يحتل لبنان المكانة الأكثر أهمية في المعادلة الإقليمية للنظام الإيراني، ليس كونه فقط يشكل النسق الثاني في معادلة الردع أمام أي تهديد أو اعتداء قد يتعرض له، بل لخصوصيته المحورية في إطار مفهوم العمق الاستراتيجي لطهران.
هذه المعادلة التي عملت طهران على تكريسها خلال عقود، وأدركها حليفها اللبناني “حزب الله”، كانت الدافع والعامل الأساس والأبرز في القرار الذي اتخذه “حزب الله” بدخول المعركة إلى جانب طهران في الحرب التي شنتها عليها واشنطن وتل أبيب.
فإضافة إلى البعد العقائدي الذي يجعل من الحزب ملزماً بخيار الدخول في المعركة، نتيجة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي بوصفه ولياً للفقيه والقائد الديني والزعيم الروحي الذي يدين بالولاء له، فإن البعد الميداني واختلال المعادلات الردعية وموازين القوى فرضت عليه كسر ما سبق وجرى التوصل إليه من تفاهمات داخلية مع الحكومة اللبنانية، بعد إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، عندما لم يقدم على أي إجراء عسكري على رغم ما تعرض له من خسائر جراء حرية العمل العسكرية التي مارستها تل أبيب على مساحة الجغرافيا اللبنانية بغطاء أميركي واضح وصريح.
الدخول العسكري لـ”حزب الله” وإشعال الجبهة اللبنانية، لم يكن نتيجة نفاد صبر الحزب على الضربات التي تعرض لها خلال 15 شهراً، مع أن مواقفه كانت تلوح باقتراب موعد نفاد هذا الصبر. بل كان في سياق رؤية استراتيجية تهدف أولاً إلى محاولة إلهاء القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية واستنزافها من الجبهة اللبنانية، بحيث تكون هذه الجبهة قادرة على استقطاب جزء أساس من الجهد العسكري الإسرائيلي، مما يخفف نسبياً عن العمق الإيراني، الذي كان يواجه قوة أميركية هائلة ومدمرة وغير مسبوقة.
هذه المعطيات التي كانت العامل الحاسم في خيار “حزب الله” للمشاركة في الحرب إلى جانب طهران، أخرجته من الطابع النظري في تعريف الولاء لإيران وكسر خصوصيته اللبنانية، ونقلته إلى مستوى الشراكة الواقعية في سياق الرؤية الإيرانية للعمق الاستراتيجي وأدوار الفاعلين فيها.
من هنا، فإن الخصوصية اللبنانية التي نسجها الحزب حول عمل المقاومة، تخسر مسوغها الرئيس، بعد 15 شهراً. فهو ومن منطلق هذه العلاقة العضوية والتشاركية مع طهران، تحول إلى محطة أساسية في منظومة الردع الإيرانية وضلعاً محورياً في تكريس دورها ونفوذها الإقليمي. لأن الميزة التي يتمتع بها الحزب التي وفرتها وهيأتها العوامل الجغرافيا، جعلته على تماس مباشر مع الجانب الإسرائيلي، بحيت تحول جبر الجغرافيا الذي يحكم لبنان إلى ورقة في يد طهران تسمح لها بامتلاك موقع وقاعدة قوية على الحدود مع تل أبيب، وبالتالي فإن وجود وقوات منظمة ومدربة وذات خبرة عسكرية كالتي لدى “حزب الله”، تسمح لطهران بأن تكون قادرة على القيام بعمليات حربية مؤثرة تربك الحسابات الإسرائيلية والأميركية على حد سواء.
وقد تمحور التعامل الإيراني مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جبهة حقيقية نشطة، ودائماً على أهبة الاستعداد للعمل العسكري متى ظهرت الحاجة إليها، مما يمنحها خصوصية أساسية بأنها قادرة على الاستمرار والصمود والبقاء، تجعلها تحتل موقعاً مميزاً ومحورياً في معادلة الردع من خلال الحفاظ على قدرة التكيف وعدم الاستنزاف، أو التفكك وزيادة الضغط الداخلي اللبناني في مواجهة الحزب.
