
تعلّمتُ القراءة والكتابة والحساب في «الكُتّاب» على يدي الشّيخ محمود السيّد (بعمرة) قبل أن أبلغ السّادسة من عمري، ثمّ التحقتُ بمدرسة ابتدائيّة في حيّ النّزهة في مدينة حمص اسمها “مدرسة حطّين”، وعدتُ إلى قريتي الصغيرة «حبرون» حيث أكملت المرحلة الابتدائيّة في قرية تلترمس المجاورة لقريتي.
وأنا من جيل كانت (خرجيّتُهُ)، في ستّينيّات القرن المنصرم، ربعَ ليرةٍ سوريّة أو أقلّ؛ كنتُ أحصل عليها من إخوتي الكبار عندما يزورون القرية، وكان مبلغ رُبْع اللّيرة يساوي خمسة فرنكات أو خمسة وعشرين قرشاً سوريّاً، وكنتُ أدّخرُه مع أمثاله إلى أن يبلغ (25) ليرةً؛ فأقصد مدينة حمص متحمِّساً خفيفاً كأنّي محمولٌ على جناحَي غيمة، وأشتري من بائع (بسطة) قرب سينماها الكبرى المعروفة باسم «سينما حمص» اثني عشر كتاباً أدبيّاً من منشورات دار القلم في بيروت، أو أقصد مكتبة المرحوم جرجس عبيد في صافيتا؛ فأشتري «سيرة الأميرة شمّا وزهر البان» أو أحد أجزاء السِّيرة الهلاليّة الأخرى، أو أستعير أجزاء متقطِّعة مطبوعة على الحجر من «سيرة ذات الهمّة» بنصف ليرة، وكان الجزء منها يبلغ 500 صفحة أو أكثر، وقد استطعتُ خلال المرحلتين الابتدائيّة والإعداديّة قراءة السّير الشّعبيّة العربيّة كلَّها، وجزءٍ من النّتاج الرّوائيّ العربيّ والعالميّ.
زيْــتُ الحنجــرة
وقد قُيِّض لي أن أعيش السّنواتِ العشرَ الأولى من حياتي في بيت ترابيّ واسع مبنيّ من الحجر والطِّين، يدعم سقفَه اثنا عشر ساموكاً خشبيّاً مصنوعاً من الزّان المحلّي، وتتوسَّط الجزءَ العلويَّ منه «موقدة « مصنوعة من الحجر والطّين كانت المرحومة أمّي تضع فيها تنكةً عتيقةً مفتوحةً من الجهتين، وتضع في أسفلها حطباً، ثمّ تُضرِم فيها النّار فنسارع، إخوتي وأنا، إلى النّزول من خيمتنا الخشبيّةِ المنصوبةِ في جانبٍ من البيت، ونتحلّق حولها لنستمعَ إلى حكواتيٍّ بارعٍ من ضيعة مجاورة لقريتنا اسمه أحمد صالح زنتوت، ويُكنى بـ»أبي نديم»، كان يأتي لزيارتنا في فصل الشّتاء مرّةً أو مرّتين كلّ أسبوع، ويقصّ علينا بأسلوبه السّاحر الأخّاذ حكاياتٍ شعبيّةً أو بدويّةً تأسر ألبابنا، وتجعلنا نستمع إليه كالمأخوذين، وكان يتعمّد التّوقُّفَ في وسط الحكاية غيرَ مرّة، ويطلبُ منّا ضاحِكاً أنْ نُعدَّ له إبريقاً من الشّاي بحجّة أنّ «زيْتَـه» نفــد، ويحتاج إلى زيت جديد لتزيِيْتِ حنجرته كي يستطيع الاستمرار في سرد الحكاية التي يحكيها؛ فكنّا نتسابق، أخي الأصغر وأنا، إلى تنفيذ ما يطلبه منّا حرصاً على سماع باقي الحكاية الشّائقة التي كان يرويها. وحينَ كان يتأخّر عن زيارتنا لسببٍ أو لآخر كان والدي يُكلِّفني بأنْ أحلَّ محلَّه؛ فأقرأ له فصلا من سيرة بني هلال، أو سيرة سيف بن ذي يزن، أو سيرة الزّير أبو ليلى المهلهل، أو سيرة عنترة بن شدّاد، أو سيرة حمزة البهلوان، وكان يحرص على أن أقلّده في طريقة سرده للحكاية؛ ويُبدي إعجابه بقراءتي، ويطلب منّي أن ألوّن صوتي عند القراءة بما يقتضيه المقام، ويُثني على ما أفعل، وكان يحكي لي ولإخوتي أنّه، هو الآخَر، كان يقرأ السّير الشّعبيّة العربيّة لـ(أفنديّة بني العبّاس) في قرية «تلّة الخضر» بصافيتا، عندما كان فتًى، فيُثني عليه الأفنديّ، ويكافئه على ذكائه ونباهته وجودة قراءته بقبضات معدودة من الجوز والتّين والزّبيب.
