عرف النقد العربي مسارين من النقد: العمودي، وهو النشاط الذي يتمركز على كاتب، أو كتاب، في زمن ما، والأفقي الذي يتناول الأعمال الأدبية في الزمن، أو الحقبة ذاتها. في البداية كان نجيب محفوظ مركز النقد العمودي العربي، قوة روايات محفوظ، في ثقافة تفتقر إلى الرواية، وإلى الروائيين، جعلت منه مركزاً تدور حوله، كل، أو معظم الممارسات النقدية في عصره، وفي العقود التالية، حصل كتاب الطيب صالح على قيمة مماثلة، وباتت روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” واحدة من الأعمال التي يتدرب على النقد في معناها جميعُ من كتب في النقد أو معظمُهم، في العالم العربي. لكن تلك الرواية لم تستطع أن تدخل إلى الأدب العربي تأثيراً، بل خطاباً يستخدم في الكتب التي ناقشت قضية موقف الشرقي من العالم الغربي، ويبدو لي أن ذلك الخطاب سجَن الرواية، بصرف النظر عن شهرتها العالمية، ومنعها من التأثير في الوسط الروائي العربي، رغم جديدها الفني الذي استعار فيه الطيب صالح أفضل ما وصلت إليه الرواية في العالم، ورغم أن رجاء النقاش وصف الروائي حين أصدر روايته، بأنه “عبقري الرواية العربية”.
وفي نهايات الستينيات برز اسم حنا مينة في الرواية العربية، كان الروائي قد أصدر ثلاث روايات، قبل أن تظهر قيمته الفكرية، “المصابيح الزرق”، و”الشراع والعاصفة”، و”الثلج يأتي من النافذة”، وربما كان للناقد المصري غالي شكري الفضل في ذلك الإشهار، منذ أن صدر كتابه “رحلة العذاب في الرواية العربية” عام 1971. وفيها مقال يشبه إلى حد بعيد التقريظ الذي حظيت به رواية الطيب صالح. وبين حنا مينة وإبراهيم الكوني برز اسم عبد الرحمن منيف، ونالت روايته “مدن الملح” شهرة واسعة أيضاً.
في كل الأعمال النقدية التي تناولت روايات محفوظ ومينة والطيب صالح وعبد الرحمن منيف، استحوذ الموضوع على جوهر النقد، المنتمي في أدب محفوظ، عالم حنا مينة الروائي، الشرق والغرب والعلاقة بينهما في رواية الطيب صالح، أي علاقة الرواية بالسياق الاجتماعي والتاريخي، ورؤية الروائي للعالم. وحين انتقل النقد إلى دراسة الأشكال والدلالات عاد مرة أخرى إلى أعمال محفوظ، يستخلص منها ما تريده البنيوية أو غيرها من مدارس النقد التي اهتمت بالبنية الفنية للأعمال الروائية.
معظم النقاد العرب يولون التقنيات وفن الكتابة اهتماماً واضحاً
اللافت أن يتوازى انتشار الرواية العربية أفقياً، على مساحة الجغرافية العربية كلها، مع تخلي النقاد، أو معظم الأسماء المعروفة من بينهم، عن مهام النقد.
أفقياً حققت الرواية العربية بعد محفوظ وغيره كماً هائلاً من أسماء الروائيين، ومن الروايات، في العقود الماضية من الخمسينيات حتى اليوم، ومن بينهم روائيون حققوا تجاوزاً فنياً لافتاً لجميع الروائيين الأكثر شهرة، فالشهرة في عالمنا العربي ليست من صناعة الفن، بل من شغل التعبئة والدعاية، التي كانت مشغولة في العقود الماضية كلها، ولا تزال حتى اليوم، بخطاب الرواية ورسالتها، وماذا يقول الروائي.
الملاحظ اليوم أن معظم النقاد العرب يولون التقنيات وفن الكتابة اهتماماً واضحاً، غير أن الأمر بات يقتصر على النظرية، بينما يضمحل نشاط التطبيق.
ليس للرواية إلا أن تنتظر.
* روائي من سورية
