شهدت دبي تراجعًا
حادًا في قطاع السياحة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أدت تداعيات الحرب بين
الولايات المتحدة وإيران إلى انخفاض كبير في أعداد الزوار وإلغاء آلاف الرحلات
والحجوزات، ما انعكس سلبًا على الفنادق والمطاعم وقطاع الضيافة بشكل عام.
أكدت “بي بي سي”
في تقرير موسع أن قطاع السياحة في دبي يواجه أزمة حادة، نتيجة التداعيات المباشرة للحرب
التي اندلعت في 28 شباط / فبراير الماضي، مشيرة إلى أن المدينة التي كانت تعد من أكثر
الوجهات السياحية ازدحامًا في العالم، تشهد اليوم تراجعًا حادًا في أعداد الزوار، مع
مغادرة معظم السياح وانخفاض ملحوظ في الحجوزات.
وأشارت الشبكة إلى
أن دبي كانت قد استقبلت خلال عام 2025 نحو 19.59 مليون زائر دولي، ما عزز مكانتها كواحدة
من أبرز المراكز السياحية عالميًا، إلا أن هذا الزخم تعرض لانتكاسة قوية منذ اندلاع
الحرب، حيث أصبحت المطاعم التي كانت تعج بالحياة في الأمسيات شبه خالية، في مشهد يعكس
عمق الأزمة التي تضرب القطاع.
ولفتت إلى أن مؤسسة
مجموعة “تاشاس” للمطاعم، ناتاشا سيديريس، أكدت أن التحول في السوق كان مفاجئًا
وحادًا، موضحة أنها افتتحت أول مطعم لها في دبي عام 2014، وتمكنت خلال عقد من الزمن
من التوسع إلى 14 فرعًا وتوظيف أكثر من ألف شخص، إلا أن الحرب الحالية ألقت بظلال ثقيلة
على أعمالها.
وأضافت سيديريس أن
إيرادات مطاعمها التي تعتمد على السكان والمقيمين تراجعت بأكثر من 50 بالمئة، بينما
انخفضت إيرادات الفروع التي تعتمد بشكل رئيسي على السياح بنسبة تتراوح بين 70 بالمئة
و80 بالمئة، ما دفعها إلى اتخاذ قرار بخفض رواتب جميع العاملين بنسبة 30 بالمئة، بمن
فيهم هي نفسها، لتجنب تسريح الموظفين.
وتابعت أن “الوضع
الحالي قاسٍ للغاية”، موضحة أنها واجهت خيارين صعبين: إما تسريح 30 بالمئة من
العاملين أو خفض الرواتب للحفاظ على الوظائف، مؤكدة أنها اختارت الخيار الثاني في الوقت
الراهن.
وأوضحت أن وجود عدد
من مطاعمها داخل مراكز تجارية مجتمعية وبالقرب من الأحياء السكنية ساعد في التخفيف
من حدة الخسائر، حيث لا تزال هذه الفروع تعتمد جزئيًا على الزبائن المحليين.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت الشبكة أن هذه
الأزمة لا تقتصر على مجموعة بعينها، بل تمتد إلى معظم قطاع المطاعم في دبي، حيث كشف
مسؤول تنفيذي في إحدى سلاسل المطاعم، فضل عدم الكشف عن هويته، أن أعداد الزبائن تراجعت
إلى ما بين 15 بالمئة و20 بالمئة فقط من مستوياتها الطبيعية، ما اضطرهم إلى وضع أكثر
من نصف العاملين في إجازات غير مدفوعة.
وأضاف المسؤول أن بعض
الفروع أُغلقت مؤقتًا، فيما تواصل الفروع الأخرى العمل بأقل عدد ممكن من الموظفين،
في محاولة لخفض التكاليف.
