رواية «تمر قرنفلي» للكاتب عواد علي، الصادرة عن دار خطوط وظلال 2025 تأتي في لحظة عربية مثقلة بالأسئلة، حول الذاكرة والهويّة والمكان، وهي لحظة يظل فيها الأدب أداة أساسية لمساءلة التاريخ من موقع فردي، لا يطمح إلى تقديم صورة كلية أو جامعة، بل إلى تعرية التفاصيل الصغيرة التي غالبا ما يطويها الخطاب الرسمي. وإذا كان الموت يشكّل مدخل النص ومحرّكه، فإنه لا يُطرح كحدث بيولوجي فحسب، بل كقوة كاشفة تعيد ترتيب العلاقات الإنسانية، وتدفع السارد إلى استعادة الماضي بحثا عن معنى إنساني وسط الخراب. من هنا، تتخذ الرواية موقعها بين الروايات التي لا تكتفي بتمثيل الواقع، بل تصرّ على مساءلته وإعادة تركيبه.

الذاكرة بوصفها بديلا عن التاريخ

لا تُطرح الذاكرة في «تمر قرنفلي» كمرآة للأحداث، فهي لا تستعيد الماضي بصفته حقيقة ناجزة، بل تفتحه من جديد على احتمالات متعددة، بحيث يتحول كل استدعاء إلى إعادة صياغة. ولعلّ هذا ما يجعل النص أقرب إلى حقلٍ مفتوح للتأويل منه إلى سجلّ أرشيفي مغلق. إن السرد يقوم على تشظي الذاكرة وتقطعها: صور الجدّ وهو يحكي، محطات القطارات، الجنائز، الأسواق، البيوت القديمة؛ كلها تأتي كقطع فسيفساء لا تجتمع في لوحة متماسكة، وإنما تظلّ في حالة انزياح دائم، لتُذكّر القارئ بأن الذاكرة ليست أداة للوضوح، بل إنها مجال للالتباس.
بهذا المعنى، تضع الرواية قارئها أمام تاريخ بديل، لا يتأسس على الأرقام والوثائق، بل على الأصوات الهامشية، التي تُروى غالبا في الهامش العائلي والشخصي. فالرجل العادي، الجدّ، الحارس الليلي، أو الابن الذي يشيّع جنازة، نهود السمراء، يتحولون إلى رواة للتاريخ أكثر صدقا من المؤرخين. إنّ ما تسرده الشخصيات ليس مجرد وقائع، بل خبرات حية تحمل بصمات الانفعال والخيال، وبذلك تُكسب الأحداث طابعا إنسانيا يتجاوز ما يمكن أن يُختزل في نصوص الأرشيف. الرواية تذهب أبعد من ذلك، إذ تكشف أن الذاكرة ليست مخزنا محايدا، بل ميدان صراع؛ فهي تنتقي وتعيد ترتيب الأحداث، حسب الحاجة الشعورية والرمزية للشخصيات، واستدعاء حكايات الجدّ مثلا، لا يُقصد منه مجرد ترفيه، أو اجترار للماضي، بل ينهض كاستراتيجية دفاعية في مواجهة حاضر مهدّد. هكذا تتحول الذاكرة إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان ومقاومة الروايات المهيمنة التي تمحو تفاصيل العادي والهامشي.

