مزجت فاروق بين الطربية التي شكّلت تجربتها وتقنيات توزيع حديثة (صفحة الفنانة على فيسبوك)
بعد أكثر من عقدين قضتهما مي فاروق في غناء التراث الكلاسيكي، من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب إلى وردة وشادية وعبد الحليم، أطلقت ألبومها الأول “تاريخي” الذي يضم تسع أغانٍ متقاربة في المزاج، ومختلفة في البنية المقامية والإيقاعية، لتشكل أغاني الألبوم خريطة موسيقية لمطربة تبحث عن استقلالها الفني.
تختبر فاروق في “تاريخي” صوتها خارج ظل الأسماء القديمة؛ فمزجت بين الطربية التي شكّلت تجربتها، وتقنيات توزيع حديثة تعيد بها كتابة أسلوبها الغنائي وفق صيغة ساهم في إعدادها ملحنون بارزون، أمثال مدين وتامر عاشور وعزيز الشافعي ومحمد النادي، إلى جانب عدد من أهم كتّاب الأغنية، أمثال تامر حسين ونادر عبد الله وعبد الرحمن محمد. أما التوزيع، فتولته أسماء مثل: يحيى يوسف وأحمد إبراهيم وأحمد عبد السلام وهاني يعقوب ونادر حمدي وتوما.
جاءت الأغنية الرئيسية التي تحمل اسم الألبوم بطابع درامي على مقام النهاوند، ومن خلالها يمكن للمستمع أن يستعيد روح التسعينيات التي يروج لها لحن مدين، بينما يبرز الطابع الدرامي بتوزيع يحيى يوسف، من خلال مزيج الوتريات (الكمان والتشيلو)، ويوفر البيانو أو الكيبورد طبقات صوتية إضافية، ليمنح هذا الميكس الصوتي دفئاً شبيهاً بتسجيلات الحفلات القديمة، وخلال ذلك تنتقل مغنية الأوبرا بين الطبقات الصوتية في سهولة، مستحضرة العُرب الكلاسيكية من دون استعراض.
وعلى المقام نفسه (نهاوند) صاغ مدين “أنا اللي مشيت”. تبدأ الأغنية بنبرة رومانسية شجية، أملاها البيانو إلى جانب الوتريات (التشيلو والكمان) التي دخلت تدريجياً بعد ثوان من عزف البيانو، ليضفي ذلك عمقاً درامياً وطابعاً حزيناً سرعان ما يتبدد إثر دخول الإيقاع متوسط السرعة الذي يضفي قدراً من الحيوية علي الأغنية، معبراً عن معاني رفض الانكسار بعد علاقة مؤلمة. أما القالب العام للحن، فجاء شبيهاً إلى حد كبير بالأغاني الدرامية العاطفية السائدة، ليفتقر العمل إلى بصمة لحنية أو توزيعية تجعله مختلفاً عن أغاني مطربات أخريات.
جاءت الأغنية الثالثة “ضحكت فجأة” من ألحان تامر عاشور. اعتمد اللحن في خلق حالة الرومانسية على جمل انسابت صعوداً وهبوطاً عبر درجات مقام البياتي بسلاسة كبيرة، وعلى تكرار بعض الجمل اللحنية في الكورس بجاذبية، فيما أضفى توزيع نادر حمدي لمسات شاعرية باستخدام الغيتار والأكورديون، وامتاز الإيقاع بسرعة متوسطة، وبدا قريباً من نمط الـPop Ballad، في تناسب مع طبيعة الأغنية الرومانسية الهادئة.
تأتي بعد ذلك أغنية “بنات الخلق” من ألحان مدين، واعتمد في هذا اللحن على مقام النهاوند، وهو المقام نفسه المستخدم في “تاريخي” و”كان نفسي أقابلك”، ليمنح الأغنية التي تتحدث عن خيبة الأمل بالحبيب طابعاً درامياً مؤثراً، مؤسساً أيضاً لنغمة هادئة وتأملية يتقدمها البيانو، ليتداخل معها الغيتار مباشرة في إضافة لطبقة هارمونية دافئة، فيما أضفى الساكسفون الذي ظهر في الفواصل لمسة شجية عززت من الطابع العاطفي للأغنية، وجاء أداء مي فاروق سلساً، لتتنقل في خفة بين الطبقات الهادئة ببداية الأغنية والطبقات الأعلى والأكثر قوة.
