خرج فيلم “أسد” إلى النور محملاً بتوقعات عالية بعدما امتدت صناعته ست سنوات، وأنفقت عليه ملايين الدولارات. يُعد “أسد” فيلماً مهماً لمخرجه محمد دياب الذي يعود لإخراج فيلم في بلده إثر غياب دام عقد كامل، خاض خلاله تجربتين بارزتين إحداهما عربية والثانية هوليوودية ذات حيثية في مسيرته. كما يحمل السيناريو توقيع “آل دياب” الثلاثة، محمد وخالد وشيرين، بعدما ثبّت كل منهم قدميه في الصناعة بتجارب متنوعة. كذلك يمثل محطة مهمة في مشوار ممثله الرئيسي محمد رمضان الذي غاب عن الساحة الفنية ثلاث سنوات مكتفياً بالظهور في برنامج رمضاني.

“أسد” الذي يقدم حكاية تبدو مختلفة ظاهرياً عن السائد في السينما المحلية، صرح بطله في أكثر من موضع خلال مرحلة الإعداد أنهم يطمحون إلى بلوغ المهرجانات العالمية، وإن كان عرضه التجاري مباشرة يوجه بوصلته نحو السعي إلى تمثيل مصر في سباق الأوسكار على أمل الوصول للتصفيات.

شكلت عودة محمد دياب إلى السينما المصرية تجربة تحمل طموحاً واضحاً للخروج من القوالب المحلية المعتادة

كل هذا الزخم جعل الجمهور مترقباً، وجاءت ردود الفعل متباينة بين إشادات عريضة وإحباطات على نطاق أضيق، بينما يبدو الفيلم حقيقة في منطقة وسطى بين الكثير من الرهانات.

حكاية قديمة تاريخاً ودراما

ينطلق فيلم “أسد” في موضوعه من نقطتَي قوة تتهاويان بمرور الأحداث؛ الأولى هي تناوله لحقبة تاريخية منضماً إلى قائمة من الأفلام التي لا يتناسب عددها مع غزارة إنتاج السينما المصرية، لكن تحديد الزمان والمكان مع تجهيل تفاصيل أخرى أربك التلقي، وأوقعه في أخطاء تاريخية يتم تداولها عبر الفضاء الرقمي.

أما الثانية فهي طرحه قضية الرق في مصر، تلك التي نلمح طيفها في أعمال محلية دون تعمق كافٍ، وكأنها حكر على الأفلام الأمريكية، غير أن الفيلم لم يبتعد في تصوره للعبودية عن تلك المرجعيات، حتى بدت حكايات قصور المسلسلات التركية أقرب في فانتازيتها من هذا النموذج الغربي.

تدور الأحداث في منتصف القرن التاسع عشر، حول أسد (محمد رمضان) الذي يُختطف طفلاً من بلاده الأفريقية ويباع في سوق النخاسة المصرية، حيث يعيش معاناة وقهراً لا يخففهما سوى قصة الحب التي تنشأ بينه وبين ابنة سيده، ويتعلق بحلم الانعتاق مع قرار منع الرق الذي يظل موقوف التنفيذ على أرض الواقع، فيخوض رحلةَ تمردٍ وثورة من أجل الحرية والكرامة.

تستدعي الحكاية أفلاماً شهيرة تناولت العبودية مثل “Spartacus” و”12 Years A Slave”، وأفلاماً أخرى حكت عن استعباد شعوبٍ لشعوب أخرى مثل “Braveheart” الذي يظهر فيلم “أسد” متأثراً به في مشاهد عدة منها مشهد زواج الحبيبين سراً، ومشهد اقتفاء أسد بنظراته لخطوات حبيبته وهي تتجول في الجبل، كما كان ويليام يتأمل حبيبته في السوق، وصولاً إلى مشهد النهاية والهتاف بالحرية.

لكن حكاية “أسد” وتطوراتها الدرامية المنطلقة من قصة الحب بين العبد والسيدة، تُعدّ تيمة تقليدية وقديمة قِدمَ قصةِ “عنتر وعبلة” في التراث العربي، وقد قُدّمت بحبكات مختلفة في السينما المصرية، وإن غابت العبودية وحلت محلها الطبقية، بصراعها المألوف بين “الغني المستبد” و”البسيط المثالي”.

ومع ذلك، ثمة خيار لافت في السيناريو وهو الاتكاء على بُعد التمرد على السلطة الأبوية والموازاة بينها وبين رفض الاستعباد، حيث تبدو هذه السلطة حاضرة في نسيج الحكاية متمثلة في ثنائيتَي الابنة (رزان جمال) وأبيها (كامل الباشا)، والأمير (أحمد داش) وابيه الوالي (ماجد الكدواني)، لكنها تأتي في خلفية الحكاية النمطية، مثلما بقيت قضية العبودية ذاتها مُسطحة، لا تغوص في واقع مصر آنذاك وطبيعة شعبها.