سطــوة الحكايــة
وقد ساهم هذا الجوُّ الشّائق البديع في جعل الحكاياتِ والقصصِ أثيرةً إلى نفسي عندما كبرْتُ، بحيث ظلّت الرّوايةُ والقصّةُ هما المُفضَّلَتين عندي على الشِّعـر في فترة المراهقة، و لم يكن والدي يهوى قراءةَ الشّعر، ولاسيّما الوارد منه في السِّير الشّعبيّة العربيّة، وكان يطلب مني أن أتجاوزه في كلّ مرّة عندما يصادفني في نصِّ السّيرة الشّائق، ويعدُّه محشوراً ولا مسوّغ لذكره في المَتْن البديع الذي كان يستمع إليه؛ ولذلك شرعْتُ أشتري بالقروش القليلة التي كنتُ أوفِّرها من مصروفي الهزيل رواياتٍ وقصصاً عالميّة وعربيّة، في مقدِّمتها نصوصُ جرجي زيدان، والمنفلوطيّ، وجبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، وإميل زولا، والكسندر ديماس، وتولستوي، ودوستويفسكي، وطه حسين، ومحمّد عبدالحليم عبدالله، وتوفيق الحكيم، وغيرهم، وكنت أحرص على قراءتها في وقت فراغي، بحيث أمسى الكتابُ هو الصَّديقَ الحميم الذي ألوذ به دائماً، ومن مكتبة المرحوم جرجس عبيد في صافيتا اشتريت في عام 1972 الأعمال الكاملة لميخائيل نعيمة (طبعة دار العلم للملايين في بيروت) بتسعين ليرة سورية، وكانت طبعة مجلّدة وفاخرة وذات ورق صقيل وتضم تسعة مجلّدات، ما أزال أحتفظ بها إلى الآن، وقد ترك ذلك أثراً كبيراً في نفسي، وجعلني أجد ذاتي في القراءة والكتابة لا في غيرهما من أنواع النّشاط الإنسانيّ الأخرى ككرة القدم وغيرها، مع أنّي مارست التّمثيل في المرحلة الجامعيّة، ولعبتُ دور البطولة في مسرحيّة «حان الرّشاد إلى ملذّات بغداد» للأديب أحمد يوسف داود، التي شارك بها فرع اتحاد شبيبة الثّورة في طرطوس في آخر دورة أقيمت لمهرجان الهواة في حلب، وكان آخر عمل مسرحيّ لي، إذ انصرفت بعدها إلى دراستي الجامعيّة والعليا، ولم أعد إلى المسرح بعد ذلك.
الكتــابُ ظهيــراً
وأظنّ أنّ القراءةُ ساعدتني في التّعرُّف إلى العالم من حولي، وشكّلت نافذةً لي للتّواصل مع الآخر واحترامه، كما ارتقتْ بشخصيّتي، وصنعتْ لي طموحاً خلّاقاً للعيش يتجاوزُ نمطَ الحياةِ الذي يقنع بتوفير الاحتياجات الأساسيّة، ويُدِير ظهرَهُ للمُتع الرّوحيّة التي تميِّز الإنسانَ العاقل من باقي العجْماوات، كما صنعتْ لي قيماً جماليّةً ومثلا عليا تتعارض مع ما هو شائعٌ ومهيمِنٌ في الفضاء الاجتماعيّ الواسع الذي كان يحيط بي، وفي الحيِّزِ الضّيِّق الذي كنت أتحرّك فيه؛ كما وفّرتْ لي الفرصة للتّشبُّث بما عصم عقلي من الزّيف والتّراجُع، وحمى روحي من التّشظّي والانسحاق.
وقد أمسى الكتابُ صديقي ونديمي لا يروي ظمئي غيرُهُ، ولا يجعلني متوازِناً سواه. وما أكثرَ ما مررتُ بلحظاتِ قنوطٍ وضعف ويأسٍ لم يساعدني على استيعابها وتجاوُزها سوى الاستغراق في قراءة كتابٍ أثير إلى نفسي، إذ كانت صفحاته الثّرّة تقدّم لي زاداً عميقاً يُمكّنني من امتلاك القدرة والوسيلة لفهم واقعي، وإدراك القوانين التي يتحرّك بها العالم من حولي.
