جو ليهي – ديمتري سيفاستوبولو
أمريكا لم تعد تملك زمام الأمور فهل ولّى ذلك العصر فعلاً إلى الأبد؟
قبل ثلاث سنوات، كانت العلاقات الأمريكية الصينية في أدنى مستوياتها عقب سلسلة من الخلافات الدبلوماسية والمخاوف من احتمال نشوب صراع حول تايوان. عندها، قررت إدارة جو بايدن بذل قصارى جهدها لبناء علاقة ودية بين الرئيس الأمريكي ونظيره شي جين بينغ، على أمل أن يسهم التواصل الشخصي في استقرار العلاقات، حتى مع تطبيقها إجراءات صارمة وضوابط تصدير مشددة.
ووافق الزعيم الصيني، الذي كان يزور سان فرانسيسكو في نوفمبر من ذلك العام لحضور منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، على عقد قمة ثنائية في قصر فيلولي الريفي الفخم المجاور (الذي كان موقع تصوير المسلسل التلفزيوني الشهير «داينستي»). وعندما استقبل جو بايدن ضيفه عند الباب، أراه صورة على هاتفه لشي في شبابه، التُقطت عند جسر البوابة الذهبية قبل 38 عاماً. بدا شي، المعروف بقلة كلامه، مسروراً. ابتسم شي أيضاً عندما أثنى بايدن على سيارة الزعيم الصيني «هونشي»، وهي سيارة ليموزين فخمة صنعت خلال فترة حكم ماو، وتم شحنها خصيصاً من الصين، وقارنها بسيارته الرئاسية «الوحش»، وهي سيارة كاديلاك مصفحة.
لكن وفقاً لسارة بيران، كبيرة مستشاري البيت الأبيض لشؤون الصين آنذاك، تحوّلت الأجواء الودية إلى توتر خلال نزهة ثنائية في الحديقة، حيث بدا أن الرجلين بالكاد يتحدثان أثناء تجولهما. وقالت: «كان الهدف هو إظهار استقرار العلاقات. لكن من المفارقات أن الرغبة في التقاط صورة للرئيسين بمفردهما تعني عدم وجود مترجمين معهما، وبالتالي لم يتمكنا من التحدث مع بعضهما البعض». في النهاية، كان كلا الجانبين يسعى إلى الاستقرار. ولذلك، اعتبر البعض أن الزيارة حققت أهدافها. كما كشفت مجدداً عن مدى أهمية هذه العلاقات الشخصية بين قادة البلدين في تحديد مسار العلاقات الثنائية.
وستتجلى أهمية هذه العلاقات مجدداً عندما يبدأ دونالد ترامب، الذي يتباهى باستمرار بعلاقته الوثيقة بنظيره الصيني، زيارةً خلال الأسبوع الجاري تستغرق يومين إلى بكين. وتأتي الزيارة في وقت تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على الهيمنة في التجارة والتكنولوجيا، فضلاً عن النفوذ العالمي. في أكتوبر الماضي، التقى شي وترامب في كوريا الجنوبية واتفقا على خطوة حاسمة في حربهما التجارية، حيث خففت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية التي بلغت 145 % بعد أن ضغطت بكين على الولايات المتحدة لتقليص إمداداتها من المعادن الحيوية اللازمة لتصنيع المنتجات عالية التقنية.
ومثّلت قدرة الصين على مواجهة الهجوم الجمركي الأمريكي لحظةً مهمة في التنافس الاستراتيجي بين القوة العظمى الصاعدة والقوة المهيمنة الحالية، محطمةً بذلك صورة الولايات المتحدة كقوة مطلقة. يقول فيكتور شيه، أستاذ الاقتصاد السياسي الصيني في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو: «ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة، كما يحلو للرئيس ترامب أن يقول، تملك زمام الأمور. لقد ولّى ذلك العصر، بل إلى الأبد».
ويقول بعض المسؤولين الأمريكيين إن كلا الجانبين يسعى الآن إلى «الاستقرار الاستراتيجي» لكسب الوقت لمعالجة نقاط ضعفهما، بما في ذلك المعادن النادرة بالنسبة للولايات المتحدة وأشباه الموصلات بالنسبة للصين. لكن آخرين وصفوا ذلك بازدراء بأنه «خضوع استراتيجي» من جانب الولايات المتحدة، ويخشون أن تتخلى واشنطن عن دورها في حماية النظام العالمي في مواجهة شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ويقول وانغ يوانتشونغ، الخبير في تاريخ العلاقات الأمريكية الصينية بجامعة ديلاوير: «يتذكر أبناء جيل والديّ زيارة نيكسون. كان العداء للإمبريالية الأمريكية جزءاً من حياتنا اليومية، وفجأةً ظهر الرئيس الأمريكي في بكين. لقد كانت لحظةً صادمةً حقاً». عُقدت قمتان لاحقتان عام 1979 بين جيمي كارتر ودينغ شياو بينغ، وبين رونالد ريغان ودينغ عام 1984، ما عزز العلاقات الاقتصادية. وكان دينغ قد أطلق آنذاك إصلاحاته السوقية، كما كان ريغان مقتنعاً بأن الصين ستتبنى الرأسمالية على النمط الأمريكي، فضلاً عن الديمقراطية والفردية في نهاية المطاف.