بريق الصورة وعثرات النص

بذل صُناع “أسد” جهداً ملحوظاً لتحقيق متعة بصرية أثناء المشاهدة، يتجلى ذلك في العناية بالخيارات الفنية من أماكن تصوير وديكورات وتصميم ملابس وإكسسوارات تلائم روح الحقبة الزمنية. كما يخلق الفيلم حالة بصرية تتناغم مع التحولات الدرامية؛ بداية من حضور المياه خاصة في المشاهد الشاعرية التي تجمع البطلين. إلى أن تطفو الجثث على النيل، فيتخذ الفيلم مساراً أكثر خشونةً، ويتجه نحو عالم الجبال والحجارة، ومع تصاعد حدة المعارك والمشاهد الدموية يزداد حضور النار وتصبح صورة المياة موحشة وباردة وقد امتزجت بالعنف.

لكن الانغماس في عالم الفيلم لا يصمد مع متابعة الأحداث، التي كلما حاولنا الاستغراق فيها وجدنا أنفسنا نتساءل حول منطقية ما نراه على الشاشة، وهل يتدفق طبيعياً أم يوجه قسراً في اتجاه محدد، وذلك مع تنحية الدقة التاريخية جانباً، والتوقف أمام الحكاية المقدمة ببنائها البسيط ومدى قربها من الواقع المصري؛ على سبيل المثال، حينما يقرر الحبيبان الزواج سراً بحضور المقربين، نرى رجلاً من ظهره بجلباب وعمامة يشبه المأذون، يعقد قرانهما أمام النيل واقفاً بشكل لا يشبه الطقوس الإسلامية المعتادة وبمفردات مقتضبة في مشهدية أقرب للزواج على الطريقة الغربية.

بدت العبودية في الفيلم أقرب إلى تصور سينمائي مستورد، لا إلى واقع مصري حيّ له تعقيداته الخاصة

كذلك حينما يذهب عوض (مصطفى شحاتة) لتهريب أسد من محبسه، حيث يخبره بأن جميع الحراس في فيلا سيده من أجل حفل زفاف حبيبته، فكيف يُعقل أن يُخلي جميع الحراس موقعهم في الوقت الذي يعتبر فيه أسد هو الخطر الأكبر والمهدد الأول لهذا الحفل، ولماذا يتركونه بلا حارس واحد حتى وإن كان منهكاً من التعذيب؟

ناهيك عن عملية خطف الأمير التي تمت بمنتهى البساطة وكأنه يسير بلا حراسة تليق بمكانته، فضلاً عن توقع أسد أن بإمكانه إنقاذ ابنه والمطالبة بحريته بينما يقود الأمير مُصفداً ويفك قيوده أمام أبيه الوالي المتغطرس متوقعاً النجاة ومن معه! فحتى إن كان ذلك آخر ما يمكنه فعله، لا تبدو خطة ذكية ومتماسكة تليق بسمات البطولة التي منحه إياها الفيلم.

ينسحب ذلك على اختيار الممثلين وتفاصيل شخصياتهم؛ فعلي سبيل المثال تظهر شخصية يكن (علي قاسم) كخصم رئيسي في القصة يحمل صراعاً داخلياً مُعقداً، فهو ابن لأم مستعبدة، نشأ على إنكار صلتهما حتى يحظى بمكانة في مجتمعه، الأمر الذي دفعه لتبني سلوك عدواني مفرط تجاه العبيد مع احتقاره لهذا الأصل وسعيه للتبرأ منه باستمرار.

ومن أجل تعميق العُقدة، يمنحه السيناريو تفصيلة الهوس بوضعِ مساحيق فاتحة على وجهه ليخفي درجة سواده، لكنها تبدو مفتعلة وغير مقنعة. فالممثل رغم جودة أدائه يمتلك أساساً بشرة قمحية مصرية ما يجعل التفصيلة نفسها غير مقنعة، ولا تتناسب مع تنوع بشرة المصريين.

تستمر هذه التفاصيل المقحمة في تشتيت المشاهد بشكل يصعب معه التماهي مع الشخصيات، خاصة في لحظات مؤثرة مثل مشهد يأس أسد وإقدامه على الانتحار، حيث يأتي الطفل الصغير الذي تعلق به محاولاً ثنيه عن فعلته ويخبره أنه بحاجة إليه لتحطيم الطوق المحيط برقبته، رغم أن الطوق يبدو كبيراً مقارنة بحجم رأس الطفل ويسهل تمريره عبرها دون عناء. وبالتالي، فإن الصورة نفسها رغم الاهتمام بالكثير من تفاصيلها تفتقر للإقناع في أبسط ما يحكم سلوك الشخصيات.

