تفتح معارض الكتب المستعملة أبوابها كنافذة مضيئة تعيد للقراءة معناها الإنساني العميق، وتمنح الكتاب حياة ثانية تتجاوز حدود الرفوف المغلقة؛ إذ لم تعد هذه المعارض مجرد أسواق لبيع كتب عتيقة، بل تحوّلت إلى فضاءات نابضة بالحراك الثقافي، تتقاطع فيها حكايات القرّاء مع ذاكرة الورق، وتُصاغ فيها علاقة جديدة بين الإنسان والمعرفة.
وفي هذا المشهد، تتبدّى معارض الكتب المستعملة بوصفها رافعة ثقافية واقتصادية في آن، تكسر حاجز الكلفة، وتوسّع قاعدة القرّاء، وتعيد توزيع المعرفة بعدالة أكبر، بينما تفتح أمام عشّاق الكتب أبواب الاكتشاف، حيث تختبئ النوادر بين الرفوف ككنوز تنتظر من يعثر عليها. إنها حكاية كتاب لا يشيخ، وقارئ يجد طريقه برغم كل التحديات، ومشهد ثقافي يتجدّد بإرادة الشغف.
وفي الإمارات، تكتسب معارض الكتب المستعملة بُعداً مضاعفاً يتجاوز وظيفتها التقليدية؛ إذ تنسجم مع رؤية ثقافية شاملة تجعل من المعرفة حقاً متاحاً للجميع، وجسراً للتلاقي بين الثقافات، لتتحول إلى منصات حيوية تعكس ثراءً لافتاً، وتسهم في ترسيخ عادة القراءة ضمن نسيج الحياة اليومية، وذلك بحسب كتاب وزوار لتلك المعارض الذين أكدوا لـ«البيان» أنها غدت جزءاً أصيلاً من مشهد ثقافي يوازن بين الأصالة والانفتاح، ويمنح الكتاب فرصة دائمة للاستمرار والتأثير.
معرفة مستدامة
وكشفت الدكتورة مروى حمدي، الكاتبة المتخصصة في أدب الطفل، عن الأبعاد الجوهرية لمعارض الكتب المستعملة، مؤكدة أنها لم تعد مجرد منافذ لبيع الكتب القديمة، بل أصبحت ركيزة أساسية في ترسيخ استدامة المعرفة وتعميم الثقافة.
وأوضحت أن هذه المعارض تؤدي دوراً محورياً في تخفيف الأعباء المادية عن كاهل القراء، لا سيما في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار الإصدارات الجديدة، مشيرة إلى أن إتاحة الكتاب بتكلفة أقل تمنح القارئ مساحة أوسع للاستمرار في القراءة والتحصيل المعرفي دون أن تقف الكلفة حائلاً أمام شغفه.
وأكدت الدكتورة مروى أن قيمة هذه المعارض تتجاوز البعد الاقتصادي؛ فهي تمنح الكتاب حياة متجددة حين ينتقل من قارئ إلى آخر، مبينة أن هذا التداول يرسخ مفهوم الاستدامة، حيث يخرج الكتاب من حيز حبيس الرفوف ليدخل في دورة حياة مستمرة تلامس أبعاداً بيئية تتعلق بإعادة الاستخدام وتقليل الهدر.
كما لفتت إلى الجانب الإنساني والتربوي في هذه الفعاليات، حيث ذكرت أنها تسهم في ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى المعرفة، وتعزز لدى الناشئة قيم المشاركة والتداول، ما يدعم القراءة بوصفها ممارسة يومية.
وأوضحت أن ما يميز هذا النوع من معارض الكتب أنه يتخذ أشكالاً متنوعة، منها أسواق الكتب كـ«سوق الوراقين» بالشارقة، ومنها المبادرات الموسمية والسنوية ترتبط بفعاليات مثل «شهر القراءة» أو «جيت أفنيو» بدبي، مشيرة إلى أن هذا التنوع ينعكس أيضاً على طبيعة الجمهور الذي يجمع بين الطلبة والشباب الباحثين عن المعرفة بأسعار معقولة، وبين المهتمين بجمع الطبعات النادرة والكنوز التراثية التي قد لا تتوافر في الأسواق التقليدية.