وأشارت بي بي سي إلى
أن تأثير الأزمة امتد إلى كامل منظومة السياحة، بما في ذلك الفنادق وشركات السفر والنقل
الجوي، حيث تعرضت الإمارات لهجمات متكررة ضمن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية
والإسرائيلية، وكانت دبي من بين الأهداف الرئيسية.
وذكرت السلطات أن أكثر
من 2400 صاروخ وطائرة مسيّرة أُطلقت باتجاه الإمارات، استهدفت مطارات وموانئ ومناطق
مدنية، من بينها فنادق ومبانٍ سكنية، موضحة أن أكثر من 90 بالمئة من هذه الهجمات تم
اعتراضها.
وأوضحت الشبكة أن بعض
الشظايا سقطت في مناطق مختلفة من دبي، بما في ذلك مناطق سكنية وفنادق ومحيط مطار دبي
الدولي، حيث تم تداول صور تظهر أضرارًا لحقت بأحد الفنادق في جزيرة النخلة، في حين
بلغ عدد الضحايا 11 قتيلًا وأكثر من 185 مصابًا، بحسب السلطات.
ولفتت إلى أن الحرب
أدت إلى اضطراب واسع في حركة الطيران، حيث تقطعت السبل بعشرات الآلاف من الزوار في
الأسابيع الأولى قبل أن يتم إجلاؤهم عبر رحلات خاصة، كما تم إلغاء آلاف الرحلات الجوية،
ما أدى إلى تعطيل أحد أكثر مراكز السفر ازدحامًا في العالم، إذ كان مطار دبي الدولي
قد استقبل 95.2 مليون مسافر العام الماضي.
وتابعت أن بعض العمليات
الجوية استؤنفت تدريجيًا، حيث تعمل شركة “طيران الإمارات” بجدول رحلات مخفّض
في محاولة لاستعادة شبكتها الكاملة، إلا أن استمرار مغادرة السياح وتراجع أعداد القادمين
الجدد انعكس بشكل مباشر على قطاع الفنادق.
وأشارت إلى أن نسب
إشغال الفنادق في دبي تراجعت إلى ما بين 15 بالمئة و20 بالمئة فقط من المستويات المعتادة
خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، وفقًا لما أكده مامون حميدين، المسؤول في شركة
“ويجو”، مضيفًا أن الفنادق لجأت إلى تقديم تخفيضات كبيرة، خاصة خلال فترة عيد الفطر،
لجذب السكان المحليين، حيث خفضت بعض الفنادق الفاخرة أسعارها إلى النصف.
وأكد حميدين أن حالة
عدم اليقين الحالية تؤثر على جميع العاملين في القطاع، في حين قامت بعض سلاسل الضيافة
بإغلاق أجزاء من منشآتها أو تعليق نشاطها مؤقتًا، في خطوة تهدف إلى تقليل التكاليف
التشغيلية.
وأضاف مسؤول في مجموعة
فندقية دولية أن نسب الإشغال في بعض المنشآت انخفضت إلى أرقام أحادية، ما دفعهم إلى
إغلاقها مؤقتًا وإعادة تقييم الوضع لاحقًا.
ولفتت الشبكة إلى أن
قطاع فنادق الأعمال لم يكن بمنأى عن الأزمة، إذ شهدت دبي، التي تعد مركزًا عالميًا
للمؤتمرات والفعاليات، إلغاء أو تأجيل العديد من الفعاليات الكبرى خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح فارون راج، مدير
المبيعات والتسويق في “ماجيستيك هوتيلز”، أن نسب الإشغال وصلت إلى مستويات
قياسية منخفضة، مشيرًا إلى استمرار الإلغاءات لما بعد شهر أبريل، ما يعقّد خطط السفر
ويزيد من حالة الغموض.
وأكدت بي بي سي أن
هذا التراجع يأتي بعد سنوات من النمو السريع، حيث كانت دبي من أوائل الوجهات التي أعادت
فتح أبوابها للسياحة خلال جائحة كورونا، ما ساعدها على التعافي بسرعة مقارنة بغيرها
من المدن العالمية.