في “اللي شافنا”، ابتعدت فاروق عن النغمة الدرامية التي سيطرت على عدد من أغاني الألبوم، فقدمت لوناً موسيقياً مغايراً ارتكز على إيقاع الهاوس ميوزك السريع والراقص، واعتمد لحن عزيز الشافعي في البناء المقامي على العجم، ما منح العمل طابعاً جذاباً تناسب مع مشاعر الفرح والسعادة التي غلفت كلمات تامر حسين، فيما تميز توزيع هاني يعقوب بخفته وحيويته، من خلال الاعتماد على الإيقاع.
منح اختيار مقام العجم العمل توازناً بين كلمات الأغنية الفرحة وإيقاعها الحيوي، بدلاً من جرّه صوب الشجن، وإن جاءت بنية الأغنية كلاسيكية نوعاً ما: مقدمة طويلة، وكوبليه أول يقدّم الحالة، وكوبليه ثانٍ يفتح التطريب، متمثلاً بالمدّات الصوتية بنهايات العبارات، والتحكّم في الطبقة العليا، والتلوين داخل الكلمة نفسها، يلي ذلك إعادة ختامية تعيد القرار وتغلق الدائرة اللحنية، وبينما اعتمد التوزيع على الطبول والإيقاع بنسق محسوب لتوليد حالة وجدانية متصاعدة، منح المزمار في الفواصل الأغنية طابعاً شعبياً.
في أغنية “كان نفسي أقابلك”، تماهى لحن محمد النادي مع صيغة شاعرية قدمها تامر حسين في كلماته، وعبرت عن ندم الحبيبة علي سنوات ضائعة سبقت لقائها بحبيبها. وبينما اعتمد اللحن على مقام النهاوند الدافئ، مال يحيى يوسف في التوزيع إلى البيانو والغيتار، ما منح العمل بعداً رومانسياً كلاسيكياً مبتعداً بذلك عن القوالب السريعة أو الإيقاعية الصاخبة، وقد يتنبه المستمع إلى تشابه بين لحن الأغنية و”بنلف نلف” لبليغ حمدي.
في “ميزني”، صاغ تامر حسين كلماته لتعبر عن حاجة أنثوية عميقة للتقدير، ترجمها تامر عاشور عبر مقام النهاوند من خلال لحن دافئ، اتسم بسلاسة جمله اللحنية وتدرجه الذي خدم صوت فاروق، وإن حمل اللحن نمطاً متكرراً لعاشور في أغانيه الرومانسية. أما بصمة العمل فتتجلى في توزيع أحمد إبراهيم، الذي جعل العود البطل الأبرز في المقدمة والفواصل، لتضفي الآلة طابعاً شرقياً على العمل، متفوقة في الوضوح على لمسات البيانو والوتريات الخفيفة مع إيقاع الـMid-tempo الهادئ، ومنح هذا الأغنية تفرّداً في قالب البوب الرومانسي، إلى جانب أداء مي فاروق الذي اتسم بالتحكم الصوتي الفائق، حيث وظفت عُرَبها الطربية بذكاء لتعزيز المعنى من دون مبالغة.
ومن حفل زفافها وإخراج زوجها الممثل محمد العمروسي، قدّمت مي فاروق ضمن ألبومها أغنية “سلطانة” التي صاغ كلماتها الشاعر عبد الرحمن محمد، وعبرت في لغة مباشرة وبسيطة عن الفرحة الكبيرة التي شعرت بها الحبيبة لوجود حبيبها معها، ويهدي مدين هذا المعنى لحناً مبهجاً وسلساً من مقام العجم، فيما اعتمد التوزيع على الآلات الإيقاعية والكيبورد، أما أداء فاروق فتمتع بمرونة صوتية في التنقل بين الطبقات بعيداً عن التعقيد الطربي.
وعلى مقام العجم أيضاً وإيقاع الهاوس السريع والراقص، جاءت أغنية “باركوا” من كلمات تامر حسين ولحن مدين. تميزت كلماتها بالبساطة، فيما اعتمد لحنها على جمل قصيرة ومكرورة، ليسهل التقاطها وحفظها، على اعتبار أن هذا التكرار المدروس هو التكنيك الأبرز في أغاني الأفراح. أما التوزيع، فاعتمد على الآلات الإيقاعية والكيبورد لخلق جو احتفالي دافئ، وجاء أداء مي فاروق عفوياً ومناسباً لطبيعة العمل، إذ المغنية صوتها مع الإيقاع السريع وأظهرت جانباً مرحاً، ابتعدت فيه عن اللون الطربي.