وشددت على أن معارض الكتب المستعملة لا تنافس دور النشر، بل تكملها وتطيل عمر الكتاب في المشهد الثقافي.
ركيزة أساسية
وأكد الشاعر والإعلامي يوسف الغضبان أن معارض الكتب المستعملة تمثل ركيزة أساسية لدعم استدامة القراءة، واصفاً إياها بالخيار الذكي الذي يتيح للقارئ اقتناء مجموعة من الكتب بسعر كتاب جديد واحد.
وأوضح الغضبان أن هذه المعارض جعلت المعرفة في متناول ذوي الدخل المحدود، خاصة طلبة المدارس والجامعات، ما يسمح لهم بإشباع شغفهم المعرفي لعام كامل بتكاليف زهيدة.
وعلى صعيد المشهد الثقافي الإماراتي، وصف الغضبان هذه المعارض بأنها «مناجم معرفية» يترقبها القراء النهمون لاقتناص الطبعات النادرة وبناء مكتبات ضخمة بأقل التكاليف، مثمناً دعم القيادة الرشيدة في الدولة لمعارض الكتب بنوعيها الجديد والمستعمل، ما جعلها تتصدر المشهد محلياً وعالمياً.
ولفت إلى ميزة تنفرد بها معارض الكتب المستعملة في الإمارات، وهي التنوع اللغوي الهائل والتوليفة الثقافية التي تلبي احتياجات الزوار من مختلف البلدان؛ إذ لا تقتصر المعارض على اللغة العربية، بل تشمل الإنجليزية وعشرات اللغات الأخرى، ما يتماشى مع فكرة الثراء والتعددية التي تتمتع بها الإمارات حيث تزخر بأكثر من 200 جنسية تعيش على أرضها الطيبة.
واختتم يوسف الغضبان حديثه بالإشادة بحالة التناغم الثقافي التي تعيشها الإمارات، مؤكداً أن الدولة تتفرد بصناعة واحتضان هذا المزيج المعرفي في أجواء تسودها المحبة والتسامح والسلام.
من جانبه، رأى الشاعر والكاتب محمد ربيع حماد أن معارض الكتب المستعملة باتت تمثل طوق نجاة حقيقياً لجمهور القراء والمستكشفين الجدد لعالم الكتاب الورقي، موضحاً أن الارتفاع الحاد في أسعار الورق وتكاليف الطباعة والشحن قد حوّل اقتناء الكتاب الورقي الجديد إلى نوع من الترف الذي يرهق كاهل الطبقة المتوسطة والمثقفة على حد سواء.
وفي هذا السياق، أشار إلى التجربة الإماراتية الرائدة، حيث تتجاوز المعارض المفهوم التجاري الضيق لتصبح منصات مجتمعية تهدف إلى إتاحة المعرفة للجميع، مستشهداً بمبادرات ملموسة في الدولة، مثل مهرجان الوراقين للكتب المستعملة في الشارقة، والأجنحة المخصصة للكتب القديمة في معرضي الشارقة وأبوظبي الدوليين للكتاب.
ولفت حماد إلى أن هذه الفعاليات تمنح القارئ فرصة ذهبية للحصول على أمهات الكتب بأسعار زهيدة، قد لا تتجاوز ثلث ثمنها الأصلي في بعض الأحيان، متطرقاً إلى الدوافع التي تدعو الزوار إلى ارتياد معارض الكتب المستعملة، والتي وجد أنها تجمع بين ضرورة التوفير وشغف الاقتناء.
وبيَّن أن المحرك الأساسي لجمهور الطلاب وعوام القراء هو الجانب المادي، بينما يظل البحث عن الطبعات النادرة هو الوقود الروحي لطبقة الوراقين وصيادي الكنوز الثقافية.
وشدد حماد على أن هذه المعارض في الإمارات ليست مجرد منافذ بيع، بل هي «رئة اقتصادية» تضمن استمرارية التدفق الثقافي، وتحوّل القراءة من رفاهية نخبوية إلى حق متاح للجميع، مؤكداً أن الأولوية المادية قد تكون هي ما يملأ القاعات بالزوار، لكن «سحر النوادر» هو الذي يمنح هذه المعارض هويتها الوجدانية العميقة، ويحوّل رحلة البحث بين الرفوف إلى مغامرة استكشافية لاستعادة ذاكرة الورق المفقودة.