اللغة بين التوثيق والتشظي

اللغة هنا ليست مجرد وسيلة سرد، بل هي الفضاء الذي تتكشّف فيه التجربة، وتتكثف عبره التوترات بين الذاكرة والحاضر، بين الحلم والوثيقة. إنها لغة مترددة بين نزعتين متناقضتين ظاهريا، نزعة التوثيق ونزعة التشظي. من جهة أولى، تسعى اللغة إلى الدقة، إلى تسجيل التفاصيل الصغيرة بعين الراوي الذي يصرّ على أن يحفظ كل ما يمكن أن يتسرّب من ذاكرته: أسماء الأشخاص (محمود، مراد، دلير، نازدار، نهود السمراء التي تشبه التمر القرنفلي ومن هنا اخذت الرواية عنوانها)، أسماء الأمكنة (كركوك، البصرة، الأحياء والأسواق)، الطقوس الشعبية، وحتى أصوات الجنائز، وألوان الطين والبيوت. بهذا التوجّه التوثيقي، تتحول اللغة إلى نوع من الأرشفة الشفوية التي تمنح النص قيمة مرجعية، كأنه يريد أن يقول: أنا أسجّل ما يمكن أن يُمحى. في الوقت نفسه، لا تسمح اللغة لهذه الرغبة في التوثيق أن تتحقق بشكل كامل؛ إذ سرعان ما تنكسر بوعي سردي يجعل من التشظي جزءا من بنيتها. الجمل تنقطع فجأة، الحوارات تُروى ناقصة، والأحداث تنزلق من سياقها الزمني إلى آخر دون مقدمات. هذا التعثّر المتعمّد يشكّل أسلوبا دلاليا، إذ يوحي بأن الحقيقة نفسها ليست متماسكة، وأن الماضي حين يُستعاد لا يعود متسلسلا أو مكتملا، بل مبعثرا ومهدّدا بالغياب. ومن جهة جمالية، تستثمر الرواية الطبقات المتعددة للغة: لغة الحياة اليومية البسيطة، لغة الحكايات الشعبية والأسطورية، ولغة السرد التأملي الذي يقترب من الفلسفة. هذا التعدد يخلق إيقاعا داخليا يضع القارئ في مواجهة أنماط متباينة من الخطاب، فلا يستطيع أن يستسلم لنسق واحد، بل يجد نفسه مضطرا للانتقال من صوت إلى آخر، من مستوى لغوي إلى آخر، كما لو أن الرواية تقول: لا وجود لصوت واحد يختزل التجربة. بهذا، تتحول اللغة إلى مرآة للواقع لا تعكس صورته، بل كسوره. إنها لغة لا تطمئن القارئ بالوضوح، بل تدفعه إلى مواجهة الالتباس، إلى إدراك أن كل ما يُقال محاط بما لا يُقال، وأن الحقيقة في جوهرها ليست سوى صراع دائم بين الرغبة في القبض على الماضي واستحالة الإمساك به.

الأسطورة كاستراتيجية سردية

لا تحضر الأسطورة في الرواية بوصفها مادة تراثية جامدة أو ملحقا زخرفيا يضاف إلى الحكاية، بل تتقدّم كآلية سردية فاعلة تسهم في إعادة صياغة التجربة الإنسانية للشخصيات. فهي لا تُروى كقصص معزولة عن الواقع، بل تتشابك مع اليومي وتعيد تفسيره، بحيث لا يعود ممكنا الفصل بين الذاكرة والأسطورة، بين الواقعة والتأويل. إن استدعاء صور مثل الثور المجنّح، وأبقار الجنة، وحكايات الجدّ الشعبية لا يقدَّم في سياق الحنين إلى الماضي أو التزيين البلاغي، وإنما كحاجة وجودية للشخصيات في مواجهة حاضر مشبع بالموت والفقد. في اللحظة التي يعجز فيها الواقع عن تقديم تفسير مقنع لانهيار العالم من حولهم، تنهض الأسطورة كبديل رمزي يمنح الخسارات معنى آخر. إنها تفتح أفقا للخيال يوازن ثقل التجربة، وتحوّل الفقد من حدث صامت إلى صورة قابلة للتأمل.
الأسطورة في هذا السياق تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تعويضية، إذ تمنح الشخصيات متنفسا من ضغط الواقع عبر اللجوء إلى عالم رمزي أكبر من حدودها الفردية؛ وهي من جهة أخرى تأويلية، إذ تعيد
ترتيب أحداث التاريخ الشخصي والجماعي ضمن نسق يضفي عليها معنى يتجاوز العبثية الظاهرة. فحين يتجاور مشهد الجنازة مع ذكر الثور المجنّح، لا يبدو ذلك انحرافا عن السرد، بل محاولة لترسيخ فكرة أن الموت الفردي يكتسب بعدا أسطوريا، وأن التجربة اليومية تُقرأ عبر مرآة الميثولوجيا. إنها إذن استراتيجية سردية تهدف إلى مساءلة الواقع عبر مرآة الرمز.

