
القاهرة – «القدس العربي»: شهدت الأوساط الثقافية والسينمائية في مصر حالة واسعة من الجدل تزامنت مع انطلاق عرض فيلم «أسد»، وهو العمل الملحمي الذي يجمع للمرة الأولى بين المخرج العالمي محمد دياب والنجم محمد رمضان في تجربة إنتاجية ضخمة تجاوزت ميزانيتها حاجز الستة ملايين دولار.
وقد تحول الفيلم منذ اللحظات الأولى للكشف عن ملصقاته الدعائية إلى مادة لسجال فكري حاد حول «السيادة التاريخية» ومدى التزام الفن بحماية الهوية الوطنية، خاصة في ظل الاتهامات التي طاردت صناعه بدعم سرديات حركة «الأفروسنتريك» أو المركزية الأفريقية التي تثير قلقاً كبيراً لدى الشارع المصري.
بدأت شرارة الأزمة مع ظهور الفنان محمد رمضان في الملصق الترويجي ببشرة سمراء داكنة وهو مكبل بالسلاسل وسط معالم معمارية توحي بالحقبة الإسلامية، مما أثار شكوكاً لدى خبراء الأثر حول طبيعة القصة التي يتناولها العمل.
وقد غذى هذا القلق تسريبات أولية أشاعت أن الفيلم يجسد أحداث «ثورة الزنج» التي اندلعت في العراق خلال العصر العباسي، وهي ثورة لا ترتبط جغرافياً أو تاريخياً بمصر.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، من أن محاولة إسقاط أحداث عرقية وقعت في العراق على الواقع المصري قد يخدم بشكل مباشر ادعاءات حركة «الأفروسنتريك» التي تحاول نسب الحضارة المصرية لأصول زنجية وتصوير المصريين الحاليين كغزاة، مؤكداً أن الدراما التاريخية تمثل مصدراً أساسياً لتشكيل وعي الأجيال، وأي خطأ في معالجتها قد يتحول إلى حقيقة مشوهة في العقول.
وعلى الجانب الآخر، جاء رد المخرج محمد دياب حاسماً لتفكيك هذه الاتهامات، حيث أكد في بيانات متعددة أن الفيلم لا علاقة له بالعصر العباسي أو ثورة الزنج، بل تدور أحداثه في منتصف القرن التاسع عشر في مصر وأوضح دياب أن الفيلم يسلط الضوء على ريادة الدولة المصرية كأول دولة في المنطقة تتخذ قراراً سيادياً بإلغاء العبودية، وما أحدثه هذا القرار من زلزال اجتماعي في ذلك الوقت ولنسف اتهامات دعم الأفروسنتريك، كشف المخرج أن المشهد الأول في الفيلم يظهر بوضوح اختطاف العبيد من أفريقيا بواسطة قراصنة إنجليز قبل بيعهم في الأسواق المصرية، وهو ما يؤكد أن هؤلاء الشخصيات ليسوا من أصل مصري، بل ضحايا لتجارة دولية، وبذلك يفصل العمل تماماً بين العرق المصري صاحب الأرض وبين المجموعات الوافدة
وفي ما يتعلق بالقيمة الفنية والتطور الدرامي، يمثل فيلم «أسد» نقطة تحول جوهرية في مسيرة محمد رمضان، الذي ابتعد عن السينما والدراما التلفزيونية لمدة ثلاث سنوات للتفرغ لهذا المشروع، رغبة منه في تحطيم الصورة النمطية للبطل الشعبي وتقديم «بطل ملحمي» يضاهي الشخصيات العالمية وقد اعتمد المخرج محمد دياب في تنفيذ العمل على تقنيات إخراجية معقدة، أبرزها أسلوب «اللقطة الواحدة المستمرة في العديد من المشاهد، مع الاستعانة بفرق عالمية لتصميم المعارك لضمان خروج الفيلم بجودة تضاهي الإنتاجات الدولية.
ورغم حدة الهجوم الأثري والمخاوف القومية، حقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً كبيراً فور طرحه، حيث اكتسح شباك التذاكر المصري بإيرادات تجاوزت سبعة ملايين جنيه في أول ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من عرضه ويعكس هذا الإقبال فضولاً شعبياً لاستكشاف العمل الذي يشارك في بطولته نخبة من النجوم.
وهكذا، يظل فيلم «أسد» نموذجاً للاشتباك الحي بين السينما كصناعة ترفيهية وبين دورها كقوة ناعمة في صياغة الوعي القومي، وبينما يراه البعض مخاطرة قد تمس الثوابت التاريخية، يراه آخرون ملحمة وطنية تعيد الاعتبار للريادة المصرية وتفتح آفاقاً جديدة للإنتاج السينمائي الضخم في المنطق.
