هناك، في فندق حسّان في الرباط، قبل 34 عاماً، أخبرني عبد الوهاب الدوكالي، والذي يوصف عميد الأغنية المغربية، إنه سيُصدر “قريباً” كتاب مذكّراته “شيء من حياتي”. وقال لي، في محاورة صحافية منشورة، إنه يتذكّر في هذا الكتاب نفسَه منذ كان عمرُه ثلاث سنوات، بل ويتكلّم فيه عن ذاته قبل أن يولَد، و”عندما يصدُر الكتاب سيرى القرّاء إن هذا ليس أمراً عجيباً”. وأخذَت “قريباً” تلك 30 عاماً، ففي 2022، أصدرت دار التوحيدي في الرباط الكتاب (بالعربية والفرنسية) بالعنوان نفسه مع إضافة “… ثلاثيّة الحب والفن”، وأنه الجزء الأول. وتحدّث الدوكالي للصحافة إن الجزئين التاليين سيصدُران “قريباً”، ثم توفي الأسبوع الماضي عن 85 عاماً، ولم يصدُرا. وأفضت دار النشر لمن أفضت إليه بأن الجزء الثاني جاهز، ولم يُنشر لظروف خاصّة بالفنان الذي كان صاحب حضور، وعلى طرافةٍ وبداهةٍ، مع اعتدادٍ كبير بنفسه (قال مرّة في مطالع شبابه إنه سيكون أول مطربٍ سيغزو المرّيخ)، وهو صاحب تجربة ثريّة، موسيقاراً ومغنّياً وملحّناً منذ أولى أغنياته أمام الجمهور في 1959، ورسّاماً أيضاً، عدا عن أدوارٍ له في ستة أفلام، ثلاثةٌ منها مصرية (أحدُها من بطولة فاتن حمامة).
لا مغامرة في قول من يقول إن عبد الوهاب الدوكالي كان المغنّي المغربي الوحيد المعروف، جماهيرياً، في المشرق العربي، في زمن ما قبل الفضائيات التلفزيونية. ولا أنسى، في صبانا في أواسط السبعينيات، مشهدَه على شاشة التلفزيون الأردني، بالأبيض والأسود، يحمل عودَه وخلفه فرقة موسيقية، ويغنّي “مرسول الحب”، الأغنية التي أشهرته منذ أطلقها في 1972، ولم نعرف له غيرَها حتى وقت طويل، ويُنصت إليه جمهورٌ يبتهج به في مسرحٍ واسع (قرأتُ تالياً إنه في دمشق). وساعد في ذيوع اسمه مُقامُه، في مطالع الستينيات، في مصر، حيث أدّى هناك من ألحانه وألحان غيره أغنياتٍ راجت هناك، وذاعت بعض الشيء عربياً، شارك بإحداها في فيلم “القاهرة في الليل” (1963)، من بطولة صباح وفؤاد المهندس ونادية لطفي. والتقى هناك بمحمّد عبد الوهاب (روى أن جدّته كانت معجبةً بالملحن المصري الشهير فسمّت حفيدها عبد الوهاب)، وصارت له صداقاتٌ ولقاءاتٌ مع عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم ونجوم في الصحافة والسينما، ومن فرط زهوه بنجاحاته المبكّرة، نشرت له صحيفة هناك قولاً لم يُنكره تالياً إنه “المطرب العربي الأول”.
كان لا بدّ من مصر، في ذلك الزمن، ليبلغَ المغنّي والممثل العربي شأناً وشهرةً، وقد حاز اسم عبد الوهاب الدوكالي بعض الذيوع في سنواته القاهرية الثلاث، لكنه آثر العودة إلى بلده، ليمضي إلى نجوميّته المحليّة، ونشاطه الفنّي الذي صار لافتاً، وكان يلحّن أغانيه بنفسه، وقد قال لي في تفسير أمرِه هذا، وقد لا يكون مقنعاً تماماً، إن لا أحد يمكنه أن يعرفه إنساناً أكثر مما يعرف ذاته. وأضاف “أجدّد نفسي، وأغيّر الاتجاه في الكلمة واللحن والأداء كل سبع سنوات، وأحسّ أنني أتطوّر في ذاتي”. ومع صحّة قول مواطنِته، المغنّية سميرة سعيد، في رثائها له، إنه كان صاحب شخصيّة فنّية واضحة ومتفرّدة، أرى أن أغنياتٍ للرجل لم تكن موفقةً في كلماتها، على غير ما كانت عليه ألحانُها وتنغيماتُها وإيقاعاتها. والدوكالي الذي اعتاد عليه الجمهور في حفلاته يحمل عودَه، بل لم يكن يرضى بوجوده على المسرح من دون العود، كان يراهن، غالباً، على حضوره الطاغي، وهو للحقّ شخصية ذات كاريزما وشيءٍ من الزعامة، وعلى ألحانه التي كان يجتهد في تنويعها، لكن هذا كله لا يكفي مع كلماتٍ متواضعةٍ شعرياً وإيحائياً في الأغنيات. وليس تزيّداً القول إن من أسباب ضعف الأغنية العربية في زمن تراجعها الراهن نقصان الإبداع في كلماتها.
… هناك في قسنطينة (في الجزائر) قبل 11 عاماً، كنّا جمعاً غفيراً من المدعوين والجمهور العام في سهريةٍ بديعة، شارك في إحيائها مغنّون من عدة بلاد عربية، تكريماً للراحلة وردة الجزائرية. وكان من الضيوف عبد الوهاب الدوكالي. وفي ظهيرة اليوم التالي، كنّا في حجرةٍ خاصّة في مطار المدينة، شوقي عبد الأمير وأنا، وبعض الضيوف والمغنّين، أبقانا فيها مضيفونا بانتظار الذهاب إلى الطائرات مغادرين، كان معنا صاحب “مرسول الحب”، يُجالس أحد معارفه. لم أفكّر بمحادثته، وبتذكيره بجلسةٍ بعيدةٍ طيّبةٍ بيننا، في الرباط التي جاءني إليها من الدار البيضاء، وطافت في غير شأنٍ وشأن. بدا أمامي على اعتدادِه الظاهر بنفسه، أنيقاً ورواقياً، وبحضورٍ محبّب. رحمه الله.