هذه النظرة للساحة والجبهة اللبنانية، كانت وراء الدفع الإيراني لـ”حزب الله” للقبول بوقف إطلاق النار الذي حصل في اتفاق نوفمبر 2024، التي كلفت الحزب أكثر من 500 قتيل في صفوف مقاتليه. إلا أن طهران وذراعها اللبناني، أو ما يسمى النسق الثاني للردع، حولت وقف إطلاق النار إلى استراحة قتالية، واستغلتها في إعادة ترميم خسائرها وسد الفجوات التي ظهرت جراء المعركة السابقة، استعداداً لجولة جديدة من القتال باللحظة المناسبة التي تخدم أهداف الطرفين معاً. وهذا ما أثبتته تجربة الحرب الأخيرة التي بدأت إسرائيلياً وأميركياً باغتيال المرشد الأعلى وكبار القادة العسكريين والسياسيين، وأعطت الحزب المسوغ العقائدي والديني لتجاوز كل التفاهمات الداخلية وحسم خياراته الأيديولوجية والمصلحية والاستراتيجية المرتبطة بالجبهة الإيرانية أو النسق الأول للردع.
وقد أثبت “حزب الله” أنه يعمل بمرونة كبيرة في تطورات الميدان الحربي، وأظهر مستوى من الالتزام الكبير، فيما تقرر إدارة المعركة في طهران التي أظهرت قدرتها على التحكم شبه الكامل بمسارات التصعيد ومستويات الرد، بحيث تخدم الهدف النهائي الإيراني في هذه المواجهة.
والانضباط الذي أظهره “حزب الله” في تنفيذ الخطط العسكرية التي تديرها طهران، برز من خلال الحفاظ على مستوى مدروس من العمليات العسكرية ضد القوات الإسرائيلية، بحيث لا تعطي الذريعة لتل أبيب بإعادة فتح الجبهة وشن حرب مفتوحة، وتساعد الحليف الإيراني في التمسك بشروطه التفاوضية مع واشنطن، التي تضع على رأسها مطلب إنهاء الحرب على الجبهتين (الإيرانية واللبنانية) والانسحاب الإسرائيلي الكامل من كل الأراضي اللبنانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتنظر طهران إلى مسألة إنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، باعتبارها انتصاراً استراتيجياً يضمن لها إلحاق هزيمة بإسرائيل، وتحبط كل الأهداف التي عملت وتعمل عليها تل أبيب في جعل طهران مكشوفة وعارية أمام أي تهديد، وذلك من خلال القضاء على دورها ونفوذها وعمقها الاستراتيجي في الإقليم.
إدارة هذا التوازن والحفاظ على التعادل بين وقف إطلاق النار والحرب المفتوحة والشاملة، لا تقتصر آثاره فقط في مرحلة الحرب، بل تبرز أهميته الأكبر في التهدئة والسلام. وهذا ما يجعل من الساحة اللبنانية بالنسبة إلى طهران أكثر من جبهة، بل ساحة تلعب دوراً مؤثراً في معادلات الأمن الإسرائيلية في مرحلة الهدوء، من خلال استنزاف جزء أساس من قدراتها لمواكبة الخطر الكامن من هذه الجبهة، وهو استنزاف دخل في صلب معادلة الردع الإيرانية.
وقد لا تكون طهران مستاءة من توصيف حلفائها بأنهم “أذرع إقليمية”، بخاصة “حزب الله”، فالذراع هو جزء من الجسد، وبالتالي فإن الحزب الذي يعد النسق الثاني من منظومة الردع الإيرانية. وكذلك الحوثيين باعتبارهم النسق الثالث لهذه المنظومة، هما بمثابة الأذرع التي تدافع عن الجسد. في عام 2004 كان رد علي شمخاني، الذي شغل منصب وزير الدفاع في حكومة الرئيس محمد خاتمي، على سؤال حول إمكان تخلي طهران عن حليفها “حزب الله” في لبنان، بأن رفع زنده وجمع قبضته في الهواء، وقال “هل يمكن لأي عاقل أن يقطع ذراعه”.
