Published On 27/4/202627/4/2026
تصدر المستشار فخر الدين العريان المشهد القضائي والسياسي في سوريا، إثر ترؤُّسه أولى جلسات “العدالة الانتقالية” في دمشق.
لم تكن المفارقة في هذه المحاكمة مقتصرة على وقوف رموز النظام السابق في قفص الاتهام -وعلى رأسهم المسؤول الأمني عاطف نجيب حضوريا والرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابيا- بل امتدت لتشمل القاضي نفسه.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
فالرجل الذي يجلس اليوم على منصة العدالة لمحاكمة هؤلاء كان بالأمس قاضيا منشقا، صدرت بحقه أحكام غيابية بالإعدام وصودرت أملاكه.
من مدرجات حلب إلى محاكم إدلب
ينحدر العريان من بلدة سلقين في ريف إدلب. درس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية داخل مؤسسات الدولة ويتدرج في السلك القضائي، حتى وصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب.
مع تصاعد احتجاجات الثورة السورية واللجوء المتزايد إلى الحل الأمني، حسم العريان موقفه في وقت مبكر. ففي 13 مارس/آذار 2013، ظهر في تسجيل مصور ليعلن خروجه عن مؤسسات النظام.
وقال العريان في تسجيله: “أمام المسؤولية الملقاة على عاتق القضاة الذين هم حُماة العدل والحق، ونتيجة لما يرتكبه النظام من مجازر جماعية بحق المدنيين والأطفال والنساء، وأمام هذه الظروف ووفاء منا للوطن والقَسَم؛ أعلن أنا القاضي فخر الدين العريان -مستشار محكمة الاستئناف المدنية بإدلب- انشقاقي عن وزارة العدل، وانضمامي إلى مجلس القضاء السوري المستقل، لأكون مع زملائي المنضوين تحت هذا المجلس درعا حصينا للعدل والمساواة. وعاشت سوريا حرة أبية”.
بعد انشقاقه، انتقل إلى العمل ضمن وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة، وخلال تلك المرحلة ارتبط اسمه بتأسيس “مسار قضائي موازٍ” نشأ خارج بنية النظام المخلوع.
عمل العريان على بناء محاكم بديلة في مناطق المعارضة، وإدارة الملفات القضائية، وتوثيق جرائم النظام المخلوع. وفي المقابل، رد النظام بإصدار أحكام غيابية قاسية بحقه، شملت الحكم عليه بالإعدام، ومصادرة ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية.
العودة إلى دمشق
مع سقوط النظام وتغيُّر المشهد السوري، عاد اسم العريان إلى الواجهة في يونيو/حزيران 2025، إثر صدور المرسوم الرئاسي “رقم 70” الذي نص على طي مراسيم العزل والأحكام الاعتبارية بحق عدد من القضاة وإعادتهم إلى عملهم.
وتُوِّج هذا المسار بتعيينه -في يناير/كانون الثاني الماضي- رئيسا لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن خطوات إعادة تشكيل السلطة القضائية.
منصة المحاكمة وإرث المفقودين
في أولى جلسات العدالة الانتقالية جلس العريان على المنصة، وأمامه وقف رئيس فرع الأمن السياسي الأسبق في درعا -الذي أُوقف في يناير/كانون الثاني 2025- مكبل اليدين.
وبموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، أتاح المسار الغيابي للمحكمة بدء إجراءات ملاحقة بشار وماهر الأسد.
عاطف نجيب ابن خالة الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد يقف خلف القضبان (الأناضول)
واستهل العريان الجلسة قائلا: “نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا… [التي] تشمل متهما ملقى القبض عليه، موجود في قفص الاتهام، وتشمل متهمين هاربين من وجه العدالة”.
وقُبيل بدء الجلسة، وجه العريان -عبر حسابه على فيسبوك– رسالة إلى السوريين، كتب فيها: “بعون الله، تنطلق اليوم أولى خطوات العدالة في مواجهة من أذاقوا السوريين ويلات القتل والتعذيب والقهر”.
وأضاف “لكل أمّ شهيد، ولكل أمّ لمعتقل، ولكل أسرة هُجِّرت قسرا، ولكل صاحب بيت مدمر، إلى أهلنا سكان المخيمات الأكارم، لكل شاب وشابة تركوا مقاعد الدراسة بعد أن دمر المجرمون مدارسهم ومدنهم وأحلامهم، إلى كل من حمل السلاح مدافعا عن العِرض والأرض فارتقى شهيدا جميلا، صوتكم اليوم حاضر أمام القضاء، وحقوقكم لن تُنسى”.
يحمل موقع فخر الدين العريان اليوم دلالة بارزة في المشهد السوري، فهو يجمع بين تجربة القاضي الذي عرف مؤسسات الدولة من الداخل، ثم قاد مسارا قضائيا موازيا في المعارضة، ليعود أخيرا ويرأس أولى المحاكمات التي تفتح ملفات حقبة النظام السابق.
ويأتي ذلك في لحظة تحاول فيها سوريا التعامل مع إرث ثقيل من المفقودين والمعتقلين والمقابر الجماعية، وهي الملفات التي تشكل الخلفية الأعمق لأول مسار للعدالة الانتقالية يتولى العريان رئاسته.
