في مؤشر إلى أن البحث عن مسؤولين يتحملون تبعات الإخفاق ليس أمرا جديدا داخل الوزارة.

JERUSALEM - OCTOBER 13: U.S. Defense Secretary Pete Hegseth and U.S. Secretary of State Marco Rubio talk with Chairman of the US Joint Chiefs of Staff Gen. Dan Caine before President Donald Trump speaks to the Knesset, Israel's parliament, on October 13, 2025 in Jerusalem. President Trump is visiting the country hours after Hamas released the remaining Israeli hostages captured on Oct. 7, 2023, part of a US-brokered ceasefire deal to end the war in Gaza. (Photo by Evan Vucci - Pool/Getty Images)وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث (يسار) ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال زيارة إلى الكنيست (غيتي)من كبش الفداء؟

لكن المعضلة الأوسع التي تواجه ترمب تتجاوز الصراع على المناصب. فالحرب باتت عبئا انتخابيا واضحا، وسط مخاوف في أوساطه من خسارة الجمهوريين مجلس النواب، مع عدم استبعاد خسارة مجلس الشيوخ أيضا.

ووفق مصادر “أتلانتيك”، يعتقد ترمب أن الحرب أسهمت في مأزقه السياسي، خصوصا أن رسائله بشأن الصراع لم تنجح في إقناع الناخبين.

وفي هذا السياق، تبرز المفارقة بين محاولة ترمب البحث عن “كبش فداء” -حسب وصف التقرير- واستمرار التفكير في تصعيد عسكري جديد، إذ عرض هيغسيث وكين -إلى جانب قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر- مجموعة خيارات عسكرية على الرئيس ونائبه جيه دي فانس، تتراوح بين ضربات تستمر ساعات أو أياما أو أسابيع، والإبقاء على الحصار البحري في مضيق هرمز، وصولا إلى الانسحاب وإعلان انتهاء الحرب.

لكن الخيارات المطروحة تنطوي على مخاطر كبيرة. فاستئناف القصف قد يستهدف الدفاعات الإيرانية والبنية التحتية ذات الاستخدامين المدني والعسكري، أو يركز على البرنامج النووي، لكنه لا يضمن إجبار طهران على تقديم تنازلات. بل إن التجارب السابقة -وفق المجلة- أظهرت أن الضربات المحدودة دفعت إيران إلى مزيد من التشدد والرد على المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

وحذر مايكل كوهين -مدير مبادرة في مركز ستيمسون المعني بدراسة تكاليف التدخلات العسكرية الأمريكية- من أن استمرار الضربات دون تراجع إيراني سيكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية، متسائلا “إذا واصلتم ضربهم ولم يتراجعوا، فماذا ستفعلون؟ هل ستواصلون التصعيد؟”.

الأضرار الناجمة عن القصف الأمريكي على إيران تجاوزت 100 مليار دولار، في حين لم تنجح الضربات التي استهدفت القيادة في طهران والمنشآت العسكرية، ولا الحصار الذي استمر أكثر من 100 يوم، في إسقاط النظام أو إخضاعه.

بواسطة موقع هيل الأمريكي

الوهم الخطير

وتتعمق هذه التحذيرات في مقال رأي نشره موقع “هيل” الإخباري الرقمي للكاتبين جو كينت وبريت إريكسون، بعنوان “الوهم الخطير لغضب ملحمي مصغر”.

ويرى الكاتبان أن فكرة تنفيذ جولة محدودة جديدة من العمليات، تحت مسمى “الغضب الملحمي المصغر”، تقوم على افتراض خطير بأن واشنطن تستطيع التحكم في حجم الحرب ومدتها، متجاهلة حقيقة أساسية وهي أن “للعدو صوتا في الحرب”، بمعنى أن للطرف الآخر كلمته أيضا في الحرب، وأنه قادر على الرد وتغيير مسار المواجهة.

