منذ حلقاته الأولى، نجح مسلسل الغميضة، أحد أبرز أعمال الدراما الكويتية في موسم رمضان 2026، في استدعاء موجة من الحنين إلى الماضي، عبر إعادة إحياء أجواء سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة ما تزال تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الجمعية، ليس فقط لدى من عاصروها، بل أيضا لدى أجيال لم تشهدها لكنها تشكلت على صورتها المتخيلة.

وقد أسهمت عناصر فنية متعددة في تعزيز هذا الإحساس، من حسن اختيار الأغاني الرائجة آنذاك، إلى الديكورات، وأساليب تصفيف الشعر والمكياج، وهي تفاصيل منحت العمل هوية بصرية واضحة، وأعادت تشكيل روح تلك المرحلة بقدر ملحوظ من العناية والاهتمام.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of listالزمن وحده لا يصنع النجاح

غير أن استحضار الزمن وحده لا يكفي لضمان النجاح؛ فقبول الجمهور أو رفضه لأي عمل يظل رهنا بمدى نضج المعالجة الدرامية وتماسك الرؤية الفنية. فالزمن عنصر مهم في بناء الجو العام، لكنه ليس الفيصل، إذ تبقى زاوية الرؤية، والتناغم بين القصة والشخصيات، وقدرة السرد على الإقناع، هي الأساس الحقيقي لنجاح أي عمل.

فريق العمل وتوقعات الجمهور

ومع نص يحمل توقيع الكاتبة هبة مشاري حمادة، ورؤية إخراجية لعلي العلي، وطاقم تمثيلي يضم أسماء بارزة تتقدمهم هدى حسين، وعبد الرحمن العقل، وإبراهيم الحربي، بدا من الطبيعي أن يتحول مسلسل الغميضة إلى مادة غنية للنقاش والتحليل. غير أن هذا الترقب لعمل متكامل اصطدم منذ وقت مبكر ببعض الاختيارات الدرامية التي أثارت جدلا واسعا، ولا سيما في طريقة رسم شخصية “الأم الكفيفة”.

يقدم الغميضة حكاية أسرة بسيطة؛ أب يعمل فراشا، تؤدي دوره شخصية يجسدها عبد الرحمن العقل، وأم كفيفة تمتهن الخياطة، تجسدها هدى حسين. إلا أن الجدل لم يكن مرتبطا بالحبكة بقدر ما انصب على الكيفية التي عُرضت بها شخصية الأم الكفيفة، وما حملته من مقاربات درامية أثارت تساؤلات حول تمثيل الإعاقة في العمل.

جدل تقديم شخصية الأم الكفيفة

المثير أن المشاهد لا يكتشف فقدان الشخصية لبصرها إلا في منتصف الحلقة الأولى؛ إذ تظهر وهي تتحرك داخل المنزل بحرية كاملة، من دون عصا أو تحسس للأثاث، وبسلاسة لا تختلف كثيرا عن حركة الشخص المبصر، بل تتجاوزها أحيانا على نحو يبدو غير واقعي. كما تتعامل مع موقد النار بثقة مطلقة، وتصب الحليب الساخن بدقة لافتة، من دون أي تردد أو تعثر، ما يطرح تساؤلات حول منطقية هذا التقديم الدرامي.

 

بين الفكرة الدرامية والواقع الإنساني

تقديم شخصية كفيفة في الدراما ليس إشكالا في حد ذاته، بل على العكس، هو فرصة نادرة لاختبار قدرة الكاتب على الغوص في التجربة الحسية المختلفة، وكيف يعاد بناء العالم بعين غير المبصر. غير أن المشكلة في “الغميضة” تكمن في الطريقة التي جرى بها تصوير هذه الشخصية، والأكثر إثارة اختيار الخياطة مهنة تعتمد على تفاصيل دقيقة: اختيار الأقمشة، تمييز الألوان، التعامل مع القياسات، متابعة الخطوط والقصات، وتتطلب دقة بصرية فائقة في لضم الخيط والإبرة.

غياب التبرير الدرامي

صحيح أن هناك نماذج واقعية لأشخاص مكفوفين تمكنوا، عبر التدريب الطويل وتنمية الحواس الأخرى، من ممارسة مهن دقيقة، إلا أن الغميضة لم يقدم للمشاهد أي جسور إقناع تشرح كيف بلغت الشخصية هذا المستوى من المهارة. غاب مسار التعلم، كما غابت الإشارات البصرية والدرامية التي تمنح هذا التقديم شرعيته، ليبدو الأمر أقرب إلى قدرة استثنائية غير مفسرة، أو “معجزة درامية”، منه إلى تجربة إنسانية قابلة للتصديق.

وعندما تتحول الإعاقة إلى مجرد عنصر شكلي أو “ديكور درامي”، تفقد قيمتها المعنوية وتتحول إلى عبء على السرد. فبدلا من تعميق التعاطف مع الشخصية، تخلق هذه المعالجة شعورا بالمسافة بين المشاهد والعمل، نتيجة التناقض الواضح بين ما يعرض على الشاشة وما يعرفه المتلقي عن الواقع.