النجم وأوجه البطولة الشعبية

تصاعدت شعبية محمد رمضان وأخذت تترسخ عبر أعمال سينمائية تنطلق من مناطق معتمة في الشارع المصري، يظهر فيها بطل يشبه الطبقات الكادحة في سماته الشكلية ومفرداته، لكنه خارجاً على القانون، دفعته الظروف إلى سلك عوالم الجريمة، ومن خلال سلسلة أحداث تقوم على خليط من المطاردات واستعراضات القوة والفحولة، إلى جانب الإيحاءات الجنسية والأغاني الشعبية، تتشكل الحكاية التي انقسم حولها الجمهور بين إقبال واسع ودعوات مقاطعة للعنف والبلطجة. فيما تفاوتت آراء الأوساط الفنية والثقافية بين اعتبار هذه الأعمال انعكاساً لواقع قائم رغم التشكيك في قيمتها الفنية، والجدل المستمر حول النجم نفسه صاحب برسونا “نمبر وان” التي تستفز كثيرين والممثل الذي يمتلك موهبة تُهدر هباءً.

بعد سنوات، أعلن رمضان إنه غير راضٍ عن أفلامه الأولى وإن عاد به الزمن سيتخذ خيارات مختلفة، ومع ذلك انتقل لترسيخ صورة أخرى في المسلسلات تقوم على البطل المظلوم الذي يسعى للانتقام من خصومه ببناء يستدعي الملاحم الشعبية، وصولاً لـ”جعفر العمدة” الذي وسع من قاعدته الجماهيرية، سواءً بدافع التعلق بالحكاية أو التفاعل معها على نحو ساخر .

تتخلل هذه الأعمال المقولبة، خيارات أخرى تميل للتعاون مع مخرجين كبار للمزج بين الفني والتجاري، أو النخبوي والشعبوي، حتى وإن كانت الحكاية نفسها تحمل نفس تيمة البطولة الشعبية ومحاربة الأشرار والبحث عن سبيل للخلاص. يبدو “أسد” امتداداً لهذه الخيارات، يسير خلاله محمد رمضان على الدرب ذاته، بداية من اسم الفيلم المرتبط بالشخصية، مروراً بالظلم والقهر الواقعين عليها، ثم مواجهة الأسياد، والانتقال إلى موقع الزعامة وتحرير العبيد.

استعان الفيلم بلغة بصرية قوية ومشاهد معارك صاخبة، لكن أثره العاطفي بقي محدوداً بعد انتهاء المشاهدة

بالطبع تختلف هذه الصورة عن بداياته، كما يتخلى هنا جزئياً عن ملامح الذكورة الصلبة المعتادة، حيث يتعرض أسد للإهانة والسحل والخصي على الشاشة، وإن كان الفيلم يمنح بطله لاحقاً فرصة استعادة توازنه وهويته المتسيّدة، من خلال إظهار براعة قتالية تبدو أحياناً أبعد مما يسمح به تكوين الشخصية كعبد نشأ وعمل عند نخاس في الأرض والبيت والسوق، حتى وإن تدرب قليلاً، ويكتمل المسار بالانتقام من خصمه بفعل مماثل.

يقدم رمضان أداءً جيداً للشخصية لكن يصعب ملامسة مشاعرها بعمق والتعلق بها، في ظل حالة الاغتراب المهيمنة على الأحداث وما يشوب البناء من ثغرات. وبرغم أن الفيلم وممثله يحاولان ظاهرياً كسر سطوة البطل الأوحد على الأحداث عبر إشراك شخصيات مساعدة في رحلة التحرر، إلا أن هذه الشخصيات ظلت في جوهرها توابع درامية تدور في فلك الشخصية الرئيسية، وليست مستقلة بذاتها. يتجلي ذلك في حرمان هذه الشخصيات من المساحة الشعورية اللازمة لبناء رابطة مع المشاهد بشكل يتيح التفاعل مع لحظاتها الحاسمة، والحقيقة أن الفيلم نفسه لا يمنحها ما يكفي من الانتباه في تلك اللحظات.

على سبيل المثال، حينما يواجه عوض بالحقيقة الصادمة بشأن والده لا يحظى بلحظته الخاصة، حيث تنتقل الكاميرا سريعاً إلى أسد لمواجهة سيده وسؤاله عن ابنه. كذلك الحال مع ورد التي اتخذها أماً له، لا تُمنح ما يكفي للكشف عن دواخل شخصيتها، ومن ثم تأتي لحظة قتلها على مباغتتها عابرة، بينما ينحصر التركيز بعد ذلك على أسد وغضبه من خسارتها.

هكذا يبدو “أسد”، فيلماً وبطلاً، في محاولتهما للخروج عن المألوف والآمن، خطيا بعض المسافة نحو هذا الطموح، لكن تعثرات الطريق أبقتهما عالقَين بين ما أرادا بلوغه وما انتهيا إليه فعلياً. ربما يحظى الفيلم بتقدير على مستوى جمالياته البصرية وتصميمه الحركي، إلا أن ما يظل باقياً قي الذاكرة عادة هو المشاعر والأفكار التي يتركها العمل، وما ينجح في بنائه من روابط مع شخصياته ولحظاتها المفصلية، وفي هذا الشأن لم يُصِب الفيلم هدفَه.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.