المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مضيق هُرمز ـ ما هي المخاطر التي تواجه أوروبا في تأمين الملاحة البحرية؟
تقود ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة الجهود الرامية إلى إنشاء بعثة متعددة الجنسيات لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز. ولا تزال هناك تساؤلات حول نطاق العملية وما إذا كانت قادرة على تحقيق استقرار دائم. تتجه القوى الأوروبية نحو إنشاء مهمة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة في مضيق هرمز بعد أن أدى القتال في الحرب الإيرانية إلى تعطيل حركة المرور عبر أحد أهم الطرق التجارية في العالم. خلال محادثات جرت في لندن خلال أبريل 2026، اجتمع مخططون عسكريون من 30 دولة لمناقشة كيفية تنفيذ مثل هذه العملية عمليا وكيفية حماية السفن التجارية. تبدو المهمة الأوروبية في هرمز أقرب إلى محاولة لإدارة المخاطر وليس إنهائها، ما يجعل مستقبل الاستقرار في المضيق مرتبطا بمدى قدرة الدبلوماسية على مرافقة القوة، وليس استبدالها.
ماذا تتضمن “المهمة الدفاعية”؟
تتمحور المقترحات المقدمة من المملكة المتحدة وفرنسا حول عملية بحرية متعددة الجنسيات “دفاعية بحتة”، تركز على حماية السفن التجارية من الهجمات بدلا من استهداف المواقع البرية. وتؤكد الدولتان أن هذه المهمة لن تُنفذ إلا بعد التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران. بحسب يورغن إيهل، وهو أميرال ألماني متقاعد ومستشار عسكري رفيع سابق لدى الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذه المهمة ستتضمن الرد على الهجمات بدلا من شن هجمات. عمليا، يعني ذلك حماية السفن المستهدفة بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو زوارق الهجوم السريع، بدلا من ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية أو القوات البرية.
يقول خبراء إن العملية ستتطلب على الأرجح فرقاطات أو مدمرات مجهزة بأنظمة دفاع جوي، بالإضافة إلى طائرات بدون طيار للكشف عن الألغام بما في ذلك الأنظمة غير المأهولة للكشف عن الألغام البحرية وتحييدها. من المتوقع أن تتحمل الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) الجزء الأكبر من العبء العسكري. وقد أبدت ألمانيا استعدادها للمساهمة بسفن إزالة الألغام والاستطلاع البحري، رهنا بموافقة البرلمان. وشدد المستشار فريدريش ميرتس على ضرورة وجود تفويض قانوني واضح قبل أي عملية نشر.
تمتلك فرنسا بالفعل أصولا بحرية كبيرة في المنطقة، تشمل ثماني سفن حربية وحاملة طائرات وسفينتين هجوميتين برمائيتين. وصرح الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه يمكن إعادة توجيه جزء من القوات المتمركزة في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر بما في ذلك حاملة الطائرات شارل ديغول لدعم المهمة. لم تُحدد بعد مساهمة المملكة المتحدة. صرّح رئيس الوزراء كير ستارمر بأن أكثر من اثنتي عشرة دولة أبدت اهتمامها بالمساهمة بموارد، لكنه لم يُحدد صراحة ما ستقدمه لندن. وفي حين تمتلك المملكة المتحدة مدمرات متطورة، فإن “جاهزيتها وتوافرها لا يزالان غير واضحين”، كما صرّح بينس نيميث، المحاضر البارز في الدراسات الدفاعية في كلية كينجز كوليدج لندن.
ما هي المخاطر التي تواجه أوروبا؟
قد يؤدي نشر القوات البحرية في الخليج إلى استنزاف القدرات الأوروبية في ظل تصاعد التوترات على الصعيد المحلي. وحذر نيميث من أن أوروبا بحاجة إلى موازنة التهديدات الروسية، لا سيما في بحر البلطيق وشمال المحيط الأطلسي. يقول نيميث: “يحتاج الأوروبيون أولا إلى أصولهم البحرية للحفاظ على سلامتهم”، مضيفا أنهم “لا يستطيعون الاعتماد على الولايات المتحدة بقدر ما كان عليه الحال من قبل”. لا تزال المخاطر التشغيلية في الخليج كبيرة. وأشار إيلي إلى أن “قدرات الدفاع الجوي لا تضمن الأمن بنسبة 100%”، لا سيما في مواجهة هجمات الطائرات المسيرة واسعة النطاق. وفي مقال كتبه لمعهد الخدمات الملكية المتحدة، سلط ديفيد ب. روبرتس الضوء على بيئة تهديد “متعددة الطبقات”، تتراوح من “الذخائر البطيئة منخفضة الارتفاع في الطرف الأدنى إلى الصواريخ المضادة للسفن سريعة الحركة والألغام الأرضية في الطرف الأعلى”.