أدوار الممثلين… أزمة أعمار طلاب جامعة في الأربعين

إلى جانب ذلك، واجه العمل جدلا آخر يتعلق بملاءمة أعمار الممثلين للأدوار المسندة إليهم. فعلى الرغم من ضم الغميضة مجموعة من الممثلين ذوي الخبرة، رأى عدد من المتابعين أن إسناد أدوار طلاب ثانوية أو جامعة إلى ممثلين في أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات أضعف الإقناع البصري، خصوصا في حالات مثل فاطمة الصفي ومحمود بوشهري، حيث بدت الفجوة العمرية بين الممثلين وشخصياتهم واضحة للعين.

ظاهرة متكررة في الدراما

ولا تعد هذه الظاهرة جديدة على الدراما العربية، إذ يلجأ بعض المخرجين إلى اختيار ممثلين أكبر سنا، اعتمادا على خبرتهم وقدرتهم على تقمص الشخصيات، مع التعويل على الملابس والمكياج لتقليص الفجوة العمرية وإقناع المشاهد.

غير أن هذا الخيار لا ينجح دائما، إذ كثيرا ما يظهر التناقض بين عمر الممثل وطبيعة الدور، ما يضعف مصداقية الشخصية ويؤثر في تلقي العمل. وفي حالة الغميضة، بدا هذا النوع من الاختيارات، بالنسبة لعدد من المشاهدين، عاملا إضافيا يعزز الإحساس بعدم الواقعية، ويعمق الفجوة بين الطموح الفني والتنفيذ الدرامي.

عبثية بعض المشاهد

في الحلقة الأولى، يصدم الابن جمال شخصا بسيارته، ويعود إلى المنزل ملطخا بالدماء، قبل أن يظهر ذلك الشخص مجددا وسط ذهول أفراد الأسرة، ليكتفي بطمأنتهم قائلا إنه بخير. هذا التحول السريع من لحظة الصدمة إلى تجاوز الحدث بهذه البساطة جعل المشهد يبدو بعيدا عن المنطق، وغير مفهوم تأثيره الدرامي.

معجزة الثوب الجاف مشهد أثار السخرية على منصات التواصل

أما في الحلقة الرابعة، فقد تحول أحد المشاهد إلى مادة ساخرة على منصات التواصل الاجتماعي، عندما عاد الابن “جمال” بعد مشهد طويل من النواح والحداد ظن خلاله الجميع أنه غرق، ليظهر لاحقا بعد خروجه من البحر بثياب جافة تماما. وقد أصبحت هذه اللقطة مثالا متداولا على أخطاء التسلسل الزمني، إذ تعامل معها المتابعون بروح فكاهية، في انعكاس واضح لطريقة تفاعل الجمهور العربي مع تفاصيل الدراما الرمضانية وتحويل الهفوات الصغيرة إلى مادة للسخرية الجماعية.

الأداء الصوتي: سقطة “الراوي” وتغييب النجوم

من أكثر الخيارات الفنية إثارة للاستغراب في مسلسل الغميضة إسناد مهمة الراوي إلى الكاتبة هبة مشاري حمادة نفسها. فعلى المستوى التقني، جاء الأداء الصوتي ضعيفا، وافتقر إلى دقة مخارج الحروف والسيطرة اللازمة على الإيقاع، في حين أن السرد الصوتي (Voiceover) فن قائم بذاته، يتطلب قدرة عالية على التلوين الصوتي والتحكم في النبرات، من الحزن إلى الترقب والتشويق.

أما دراميا، فكان من المنطقي، في ظل وجود ممثلة مخضرمة بحجم هدى حسين، أن يتولى صوتها مهمة السرد، لا سيما أنها بطلة العمل، وتعيش شخصية محكومة بـ”الظلمة”، ما كان يبرر حضور البوح الداخلي بوصفه امتدادا نفسيا للشخصية. غياب صوت هدى حسين عن السرد حرم العمل من قدر مهم من الحميمية، وأضعف الارتباط الوجداني بين المشاهد والبطلة.

 

حتى العنوان لم يسلم من النقاش: “الغميضة” أم “اللبيدة”؟

امتد الجدل إلى اسم المسلسل نفسه، إذ رأى البعض أن تسمية “الغميضة” لا تنتمي إلى التراث الشعبي الكويتي، حيث تعرف اللعبة محليا باسم “اللبيدة”، بينما تعد “الغميضة” تسمية شائعة في بلاد الشام. هذا النقاش يعكس حساسية الجمهور تجاه الدقة الثقافية في الأعمال التي تستحضر فترات زمنية وتراثا شعبيا.

تساؤلات معلقة في انتظار اكتمال الرؤية

يكشف “الغميضة” عن أزمة أوسع في بعض الإنتاجات الدرامية: الرغبة في تقديم أفكار لافتة دون استثمار كاف في تفاصيلها الواقعية. شخصية المرأة الكفيفة الخياطة كان يمكن أن تكون مدخلا لدراما حساسة وعميقة، لكن المعالجة جعلتها تبدو أقرب إلى التجريد منها إلى الحياة.

وبينما يستمر النقاش حول المسلسل، يبقى السؤال معلقا: هل نحن أمام محاولة جريئة لم تكتمل أدواتها، أم أمام كتابة اختارت سهولة التأثير السريع على حساب الصدق الدرامي؟

الحكم النهائي مؤجل

في النهاية، يبقى الحكم على مسلسلات رمضان خلال أسبوعها الأول حكما مبكرا لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة للعمل. ولنا عودة لتقييم مسلسل الغميضة، مع نهاية الشهر الكريم واكتمال التجربة الدرامية وتطور الأحداث ونضج الشخصيات مع نهاية الحلقات.