المكان كفاعل سردي

المكان في «تمر قرنفلي» لا يُقدَّم كإطار محايد لاحتضان الحكاية، بل ينهض بصفته عنصرا بنائيا يوازي الشخصيات في حضوره وتأثيره. فالشوارع، البيوت، الأسواق، المقابر، والقرى، ليست مجرد مسارح للأحداث، وإنما تتحوّل إلى كائنات حية ذات ذاكرة وملامح، تتحاور مع الشخصيات وتعيد تشكيل مصائرها. فالرواية تمنح المكان صوتا داخليا، بحيث يبدو وكأنه يسرد من خلال تشققاته وخرائبه في أزمنة السلم والحرب تاريخا موازيا لذاكرة البشر. على سبيل المثال تُرسم مدينة كركوك بوصفها فضاء مركّبا، متعدد اللغات والأصوات، مكانا تتعايش فيه الهويات ثم تتنازع وتتشظى. وهي في الرواية ليست مدينة ثابتة في خرائط الجغرافيا، بل كيان متحوّل يعكس التوترات السياسية والاجتماعية، ويعيد إنتاجها داخل حياة الأفراد. فالمكان هنا لا يُقرأ جغرافيا فحسب، بل رمزيا وثقافيا؛ إنه يمثل الذاكرة الجمعية التي لا تكف عن التذكير بالانقسام والتنوع في آن واحد. كما أن القرى والبيوت الطينية تستعاد في النص لا كمشاهد ماضية، بل كذاكرة جسدية، تلتصق بروائح الطين وأصوات النساء وأهازيج الطقوس الشعبية. هذه البيوت تحمل ملامح أصحابها حتى بعد رحيلهم، وتبقى شاهدة على الغياب. أما المقابر، فهي لا ترد كمواقع للموت وحده، بل كبؤر لاستمرار الحكاية. فكل جنازة تستدعي تاريخا طويلا من الغياب والفقد، وتحيل إلى موت أكبر يتجاوز الفرد ليشمل الجماعة. بهذا المعنى، تصبح المقبرة جزءا من نسيج المدينة، ونصا موازيا لا يقل أهمية عن نص الشخصيات.

الهوية بين التشظي والانتماء

الهوية في «تمر قرنفلي» لا تُقدَّم كمعطى جاهز أو حقيقة منجزة، بل كمسار مضطرب يتشكل عبر التمزق والانكسار، ثم يعاود بناء نفسه في محاولة مستمرة لإيجاد معنى للوجود. فالشخصيات في الرواية، بدءا من الجدّ وصولا إلى الأبناء والأحفاد، وانتهاء بشخصية نهود المحورية، تتحرك داخل فضاء اجتماعي وسياسي يفرض عليها صراعا معقدا بين الرغبة في الانتماء إلى جماعة أو مكان، ووعيها بالتشظي الذي يفتّت هذه الانتماءات. وهذا ما يتكشف بشكل واضح من خلال ما تعانيه نهود من تمييز عنصري بسبب لون بشرتها.
تنعكس هذه الهوية المأزومة في تعددية الأصوات واللغات داخل النص: العربية، الكردية، التركمانية، كلها تتقاطع وتتصادم، كما لو أن كل لغة تحمل معها سردية مختلفة عن الذات والتاريخ. هذا التعدد اللغوي لا يُطرح كتعدد هوياتي مريح، بل كجرح، كعلامة على التمزق العميق الذي يعيشه الأفراد داخل فضاء متصدع. إن الرواية تقول ضمنا إن الهوية في هذا السياق ليست وحدة صافية، بل فسيفساء لا تنفك تتصدع وتُعاد صياغتها. في لحظات السرد، يظهر أن الانتماء ليس خيارا شخصيا، بل قدر تاريخي يتجاوز الأفراد. إن الولادة في كركوك أو في إحدى القرى المحيطة لا تعني مجرد موقع جغرافي، بل تحديدا مسبقا لمسار الهوية، بكل ما يتضمنه من صراعات قومية ودينية واجتماعية. ومع ذلك، تترك الرواية مسافة نقدية: فهي لا تسلّم بأن الهوية محدَّدة بشكل مطلق، بل تكشف عن إمكان إعادة صياغتها عبر الذاكرة والحكاية واللغة.
ويظهر التشظي بشكل جليّ في علاقة الشخصيات بذواتها. فالسارد، وهو يستعيد الماضي، لا يقدّم صورة متماسكة عن نفسه، بل وجوها متعدّدة، تارة بصفته فردا في عائلة مثقلة بالغياب، وتارة كجزء من مدينة تعيش على حدود الانقسام، وتارة كصوت يذوب في أصوات الآخرين. إن هذه الهجنة السردية تعكس جوهر الهوية في الرواية: أنها ليست جوهرا ثابتا، بل شبكة من العلاقات والذكريات والتمزقات.
الهوية إذن في الرواية ليست صورة متماسكة تُقدَّم للقارئ كحقيقة نهائية، بل سؤال مفتوح ينهض في كل صفحة: من نحن في مواجهة الذاكرة س؟ كيف نُعرّف أنفسنا في مكان يتشظى باللغات والانقسامات؟ وكيف نحافظ على خيط من الانتماء وسط عالم يتبدد؟ هذه الأسئلة لا تجد إجابة حاسمة، بل تُترك كأصداء تتردد بين ثنايا النص، مؤكدة أن الرواية لا تبحث عن يقين، بل عن وعي مأزوم بكون الهوية نفسها رحلة دائمة بين التشظي والانتماء.

 كاتب عراقي