هل تستطيع الدبلوماسية ضمان الاستقرار؟
يتفق المحللون عموما على أن الانتشار البحري وحده لا يكفي لتأمين مضيق هرمز. وقال روبرتس: “إن التسوية الدبلوماسية وحدها التي تتخذ فيها إيران قرارا سياديا بالتراجع هي التي تحمل في طياتها إمكانية وقف الهجمات تماما”. تسعى فرنسا والمملكة المتحدة إلى توسيع نطاق التحالف ليشمل دولا أخرى غير أوروبية، مثل الهند وكوريا الجنوبية. والهدف من ذلك هو تعزيز النفوذ الدبلوماسي والتوصل في نهاية المطاف إلى استئناف حركة الشحن التجاري. يوضح نيميث: “للدول أسباب مختلفة للمشاركة في هذه المفاوضات”.
أضاف روبرتس أن أكثرها شيوعا هو “حرية الملاحة والقانون الدولي وأمن الطاقة”. وتابع: “لا ترغب هذه الدول في تطبيع وضع تستطيع فيه قوة ما استخدام القوة والجغرافيا للسيطرة على نقطة اختناق بحرية حيوية. فهذا من شأنه أن يخلق سابقة خطيرة للتجارة العالمية”. بينما تعمل أوروبا على بناء تحالف، تسعى دول من بينها الهند وباكستان والصين أيضا إلى إبرام ترتيبات ثنائية مع طهران للحفاظ على تدفقات الشحن، على الرغم من أن الأحجام “لا تزال هامشية”، كما أوضح روبرتس. تستعد أوروبا حاليا لمهمة بحرية دفاعية محدودة، بينما تسعى جاهدة لإيجاد حل سياسي. ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت دول كافية ستدعم هذا النهج.
النتائج
تشير التحركات الأوروبية نحو إنشاء بعثة بحرية متعددة الجنسيات في مضيق هرمز إلى تحول تدريجي في مقاربة الأمن البحري من الاستجابة الأحادية إلى إدارة جماعية للأزمات في الممرات الحيوية. غير أن مستقبل هذه المبادرة سيظل مرهونا بتوازن دقيق بين القدرة العسكرية المحدودة للدول الأوروبية، وتعقيد البيئة الإقليمية، وتشابك المصالح الدولية في الخليج.
من المتوقع أن يتبلور نموذج “المهمة الدفاعية المحدودة”، القائم على حماية السفن التجارية وتحييد التهديدات المباشرة مثل الطائرات المسيرة والألغام، دون الانخراط في عمليات هجومية. هذا النموذج قد ينجح في تقليل المخاطر التشغيلية جزئيا، لكنه لن يكون كافيا لإعادة الاستقرار الكامل إلى المضيق ما لم يرافقه مسار سياسي مواز.
في المدى المتوسط، ستواجه هذه البعثة تحديا بنيويا يتمثل في استدامة الالتزام العسكري والسياسي من عدد كاف من الدول المشاركة، في ظل تباين الأولويات الاستراتيجية الأوروبية بين الخليج وأوروبا الشرقية. كما أن محدودية القدرات البحرية الأوروبية مقارنة بحجم التهديدات قد تفرض إعادة توزيع الأدوار داخل التحالف، أو الاعتماد المتزايد على شركاء من خارج أوروبا مثل الهند وكوريا الجنوبية.
أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، فإن نجاح أو تعثر هذه المبادرة سيؤثر على مستقبل مفهوم “حرية الملاحة” ذاته، حيث قد يتحول مضيق هرمز إلى ساحة اختبار لنموذج جديد من الأمن البحري القائم على التحالفات المرنة بدل الضمانات التقليدية. وفي حال فشل هذا النموذج، قد تتجه القوى الكبرى نحو ترتيبات ثنائية أو إقليمية أكثر تجزئة، ما يعمق انقسام النظام البحري العالمي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117645
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