ومنذ ذلك الحين، بلغت العلاقات ذروتها في مرحلة «الانخراط»، لكن مع تذكير دائم بهشاشة لا يمكن إخفاؤها، بما في ذلك مذبحة ميدان تيانانمين عام 1989 وقصف الولايات المتحدة للسفارة الصينية في بلغراد عام 1999.
وخلال مذبحة تيانانمين، اختبر جورج بوش الأب، الرئيس الوحيد الذي شغل سابقاً منصب رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في بكين، بشكل مباشر غموض النظام الصيني ومحدودية التواصل الشخصي مع قادة بكين. فعلى الرغم من أن بوش كان قد سعى إلى توطيد علاقته بدينغ لسنوات، إلا أن الزعيم الصيني لم يرد على مكالماته الهاتفية.
كتب جيفري إنجل، محرر كتاب «يوميات جورج بوش الأب في الصين»، وهو سرد الرئيس الأسبق لأيامه في بكين: «اعتقد بوش أن صداقتهما قد تُسهم في تهدئة غضب بكين تجاه المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية». وأضاف: «رفض دينغ جميع هذه المحاولات، ما أثار إحباط بوش الشديد».
في عام 2005، زار جورج بوش الابن هو جين تاو في بكين، حيث سعى إلى التركيز على حقوق الإنسان والحرية الدينية. وردّ هو جين تاو الزيارة والتقى بوش في واشنطن عام 2006. لكنه عانى من الأرق بسبب ضجيج المتظاهرين من جماعة فالون غونغ، وهي جماعة روحية محظورة في الصين باعتبارها تخريبية. ومما زاد الطين بلة، أن أحد أعضاء جماعة فالون غونغ تمكن من دخول البيت الأبيض أثناء الزيارة، كما قدّم الجانب الأمريكي النشيد الوطني الصيني خطأً.
خلال فترة رئاسة باراك أوباما، ازدادت العلاقات تعقيداً مع سعي الولايات المتحدة إلى «التحوّل» نحو آسيا لاحتواء الصين المتنامية. وكانت بكين تزداد ثقةً بنظامها بعد أن حقق اقتصادها أداءً جيداً نسبياً خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وفي عام 2014، التقى أوباما شي جين بينغ في الصين خلال زيارة لحضور قمة أبيك، وأثار مخاوف بشأن تزايد الأنشطة العسكرية الصينية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، حيث كانت الصين تبني جزراً اصطناعية لتعزيز سيطرتها على المنطقة.
في العام التالي، أطلق شي برنامجه الصناعي «صنع في الصين 2025» الذي يهدف إلى الارتقاء ببلاده في السلم التكنولوجي ليشمل الرقائق الإلكترونية، وآلات التصنيع، وغيرها من المجالات. وقد أثارت أهدافه التجارية للاستحواذ على حصة أكبر في السوق العالمية غضب الشركاء الغربيين باعتبارها مناهضة للتجارة الحرة.
ثم جاء ترامب، الذي دعا شي جين بينغ إلى منتجعه مارالاغو في أوائل عام 2017، حيث قدم للرئيس الصيني «أجمل قطعة كعكة شوكولاته رأيتها في حياتك». وخلال زيارة إلى بكين في أواخر عام 2017، اصطحب شي جين بينغ والسيدة الأولى بنغ لي يوان ترامب والسيدة الأولى الأمريكية ميلانيا في جولة خاصة في المدينة المحرمة، حيث لم يسبق لأي رئيس دولة أجنبية أن تناول العشاء مع رئيس صيني في القصر الإمبراطوري السابق منذ عام 1949. لكن جائحة كورونا قضت على العلاقة الناشئة، إذ ألقى ترامب باللوم على الصين في تفشي كوفيد 19.
وتأثرت العلاقة خلال السنوات الأولى من رئاسة بايدن بزيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان، وحادثة بالون تجسس صيني عبر أمريكا الشمالية.