القــراءة وتشكيــل هُوِيّــة
بالكتابِ احتميتُ، واستوعبتُ ظروفي الصّعبة، وتجاوزتُ حيّزي الضّيّق المحدود، وإليه لجأتُ حين تفرّق الأصدقاءُ، وعزّ الصَّحْبُ، وجرف التّيّارُ الأنقياءَ منهم؛ ومن خلاله أدركتُ بأنّني قويّ وعصيٌّ على التّراجُع والانكسار، وحين كنت أشعر بضعف يكاد يُحبِط عزيمتي، ويُفضِي بي إلى مهاوي الضّياع واليأس؛ كنتُ ألجأ إليه طالباً العونَ، فلم يكن يخيّب ظنّي، أو يتخلّى عنّي، أو يجعلني لقمةً سائغةً للرّاغبين في لوي عنقي، وكسْر رأسي؛ وحين هُدِّدْتُ بلقمة العيش في حياتي غير مرّة وجدتُ في صفحاته المُثرِية الزّادَ الرُّوحيَّ الذي أبقاني متوازِناً مع نفسي، ومع العالم من حولي، كما مكّنني من الإطلالة على عالم معرفيّ جديدٍ موشَّح بالمتعة والطّرافة والغرابة والسُّموّ معاً.
وقد كانتِ القراءةُ وسيلتي لامتلاك هُويّـة مغايرة لما امتلَكه أترابي، ومع أنّني عانيتُ كثيراً من شظف العيش وقلّة الموارد، ولم أحصل على عمل ثابت إلا في خارج سوريا بعد أن تجاوزتً سنّ الأربعين بسبب (عنادي) و(يباس رأسي) و(تشبّثي) بالقيم التي اعتنقتُها، إلا أنّ القراءة بقيتْ سلاحي الماضي الذي أدين له بالبقاءِ صامداً في زمنٍ أغبر تكالبَتْ عليّ فيه الذِّئابُ، ولم تُتِح لي فرصةً للعيش الكريم الذي كنتُ أحلم به، وأجاهد من أجله.
التّحــرُّر مـن سطــوة المُحابــاة
وفضلا عن ذلك؛ فالقراءةُ ساعدتني على البقاء نزيهاً لا يقبل بأن يُستَزلَم لأحدٍ، أو يبيع ضميره، أو رأيه النّقديّ أو الفكريّ لأيّ قوّة اجتماعيّة أو سياسيّة أو ثقافيّة مهما كانت المغرَياتُ والمكاسب، وفي رأيي أنّ بيعَ الضّمير والرّأي لسلطةٍ ما، هو أقصى انتهاكٍ للشّرف يقوم به الكاتبُ أو المثقّف الوطنّيّ النّزيه، مهما يكن مستواه الفنّيّ رفيعاً، ولعلّ القراءة هي التي نفّرتني من المجاملةَ، وجعلتني أكره النّفاقَ والمنافقينَ، وأعدّهما من أقذر ما ابتُليتْ به الكتابةُ العربيّةُ في العقود الأربعة المنصرمة.
أمّا ما يُكتَب على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ويشيع فيها من مجاملاتٍ منفّرةٍ، وعبارات مُنمَّقة، وكليشيهات جوفاء فهو علّة العلل، وأسُّ البلاء في حياتنا الثّقافيّة العربيّة المعاصرة، وهو التّجلّي السّاطع على التّردّي والتّفسُّخ اللّذين أصيبَ بهما فضاؤُنا الاجتماعيّ والثقافيّ العربيّ بشكل عامّ، وهو الدليل، أيضاً، على أنّ نمط الكتابة الذي اعتمده الكاتبُ، في هذه الوسائل، كي يصنع هُويّتـه الشخصية كان خطأً بالمطلق؛ لأنّه أفضى، في الغالب، إلى اصطناع كتابة رخيصة لا علاقة لها بالكتابة السّامية من قريب أو بعيد، وهي كتابةٌ تدفع إلى الخجل، ولا علاقة لها بزاد القراءة الرّفيع الذي لا يخبو ألقُه، ولا ينفد وهجُه مهما ادلهمّتِ الظّروفُ، وتنامت التّحدّيات، وانعدمت سبُلُ العيش الكريم.
كاتب سوريّ