ويدعو كينت وإريكسون الرئيس ترمب إلى الاعتماد على تقديراته التجارية السابقة بدلا من مستشارين أقنعوه بإمكان تحقيق انتصار سريع.

ويقولان إن الجولة الأولى من عملية “الغضب الملحمي” انتهت إلى جمود عسكري، وتسببت في تداعيات اقتصادية دفعت الولايات المتحدة إلى الاقتراب من أزمة شبيهة بالكساد الذي شهدته حقبة الرئيس هربرت هوفر بين عامي 1929 و1933.

ويستند الكاتبان إلى تقديرات تشير إلى أن الأضرار الناجمة عن القصف وحده تجاوزت 100 مليار دولار، في حين لم تنجح الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية والمنشآت العسكرية، ولا الحصار الذي استمر أكثر من 100 يوم، في إسقاط النظام أو إخضاعه.

كما يشيران إلى تراجع قيمة العملة الإيرانية بنسبة 36.3%، من 1.72 مليون إلى 2.7 مليون ريال مقابل الدولار، دون وجود مؤشرات كافية على أن الإيرانيين باتوا على وشك الانتفاض لإسقاط النظام.

في المقابل، يلفت الكاتبان إلى أن 65% من الأمريكيين يعارضون طريقة تعامل ترمب مع الحرب، وفق استطلاع لمركز بيو للأبحاث، في حين بلغ سعر النفط 113 دولارا للبرميل، وتجاوز سعر الديزل 6 دولارات للغالون، واقترب البنزين من 4.20 دولارات. ويحذران من أن أي تصعيد جديد قد يدفع إيران إلى استهداف منشآت الطاقة في الخليج، بما يفاقم أزمة الأسواق العالمية ويزيد الضغوط على المستهلك الأمريكي.

من بيده القرار النهائي؟

ويؤكد المقال أن إيران لا تزال تمتلك قدرات للرد، رغم الخسائر التي لحقت بقواتها البحرية والجوية وقيادتها. كما يشير إلى ارتفاع الهجمات على السفن العابرة للممرات البحرية في أكتوبر/تشرين الأول المنقضي، وإجراء طهران عشرات التجارب الصاروخية، بينها أكثر من 30 تجربة في 11 من الشهر نفسه، استعدادا لاحتمال استئناف الحرب الشاملة.

ومن هنا، يقترح كينت وإريكسون العودة إلى مذكرة التفاهم التي أوقفت القتال وأتاحت استئناف تدفق النفط، أو إعلان ترمب النصر ورفع الحصار وسحب القوات الأمريكية من المنطقة.

ويريان أن الانسحاب قد يقلل دوافع إيران لتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ويفتح المجال أمام تسوية دبلوماسية تسمح للطرفين بادعاء تحقيق مكاسب.

وتتلاقى هذه الرؤية مع التحذيرات التي أوردتها مجلة أتلانتيك بشأن محدودية الخيارات العسكرية، واحتمال ارتفاع أسعار النفط واستنزاف الذخائر وتعريض القوات الأمريكية لمزيد من الخسائر. كما أن أي تصعيد قد يفاقم التوتر مع إيران ووكلائها الإقليميين، من دون معالجة تهديداتهم بصورة شاملة.

في المحصلة، لا تبدو معركة ترمب المقبلة محصورة في تحديد ما إذا كان سيقصف إيران مجددا، بل في تحديد من سيدفع ثمن حرب لم تحقق النصر الموعود.

وقد يكون هيغسيث المرشح الأبرز لتحمل المسؤولية، بالنظر إلى موقعه السياسي واتهامه بتضخيم الإنجازات، في حين يظل كين عرضة لتداعيات الصراع داخل المؤسسة العسكرية. لكن إقالة مسؤول أو تحميله المسؤولية لن يبدل حقيقة أن القرار السياسي والعسكري النهائي كان بيد الرئيس نفسه.