دبي ـ في ليلة من ليالي دبي المضيئة، اجتمع الفن والوطن في مشهد واحد على خشبة دبي أوبرا، حيث أحيت أوركسترا دولة الإمارات العربية المتحدة حفلا موسيقيا بعنوان ‘حصّنتك يا وطن’، حمل بين أنغامه رسالة حب وانتماء، واستعاد ذاكرة أجيال تربّت على الأغاني الوطنية التي شكّلت وجدان المجتمع الإماراتي منذ قيام الاتحاد.

ولم يكن الحفل الذي شهد حضورا جماهيريا واسعا، مجرد عرض موسيقي، بل كان مساحة للتفاعل بين الجمهور والأوركسترا والكورال، إذ شارك الحضور في غناء أغنيات وطنية خالدة مثل دار زايد وخصيم الدار وسوف نحمي الاتحاد.

هذا التفاعل الجماعي منح الأمسية طابعا احتفائيا يعبّر عن وحدة المشاعر بين الفنانين والجمهور، ويجسّد كيف يمكن للموسيقى أن تكون لغة مشتركة تتجاوز الأجيال.

ومن أبرز لحظات الحفل مشاركة الفنان حسين الجسمي، الذي قدّم أغنية ‘الصقور المخلصين’، فكان ظهوره بمثابة جسر بين الأغنية الشعبية الحديثة والتوزيع الأوركسترالي الراقي.

وقد أضفى وجوده على المسرح بعداً إنسانيا وفنيا جعل الجمهور يعيش لحظة فخر جماعي، خصوصا حين ارتفعت الأصوات تغني مع الأوركسترا في مشهدٍ يختصر معنى الانتماء.

وجاءت الأمسية تزامناً مع الذكرى الخمسين لتوحيد القوات المسلحة الإماراتية، فكانت بمثابة تحية فنية للوطن وقيادته وشعبه.

وقالت الشيخة علياء بنت خالد القاسمي، المدير العام للأوركسترا، إن الحفل يشكّل  “تحية صادقة لدولة الإمارات قيادةً وشعبا”، مؤكدة أن الموسيقى في هذا السياق ليست ترفا فنيا، بل وسيلة للتعبير عن القيم الوطنية والروحية التي تجمع الإماراتيين.

وتأسست الأوركسترا قبل أكثر من عقد، لتكون أول مؤسسة موسيقية رسمية تمثل الإمارات في المحافل الدولية.

وتضم الأوركسترا نخبة من العازفين الإماراتيين والعرب والأجانب المقيمين في الإمارات، وتقدّم أعمالا تمزج بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والمقامات العربية والخليجية.

ومنذ انطلاقتها، حرصت الأوركسترا على أن تكون صوت الإمارات في العالم، فمثّلت الدولة في مهرجانات موسيقية في أوروبا وآسيا، وقدّمت عروضاً في باريس ولندن وبرلين، حيث لاقت إشادة واسعة بقدرتها على المزج بين الأصالة والحداثة.

وتسعى الأوركسترا إلى إعادة تقديم الأغاني الوطنية بقالب أوركسترالي معاصر، بحيث تتحول الموسيقى إلى مساحة تجمع الناس وتعبر عن مشاعرهم الوطنية، فالموسيقى في الإمارات ليست مجرد فن، بل جزء من الذاكرة الجماعية التي تحمل معاني الانتماء والصمود، وتعكس روح التماسك والتكاتف التي تميّز المجتمع الإماراتي في مختلف الظروف.

وتُعدّ هذه المقاربة امتدادا لتاريخ طويل من الاهتمام بالموسيقى في الإمارات، حيث كانت الأغاني الشعبية والبحرية والبدوية وسيلة للتعبير عن الحياة اليومية، قبل أن تتحول إلى رموز ثقافية تعبّر عن الهوية الوطنية الحديثة.

وتعمل الأوركسترا اليوم على تطوير مشروع موسيقي شامل يهدف إلى توثيق الأغاني الوطنية القديمة وإعادة توزيعها بأسلوب أوركسترالي، مع إدخال عناصر من الموسيقى الإلكترونية والسينمائية.

وقال الفنان حسين الجسمي في كلمته خلال الحفل، “يسرّني أن أكون هنا هذه الليلة مع الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات في أمسية تعبّر عن الصمود والفخر بالوطن”.

وأضاف أن هذا اللقاء الفني “يعبر عن إيمان أمة تقدر دور الفنون والثقافة في التعبير عن الهوية والانتماء”.

ولخصت كلماته جوهر المشروع الموسيقي الإماراتي: أن يكون الفن مرآة للهوية، وجسراً للتواصل بين الأجيال والثقافات.

في نهاية الأمسية، حين ارتفعت الأصوات تغني ‘حصّنتك يا وطن’، بدا المشهد وكأنه لوحة وطنية مكتملة الأركان، تجمع بين العزف والغناء والمشاعر الصادقة. فالأوركسترا الوطنية الإماراتية لم تعد مجرد فرقة موسيقية، بل أصبحت رمزاً ثقافياً يعبر عن روح الاتحاد، وعن وطنٍ يرى في الفن وسيلة لحماية ذاكرته وصون هويته.

إنها موسيقى تُعزف من القلب، وتُترجم بلغة العالم، لتقول إن الإمارات لا تحتفي فقط بماضيها، بل تبني مستقبلها على إيقاع الفن والإنسانية.