بات مصطلح “الغبار النووي” يتردد في الخطاب السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب عند حديثه عن الملف النووي الإيراني، حيث يستخدمه بشكل متكرر في سياق انتقاداته أو تحذيراته المتعلقة بالبرنامج النووي لطهران، خصوصا خلال النقاشات حول المفاوضات النووية. لكن هذا المصطلح لا يُعد توصيفا علميا دقيقا لليورانيوم المخصب، بل هو تعبير مبسط يحمل دلالات سياسية وإعلامية أكثر من كونه مفهوما تقنيا.
وفي أحدث تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الغبار النووي قال لـ “فوكس نيوز”: “سنستحوذ على “الغبار النووي” الخاص بإيران في إطار مفاوضات”.
وكانت ترامب كتب في منشور على تروث سوشيال من قبل ” ستحصل الولايات المتحدة الأمريكية على جميع الغبار النووي الناتج عن قاذفاتنا B2 العظيمة “.
كما تناول ترامب هذا المصطلح، في منشور له أيضاً على منصة تروث سوشيال، عندما قال: “كانت عملية مطرقة منتصف الليل (التسمية التي أطلقتها واشنطن على ضرباتها) بمثابة تدمير كامل وشامل لمواقع الغبار النووي في إيران.. وبالتالي، سيكون استخراجه عملية طويلة وصعبة”.
علميا، يشير “الغبار النووي” أو ما يُعرف بـ “السقط النووي” إلى جسيمات مشعة تتشكل عادة بعد وقوع انفجار نووي. هذه الجسيمات ترتفع إلى طبقات الجو العليا، ثم تعود لتترسب تدريجيا على سطح الأرض. وتحتوي هذه المواد على عناصر شديدة الخطورة مثل السيزيوم-137 والسترونتيوم-90، وهي نظائر مشعة يمكن أن تبقى في البيئة لفترات طويلة تمتد لسنوات أو حتى عقود، مسببة تلوثا إشعاعيا واسع النطاق قد يؤثر على التربة والمياه وسلاسل الغذاء، ما يجعلها من أخطر نتائج النشاط النووي غير المسيطر عليه.
لكن استخدام ترامب لهذا المصطلح لا يقتصر على معناه العلمي، بل يتجاوزه ليصبح توصيفا سياسيا مبسطا يشير به إلى اليورانيوم المخصب أو المواد النووية الناتجة عن استهداف أو تفكيك منشآت نووية.
ووفقا لمراقبين، فإن هذا الأسلوب يعكس ميله لاستخدام لغة غير تقنية بهدف إيصال الرسالة إلى الجمهور العام بشكل مباشر وسهل الفهم، حيث يوحي لفظ “الغبار” بفكرة الانتشار وعدم القدرة على السيطرة، في إشارة إلى حجم الخطر المحتمل.
وفي السياق النووي، يُقصد باليورانيوم المخصب المادة التي تم رفع نسبة نظير اليورانيوم-235 فيها إلى مستويات مختلفة، تبدأ عادة من نحو 20% وقد تصل إلى 60%، بينما تُعد النسبة 90% تقريبًا المستوى اللازم للاستخدام في تصنيع الأسلحة النووية. لذلك فإن الحديث عن هذه المادة يرتبط بشكل مباشر بمخاوف الانتشار النووي وإمكانية تحويلها إلى استخدام عسكري في حال استمرار عملية التخصيب.
أما من ناحية النقل والتعامل مع هذه المواد، فمن الناحية التقنية يمكن نقل اليورانيوم المخصب أو المواد المشعة بأمان نسبي، ولكن ذلك يتطلب إجراءات صارمة للغاية تشمل استخدام حاويات محكمة الإغلاق مقاومة للتسرب الإشعاعي، إضافة إلى بروتوكولات نقل دولية يشرف عليها متخصصون في هذا المجال. إلا أن التعقيد الحقيقي يظهر عندما تكون هذه المواد مدفونة تحت الأنقاض أو مختلطة بالركام نتيجة ضربات عسكرية، حيث تصبح عملية استخراجها ونقلها أكثر صعوبة وخطورة، وتتطلب وقتًا وجهدًا تقنيًا كبيرًا، وهو ما يُستخدم أحيانًا لتبرير وصفها بأنها عمليات طويلة ومعقدة.
وبذلك، فإن مصطلح “الغبار النووي” في هذا السياق لا يعكس تعريفا علميا محددا بقدر ما هو أداة خطابية سياسية تهدف إلى تبسيط فكرة الخطر النووي وتضخيم أبعاده في النقاش العام حول البرنامج النووي الإيراني.
وبحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” وشبكة “سي إن إن”، فإن مصطلح “الغبار النووي” لا يُستخدم أصلًا في الصناعة النووية أو في الأدبيات العلمية المتخصصة، حيث أكد عدد من الخبراء أنهم لم يسبق لهم سماع هذا التعبير من قبل. ويُنظر إليه باعتباره توصيفا إعلاميا أو سياسيا أكثر منه مصطلحا تقنيا معتمدا.
وفي هذا السياق، وصف ماثيو كرونيغ، المدير الأول في مركز “سكوكروفت” للاستراتيجية والأمن، هذا المصطلح بأنه جزء من أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التعبير، والذي يميل إلى الطابع الاستعراضي وتبسيط المفاهيم المعقدة عند الحديث عن القضايا النووية.
وبحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” فإن المادة التي يُشار إليها في هذا الخطاب، فهي ليست “غبارا” بالمعنى الحرفي، وإنما مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة مرتفعة تقترب من مستوى 90% اللازم نظريا لإنتاج قنبلة نووية.
وبحسب التقرير، يُخزن هذا اليورانيوم داخل أسطوانات خاصة تشبه خزانات الغوص من حيث الشكل والحجم، وغالبا ما يكون في الحالة الغازية داخل هذه الحاويات، لكنه قد يتحول إلى الحالة الصلبة عند درجات حرارة الغرفة. وتُعد هذه المادة شديدة الخطورة وسامة للغاية في حال تعرضها للرطوبة أو التسرب.