ويقول سكوت كينيدي، الخبير في الشؤون الصينية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الولايات المتحدة، بدءاً من عهد ريغان، اعتقدت أنها قادرة على إدارة خلافاتها مع بكين باستخدام منظمة التجارة العالمية وغيرها من آليات النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب، وذلك لتحقيق النمو المشترك. «لكننا فقدنا الثقة بهذه الآليات، ومع ازدياد قوة الصين، قررت الاعتماد بشكل أكبر على التدخل الحكومي» وبهذا المعنى، فإن عهد ترامب، الذي تتبنى فيه الولايات المتحدة الآن بعض السياسات الصناعية نفسها التي تتبناها بكين لتعزيز نسختها الخاصة من الاكتفاء الذاتي، يمثل، بحسب كينيدي، «النهاية الحقيقية لتلك التطلعات الريغانية».
ومع استعداد ترامب لزيارة بكين، فإنه يأمل تحقيق «انتصارات» دبلوماسية بارزة، مثل مبيعات طائرات بوينغ وفول الصويا، وربما إنشاء «مجلس تجارة» جديد لمحاولة معالجة النزاعات التجارية بين البلدين. لكن ترامب سيواجه هذه المرة صيناً أكثر ثقة. فعلى الرغم من مشاكلها الاقتصادية العديدة، بدءاً من انهيار سوق العقارات، وبطالة الشباب، والتراجع الديموغرافي، يعتقد قادة الصين أنهم يتفوقون على الولايات المتحدة في مجال التجارة وضوابط التصدير. ووفقاً لباحث صيني في بكين، رفض الكشف عن اسمه، «لم تعد بكين قلقة الآن بشأن تصرفات إدارة ترامب، فالصين لديها أدوات أكثر للرد».
لكنه يقول إن شي جين بينغ ربما يريد تعزيز العلاقة مع ترامب، حيث يعتقد أن الرئيس الأمريكي أقل تشدداً بشأن القضايا الأمنية المتعلقة بالصين من معظم الخبراء في واشنطن ومن العديد من مسؤوليه، وقد يقدم تنازلات عن طيب خاطر بشأن قضايا حاسمة.
من جانبه، يأمل ترامب إبرام اتفاقيات تجارية وتقديم الصين مساعدة لإيران. ويقول الخبراء إن موقف الصين في المفاوضات قد يتعزز بنفوذها على طهران، كونها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. ويضيفون: «ربما سيطلب الصينيون نوعاً من التنازلات المتعلقة بتايوان، ثم سيضغطون هم من جانبهم على الإيرانيين».
يريد المسؤولون الصينيون، على سبيل المثال، من ترامب تغيير الخطاب الأمريكي بشأن تايوان ليقول إن واشنطن «تعارض استقلال تايوان». وقد أكد المسؤولون الأمريكيون أن السياسة الأمريكية تجاه تايوان لم تتغير، لكن ترامب لديه سابقة في قول أشياء لشي جين بينغ لم يكن الرؤساء السابقون ليقولوها.
وكانت صحيفة فاينانشال تايمز قالت في عام 2019 إن ترامب أخبر شي جين بينغ، خلال حضورهما قمة مجموعة العشرين في أوساكا، أن الولايات المتحدة ستخفف من حدة انتقاداتها لنهج بكين تجاه هونغ كونغ في أعقاب الاحتجاجات الكبيرة المؤيدة للديمقراطية في الإقليم. وكان الهدف من هذا العرض هو المساعدة على إنعاش المحادثات خلال الحرب التجارية التي اندلعت في ولاية ترامب الأولى.
ويؤكد كريستوفر جونسون، كبير محللي الشؤون الصينية السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والرئيس التنفيذي الحالي لمجموعة استراتيجيات الصين قائلاً: «للشخصيات أهمية، لكن بشكل هامشي فقط. ويتصور ترامب نفسه مهندس صفقة كبرى مع الصين. أما بالنسبة لشي جين بينغ، فالأمر يتعلق بكسب الوقت للانفصال التام عن الغرب وإزاحة دوره في سلسلة التوريد العالمية للتصنيع المتقدم».مع ذلك، لا يزال بإمكان ترامب أن يصنع التاريخ من جانب واحد. قال إنه يتوقع أن «يُعانقه الرئيس شي بحرارة عند وصوله» بمناسبة «فتح مضيق هرمز». وسيكون ذلك بالتأكيد سابقةً لرئيس أمريكي، وسيعني انضمامه إلى نادٍ حصريّ للغاية، فالزعيم الصيني المتحفظ عادةً ما يُخصّص العناق لبوتين فقط.