وأضافت أن الإمارة
وسّعت منذ ذلك الحين قاعدة زوارها لتشمل شرائح متنوعة، من السياحة الفاخرة إلى الفئات
المتوسطة، خاصة من جنوب آسيا وأوروبا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن هذا التوسع
صاحبه زيادة كبيرة في المعروض من الغرف الفندقية والشقق قصيرة الأجل، وهو ما أصبح الآن
تحت ضغط كبير.
وأظهرت بيانات شركة “AirDNA” إلغاء أكثر من 226 ألف حجز قصير الأجل في الإمارات خلال الشهر الأول من
الحرب، ما يعكس حجم التراجع في الطلب.
كما أشارت الشبكة إلى
أن العمالة الوافدة، التي تشكل العمود الفقري لقطاع الضيافة، تأثرت بشكل مباشر، حيث
تم تقليص ساعات العمل أو وضع العديد منهم في إجازات غير مدفوعة، في ظل مرونة سوق العمل
التي تسمح للشركات بالتكيف السريع، لكنها تترك العمال عرضة لخسائر مفاجئة في الدخل.
ونقلت عن أحد العاملين
من جنوب آسيا في مطعم فاخر قوله إن الوضع الحالي يذكرهم بفترة جائحة كورونا، مع مخاوف
متزايدة من فقدان الوظائف والاضطرار للعودة إلى بلدانهم، خاصة في ظل غياب وضوح بشأن
موعد استئناف العمل.
وأضافت أن بعض الفنادق،
بما في ذلك منشآت فاخرة، بدأت بالفعل في تسريح موظفين، في وقت تحذر فيه منظمات حقوقية
من أن العديد من العمال الوافدين يعانون أصلًا من أوضاع مالية هشّة وديون متراكمة.
وأكدت الشبكة أن
تأثير الحرب لا يقتصر على دبي فقط، بل يمتد ليشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث
تشير تقديرات مؤسسة اقتصاديات السياحة، التابعة لمؤسسة أكسفورد الاقتصادية، إلى
احتمال تراجع عدد المسافرين إلى المنطقة بما يتراوح بين 23 و38 مليون شخص خلال
العام الجاري، مع خسائر متوقعة في إنفاق السياح تتراوح بين 34 و56 مليار دولار.
وأشار حميدين إلى أن
انتهاء الحرب قريبًا قد يفتح الباب أمام تعافٍ سريع، لكنه حذر من أن استمرارها قد يهدد
موسم الصيف بالكامل.
وفي محاولة لاحتواء
التداعيات، أعلنت دبي عن حزمة دعم بقيمة 272.26 مليون دولار موجهة للشركات، بما في
ذلك قطاع السياحة، مع السماح للفنادق بتأجيل بعض الرسوم، في حين تعمل السلطات على إعداد
خطط لإعادة تنشيط القطاع فور انتهاء الحرب، عبر حملات ترويجية وعروض خاصة.
ونقلت الشبكة عن أحد
المسؤولين قوله إن “الحرب خارج السيطرة، لكن الاستعداد جارٍ لمرحلة ما بعدها”.
واختتمت بي بي سي تقريرها
بالإشارة إلى أن حالة عدم اليقين لا تزال تسيطر على مستقبل القطاع، حيث ترى سيديريس
أن التعافي قد يبدأ في أكتوبر إذا توقفت الحرب قريبًا، لكن استمرارها قد يؤجل التعافي
إلى العام المقبل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر إغلاق الفروع وتسريح المزيد من الموظفين.
وأضافت: “لدينا
سيولة تكفينا لشهر أو شهرين، ثلاثة على الأكثر، وبعدها سنضطر لاتخاذ قرارات أصعب…
نأمل ألا نصل إلى ذلك، وأن تنتهي هذه الفوضى قريبًا”.
