في تقييم الوضعية العامة للجبهة اللبنانية ليوم الإثنين 4-5-2026، يتبيّن أنّ المشهد العام يُختصر بقدرة المقاومة الإسلامية على فرض معادلة استنزاف قاسية على جيش العدو، حيث أسقطت الوقائع الميدانية عملياً وهم “وقف إطلاق النار” الذي حاولت القيادة السياسية والعسكرية للعدو تسويقه لجمهورها. فالعدو لا يزال غارقاً داخل شريط حدودي بعمق يتراوح بين 3 و8 كيلومترات، تحوّل إلى ما يشبه “حقل رماية” مفتوحاً أمام نيران المقاومة.

سياسياً، يعيش كابينت العدو حالة تخبط واضحة بين عجزه الميداني عن وقف نزيف قواته في الجنوب، وبين الضغوط الأميركية التي تسعى لمنع توسّع التصعيد نحو بيروت والضاحية الجنوبية. في المقابل، تُظهر المقاومة تماسكاً عالياً وقدرة على فرض إيقاعها بالنار، وتؤكد عبر رسائلها الميدانية ومواقف قيادتها، وعلى رأسها الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، أنّه لا وجود لخطوط حمراء أو مناطق عازلة، وأن سيادة لبنان وحماية شعبه تُنتزع بالميدان لا عبر اتفاقيات هشة.

على المستوى العملياتي، شهدت الجبهة تصاعداً لافتاً في وتيرة عمليات المقاومة ونوعيتها، حيث أصدرت خلال يوم واحد 13 بياناً عسكرياً، عكست فيها انتقالاً واضحاً نحو تكتيكات أكثر تعقيداً ودقة. وقد تمحورت العمليات حول ثلاثة محاور رئيسية، أبرزها الكمائن المركبة والالتحام المباشر، كما حصل في منطقة “خلة الراج” شمال دير سريان، حيث استدرجت المقاومة قوة مركبة من وحدتي “غولاني” و”يهالوم”، واشتبكت معها من مسافة صفر. وتمثّل الإبداع العملياتي في استهداف قوة الإخلاء التابعة للوحدة 669 فور تدخلها، باستخدام المدفعية والصواريخ، بالتوازي مع تفعيل سلاح الدفاع الجوي لمنع المروحيات من الهبوط، ما أجبر العدو على إخلاء إصاباته براً وتحت النار، في مشهد يعكس انهياراً تكتيكياً واضحاً.

إلى جانب ذلك، اعتمدت المقاومة بشكل مكثف على تكتيك أسراب المسيّرات الانقضاضية، حيث نفذت ضربات دقيقة استهدفت مواقع قيادية وتجهيزات فنية، أبرزها في البياضة وموقع بلاط ومربض مدفعية في رب ثلاثين، ما يدل على تركيز واضح على شلّ البنية القيادية والتقنية للعدو. كما حافظت على كثافة نارية عالية، عبر استهداف تجمعات الجنود والآليات في عدة نقاط مثل القنطرة ودير ميماس والبياضة وعدشيت القصير وعيناتا، باستخدام الصواريخ والمدفعية بشكل متزامن.

في المقابل، يواصل العدو الإسرائيلي عدوانه عبر تعويض فشله التكتيكي بمحاولات استطلاع بالقوة في القطاع الشرقي، إضافة إلى اعتماد سياسة “الأرض المحروقة” كرد فعل انتقامي. وقد سُجلت محاولة توغل فاشلة باتجاه زوطر الشرقية، حيث تصدت المقاومة لقوة خاصة من لواء غولاني في وادي الراج، وأوقعتها في كمين، ثم منعت قوات الإسناد والإخلاء من التدخل، ما اضطر العدو إلى سحب جرحاه سيراً على الأقدام بعد ساعات طويلة من الاشتباك. بالتوازي، شنّ العدو غارات جوية هستيرية طالت أكثر من 26 بلدة، بينها النبطية الفوقا وقانا وبرعشيت وشحور، إضافة إلى قصف مدفعي مكثف طال 10 بلدات، واستمرار عمليات تفخيخ وتدمير المنازل في الخيام وعيناثا، في محاولة لإنشاء شريط حدودي محروق.

أما على صعيد تحليل الأداء، فتُظهر تكتيكات المقاومة تطوراً لافتاً، خاصة في مجال حرب المسيّرات الموجهة عبر الألياف البصرية، حيث نجحت في تحييد أنظمة التشويش الإسرائيلية، ما يعكس تفوقاً إلكترونياً واضحاً. كما استفادت من الظروف الجوية الشتوية القاسية لتحويلها إلى عنصر دعم تكتيكي، مكّنها من تنفيذ كمائن والاقتراب من العدو رغم تفوقه الجوي. كذلك، أثبتت قدرتها على الحفاظ على زخمها الناري، ما ينفي روايات نفاد الذخيرة ويؤكد وجود منظومة إمداد فعالة.

في المقابل، تكشف تكتيكات العدو عن عجز تكنولوجي واضح، حيث اضطر لاستخدام وسائل بدائية مثل بنادق الصيد لمواجهة المسيّرات، إضافة إلى نشر درونات مزودة بشباك لمحاولة تعطيلها، وهو ما يعكس ارتباكاً ميدانياً. كما برزت أزمة انضباط داخل المؤسسة العسكرية، تجلت في إلغاء تدريب لواء مدرعات بسبب خلافات داخلية، ما يشير إلى تراجع الروح المعنوية وضعف القيادة.

وتعزز هذه الصورة شهادات قادة العدو ومحلليه، حيث أقرّ العميد احتياط تسفيكا حايموفيتش بأن “إسرائيل غارقة في الأوهام”، وأن وقف إطلاق النار مجرد وهم، واصفاً وضع الجيش بأنه وقع في “كمين استراتيجي”. كما وصف اللواء نوعام تيبون ما يجري بأنه “فشل خطير”، في حين اتهم رئيس مجلس المطلة دافيد أزولاي القيادة بالكذب بشأن القضاء على تهديد الصواريخ. كذلك، أقرت تقديرات استخباراتية بقدرة حزب الله على إعادة بناء قوته والحفاظ على حضور فاعل في الجنوب رغم الخسائر.

في الخلاصة، يتضح أن المقاومة تمسك بزمام المبادرة وتتحكم بقواعد الاشتباك جنوب الليطاني، مستفيدة من تكتيكات نوعية كـ”الكمائن المركبة” وسلاح الدفاع الجوي، ما أربك منظومات العدو. في المقابل، يواجه العدو مأزقاً استراتيجياً مزدوجاً، إذ يعجز عن تحمل حرب استنزاف طويلة، كما لا يستطيع توسيع عملياته خوفاً من ردود أكبر. وقد نجحت المقاومة في تحييد ميزة الدروع الإسرائيلية عبر الصواريخ الموجهة والمسيّرات، ما أدى إلى حالة رعب نفسي في صفوف الجنود وأزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية. ومن المتوقع أن تواصل المقاومة رفع وتيرة الضغط داخل المنطقة العازلة، فيما سيستمر العدو في استهداف المدنيين والبنى التحتية في محاولة يائسة لصناعة صورة نصر مفقودة.